الرئيسية / الأعداد / حسن العلوي مفهوم و ديوان (عْصَرْتَكْ دمعة) : بنية التجاذبات وآليات إنتاج البرامج السردية  – سعيد فرحاوي

حسن العلوي مفهوم و ديوان (عْصَرْتَكْ دمعة) : بنية التجاذبات وآليات إنتاج البرامج السردية  – سعيد فرحاوي

 

حسن العلوي مفهوم و ديوان (عْصَرْتَكْ دمعة) : بنية التجاذبات وآليات إنتاج البرامج السردية 

سعيد فرحاوي*

 

يظهر ديوان الشاعر حسن العلوي مفهوم ، ملغوما و غير واضح الدلالة ، لا يمكن

للقارئ ان يتفطن و أن يمتلك المفاتيح الأولى لفهم المقصود من (عْصَرْتكْ دَمْعَة) ، فيبقى السؤال معلقا : هل يعني بذلك الدموع  أو الأحزان و القلق ، أم يتكلم عن القصائد  موضوع معصرته أم  ماذا ؟ ، فقط مانمتلكه الآن ، من خلال العتبة الأولى / الغلاف ، أن الشاعر يحيلنا على وجه يمطر دمعات من عين  برموش جميلة ، ينحني نحو الأسفل  بحزام متصل ، عبارة عن قطعة تهبط من الرأس  إلى أسفل الغلاف حاملة  دمعة ، وهي إشارة أولية ستدخلنا في أسئلة الديوان المليئة بالدموع ، و ما تتصل به من قلق و ألم و معاناة . فمنذ أول إشارة نصية تحيل عليها مجموعة من العلامات ، هي عبارة عن تمظهرات تحيل  بشكل واضح على معان متعددة . فيظهر العنوان بمعجم دال ، و اللوحة بإشارة علاماتية مكشوفة ، هنا ستبدأ بوادر الكتابة تطرح صورا دالة  عن ما سيأتي به عمق الديوان .

ستكون مقاربتنا محايدة ، لا تسقط تأويلات معينة  في غياب قرائن دالة و مقولات منطقية تقنع القارئ بنتائج التحليل ، لذلك سنعتبرها بداية ، بمنطلق أساسه مبني على درجة الصفر في الكتابة والقراءة معا :

1 – درجة الصفر في الكتابة : و تعني أن الديوان لم يتحدد بعد ، و لم يكشف عن أوراقه ، لهذا ستكون الفرضية التالية هي المعيار المعتمد : ماذا عصر الشاعر؟ و ما طبيعة هذه الدمعات التي عصرها ؟ و لماذا عصرها ؟ ثم من عصر من ؟ هل الشاعر هو الذي عصر النصوص أم النصوص هي التي عصرته ؟ ، وفقا لمقولة الفرزدق ( قلع ضرس أهون من كتابة بيت شعري ) . ؟ و كيف عصر الكاتب كتابته حتى خرجت دمعات و صيحات تنبش في  عنف كتابة تسعى منذ البداية أن تكون مرة و حارقة ؟

2 – درجة الصفر في القراءة : و منها سنبحث في عمق هذا العصر الذي انولد  حارقا ، حيث يظهر الديوان في  بدايته معصورا ، كما سنكشف عن أجوبة مقنعة تخرجنا من متاهة الأسئلة  الإشكالية ، التي يغيب الجواب عنها منذ العتبات الأولى ، لهذا ، يستدعي قراءة تأملية لكل نص على حدة بتأن و بتأمل كبير، حتى يتسنى لنا الوصول إلى حل يعيننا  على فك ألغاز العنوان المشفرة .

عمل يستدعي منا الزيادة في التنقيب والبحث وتحليل ما  تخفيه النصوص لفهم معاني الدموع التي عصرها الشاعر وأراد أن يشاركنا جمالها .

فبالعودة إلى النص الأول ، النص المفتاح ( زْهَرْ بْلادِي ) ، بضمير الأنا ، يفتتح  الشاعر قصيدته محددا طبيعة القطب المعني في خطابه الشعري :

– العنوان : عصرتك .

– القصيدة الأولى : ( زْهَرْ بْلَادِي ) ، حيث يفتتح الشاعر النص قائلا:

 

( هَزِّيتْ زَهرِي فُوقْ كْتافِي

وُغَادَرْت  جْنانْ كان جْنانِي … ) . ص 5

. من هنا يمكن استخلاص ما يلي :

– الذات الشاعرية  هي : الأنا  .  – الموضوع هو : ( هزيت زهري فوق كتافي. (

– المكان هو بلادي + الجنان.

– الزمن هوالحاضر :هزيت + غادرت.

– السبب أو الدافع فهو  :

( انْبَرِّي عْلى جْنانْ ثاني )

– الحالة النفسية تتجلىفي :

( مْشيتْ هايَم  خَطْوي امْفافِي … ) .

فالأسطر الشعرية كلها تنطلق بالأفعال الدالة عن الحاضر : (هزيت … غادرت … مشيت … غادي … ) ، و هي خطاب موجه من أنا / مرسل ، إلى مرسل إليه مختف  يفترضه الشاعر و يوجه إليه خطابه محددا الزمن ،  كما حدد الموضوع ، المكان ، والحالة النفسية . فهو منذ البداية يعري عن حاله  كاشفا عن عناصر برنامجه السردي كاملا. وهي صور لها صلة بمحتوى الدموع التي عصرها عصرا و كشف عنها كشفا ، بشكل مثير للجدل . هذه المراحل البناية التي تؤسس مستهل خطابه الشعري ، تدفع بنا إلى الحديث عن طبيعة البرنامج السردية ، و كيف اشتغل عليها  ليبني مجريات تمفصلات الدلالة .

اعتمد الشاعر على بنية الأفعال  لخلق دينامية قوية تدل على قوة الحركة و التجاذبات ، و السبب من وراء ذلك هو قوة و عنف الموضوع الذي جعل من الشاعر أن يعصره  عصرات . لذلك جاء البرنامج السردي واضحا بكافة عناصره التي سنحددها في الخطاطة التالية :

– عامل الذات — الأنا / الضمير الدال على الشاعر .

– موضوع القيمة — ( انْبرِّي على جْنانْ ثاني ) ، و الدالة على الرغبة في تغيير المكان .

– العامل المعاكس — موت  و بهتان أوراق الجنان القديم.

كما يقول :

( حيث فَ جْناني ماتْ جْدُورو

بْهاتْ وَرْقو كَاسو حَافِي

وَ اصْبحْ عَرْفو يَابَسْ وُ قَانِي )

 

– العامل المساعد — الأمل والرغبة في التغيير والتحديد.

كما يقول :

( نَزْرَعْ زرعِي يَحْيا مْنَ جْديدْ

نَسْقيهْ هَمِّي وُ آهْ التَّنْهيدْ ) .

و هو استشعار الشاعر صفة الزهر ليلبسه لباسا إنسانيا ، فيصبح هو الموضوع المعني في كل المعادلات ، و كأنه لا يعنيه الموضوع الحدث ، فيضع نفسه موضع الوسيط بين قضايا يشكو منها الزهر ، و بين الزهر بصفته الشخص المتضرر، و هكذا يتخلص الشاعر من محتويات ما ، يجادل هذا الشخص المسمى الزّْهر . هذه التقنية مكنت الشاعر من اللعب بكل قواه الجمالية بقضايا مثيرة للجدل ، فخرج من الأسلوب العادي المتداول في دارجتنا المغربية  ليغير الوجهة صوب تقنية فنية ، بها يتحرر من معاناة  يومية تعني الإنسان في علاقته بهمومه المعيشية. فعوض أن يقول : ماعندي زهر  …

يتحول إلى صيغة أخرى ليبحث عن زهر الزهر ، و مشاكل الزهر و كأن صاحبها لا يعنيه الموضوع الذي تكلم و يتكلم عنه في قصيدة  ( زهر بلادي ) ، و بذلك نصبح أمام ثلاث حالات من الزهر:

1- زهر الشاعر كذات و كصفة.

2 – زهر الزهر ، و هنا يصبح الزهر ، موضوع النقاش ، فيأتي شخصية خارج الذات الشاعرية.

3- زهر بلادي ، و هنا عمم الشاعر الموضوع  فأصبح الزهر المعني في الخطاب ، هو زهر البلاد ككل .

نحن، إذن ، أمام ثلاثة انواع من الزهر، و في الإشتغال عليها ، لا تشعر بالتغيير من زهر إلى آخر، لتصبح القضية كبيرة ، أكبر مما يظنه الإنسان العادي و البسيط.

هذا التنوع في صفة الزهر ، يقوي من عوامل الذات ، فنصبح أمام ثلاثة برامج سردية تتفاعل  و  تتحاور لتنتج برنامجا عاما و هو برنامج العامل الرئيسي  الذي يظهر و يختفي ، و ربما يكون أكبر من الزهر الذات أو من  الزهر الصفة ، أو حتى الزهر الشاعر ، كما هو أكبر من الزهر الوطن ، أو كما نسميه الزهر الضمير ، أو القيمة المثلى ، أو القضية المطلق ، أو الأنا الأعلى التي تراقب و تتابع بحكامة و بحكمة كل مجريات الوجود . فتنجلي بصيغة النبل ، حيث لا تقبل الرداءة ، كما ترفض الهشاشة و الأعطاب المجتمعية التي تقود نحو الضياع والتلف .

  • نية البرامج السردية في قصيدة ( زهر بلادي ) :

بعد تأملنا في قصيدة زهر بلادي ،  في النص الأول نجد أن  لعبة بناء الدلالة  تتنوع  في ثلاث برنامج سردية / programme  narative      ، و التي  يمكننا تحديدها على الشكل التالي :

1 – برنامح السردي الأول :

و هو برنامج سردي لدي الباث : ( غَادي انْبَرِّي عْلى جْنان ثانَي … )  ص5.

هنا عامل الذات الباث / Actant  sujet

له موضوع قيمة يسعى تحقيقها ، و هي عبارة عن انتقال من حالة أولية ، وتتمثل في مرحلة بالنقص /  État de manque،  إلى المرحلة النهائية وهي مرحلة تجاوز االشعور بالنقص / Liquudationt de manque ، وتحقيق الهدف أو الطموح ، ليصبح في وضعية سيتصل فيها بموضوع قيمته / objet de valeur.

هذا الإنتقال سنحدده بالتفصيل في الخطاطة التالية:

– عامل الذات الباث :

و موضوع  قيمته ، الحصول على جنان مغاير عن الأول .

– عامل الذات المساعد الأول  : حمل الزهر فوق الكتف ، و بعدها تغيير المكان.

– عامل الذات المساعد الثاني  : و موضوعه + الزهر.

– عامل الذات المعاكس :  الجنان القديم لم يعد ملائما لتطلعاته .

 

2 – البرنامج السردي الثاني الخاص بالزهر :

– عامل الذات يتجاوز الكيد + البحث عن السرور + تجاوز الهم + رفع الرأس + استرجاع العزة

، هذه المعطيات يدل عليها المقطع الشعري التالي :

( هَذا زَهْري يَشْكي من ݣِيدْ

مَا شَافْ نْهار فيهْ سْرورو

لَبّْسوهْ الْهم شَاعَلْ اعْوافِي

رَدّو  بَزَّزْ راسو حانِي … )  ص 6.

– العامل المساعد الباث المعاكس :

و للخروج من هذه الوضعيات ، دخل الشاعر في حوار روحي مع زهره ، طبعا ، بعد أن  طلب الزهر من الشاعر المساعدة للخروج من العبودية نحو الإنعتاق وتجاوز الوحل  . يقول :

( مَلِّي ما صاب دْوا يْشافي

جَا تْحَامَى بِي وُ تْرجّاني

ݣَالْ لِّي عْتَقْني رَاني صافي

مَا لْݣِيت وَالي فاضتْ اجْفاني… ) ص7.

فبحثا عن مخرج لمعضلته  ، دخل الشاعر في حوار روحي مع زهره لإيجاد حل مشترك ، يشفي غليله و غليل  ضيم  و هم  هذا الزهرالعنيد ، ماداما هما معا متلازمين ( الشاعر والزهر ) ، يمتلكان  برنامجا سرديا واحدا مشتركا بينهما ، و لتوضج ذلك يقول في الصفحة 7:

( ݣَلْتْ لُو زهري وَخَّ انت عْنيدْ

فْ وَسْط تْرابكْ  مَربوطْ بْ ݣِيدْ

رَا انت عندي عْزيزْ مَقْدارو

فِيك احْلامي تُوبْها وافِي … ).

فتصبح للشاعر رؤية متماسكة مع رؤية الزهر، لذلك  سيصبح همهما مشتركا و حلمها متقاربا ، و بهذا يمكن أن يصبح برنامجهما مترابطا و مشتركا ، فيصبح عامل الذات جماعيا على الشكل التالي :

– عامل الذات الباث : الشاعر + عامل ذات الزهر.

– موضوع قيمتهما : هو البحث عن العز+ إعادة الإعتبار للذات المهملة +  تجاوز التشريد + العزة.

فتصبح القوة متقاسمة ، و الرغبة واحدة ،  و الهدف مشتركا . لتشكل كلها عاملا مساعدا لتجاوز النقص.

أما العامل المعاكس فهو نفسه المعاكس السابق الذي  نعته بضمير الغائب و ذلك بعدم ذكر اسمه و لا صفاته ، وهي دلالة على عدم الإعتراف به  فتركه مجهولا و نكرة.

3 – البرنامج السردي الثالث ، و المتمثل في  زهر لبلاد ، و الذي يمكننا تحديده على الشكل التالي:

– عامل الذات : زهر لبلاد.

– عامل الموضوع : الإصلاح و التغيير.

– العامل المساعد : الشاعر.

– العامل المعاكس : هم الذين أحرقوا الجنان وجعلوا عروقه يابسة ( الفساد )

  • خلاصة عبارة عن استنتاجات تعني حقول البرامج السردية:

حاول الشاعر، من خلال لعبة البرامج السردية المتنوعة ، توزيع الطموحات حسب عوامل ذوات مختلفة ، مرة يكون الشاعر  هو عامل ذات له موضوع قيمة (التحول و الإنتقال) رفقه زهره سعيا نحو غد أفضل  ،  و مرة أخرى يدخل في حوار مع برنامج زهره الذي هو الآخر يعاني ، فيشتكي بحثا عن حلم مفتقد، ثم برنامج ثالث جعل فيه البلاد هي عامل الذات المركزي بصفتها الأم الحاضنة ، الجامعة شمل و هموم أبنائها جميعا ، لذلك جعل العنوان دالا عن البرنامج الأصلي و المركزي ، و الذي سماه ( زهر بلادي ) ؛ عنوان يشكل وحده نصا كاملا و جامعا و شاملا لكل الأطروحات الذي يقدمها الباث بصفته  الوصي في عملية إنتاج كل ما له صلة بجزئيات متماسكة و مداخلة.

فيصبح الهم مشتركا بين المكونات الثلاث ، والتي يمكن حصرها في الخطاطة التالية:

– الباث (الشاعر) = ا لزهر= البلاد.

فيشكلون بذلك وحدة متداخلة ، كل واحد يعني الآخر و يتكلم بلسانه.  – صورة الزهر في النصوص الأخرى وعلاقتها بالنص الأول ، لتشكيل رؤية توضح طبيعة الدمعة التي عصرها الشاعر في ديوانه ( عصرتك دمعة )     .

كما قلت سابقا العنوان وحده يشكل نصا خاصا ومقطعا دالا عن خصوصيات صغرى أخفاها الشاعر و حاول توزيعها في النصوص ككل ، لهذا جاء الزهر في جل النصوص بقيمة مهيمنة ، بل هي القيمة الأساس في الديوان ككل ، ليصبح هو التيمة المحورية في  كل النصوص التي ظهرت بصور مغايرة ، فمرة جاء ملتصقا حاضنا قلب الشاعر : (هزيت  زهري فوق اكتافي … )  ص 5.

و مرة أخرى يظهر الزهر بمكون آخر يصبح فيه الشاعر هو الحاضن و الراغب في إسعاده:

( نزرع زهري يحيا مْنَ جْديد… ) ص 5.

حيث يتقدم الزهر  بأسلوب الطلب و الترجي ، طالبا من الشاعر إنقاده:

( قال لي عْتَقْني راني صافي… )  ص 6.

بعدها يتحول الشاعر في نص آخر ليحدثنا عن ميلاد هذا الزهر و ما رافقه من مشاكل و ويلات فيقول :

( تْزادْ الزّْهرْ … مَا ݣَمَّطْناهْ … ) ص 9.

فالملاحظ  هنا ، هو  تحويل الضمير من المفرد المتكلم إلى الأنا الجماعية ، ليصبح الكل معنيا في خطاب شعري عام يريد فيه الشاعر تحميل المسؤولية للكل بصفتهم مسؤولين عن الحال و الأحوال . يقول في الصفحة 9 :

( تْزَادْ الزّْهَرْ …

مَا ݣَمَّطْناهْ…

…مَا سَمِّيناهْ

مَا بَخَّرْناه… ْ

مَا رَضَّعْناهْ …

مَا سَكَّتْناه… ْ

بْدَا يَحْبَا

مَا وَرِّيناهْ …

بْدَايَدَّا

مَا مَشِّيناهْ …

طَاحْ وُ نَاضْ

مَا عَوَنّاهْ …

بْدَا يَهْضَرْ

مَا خَلِّيناهْ …

فَكّْ الْخَطّْ

مَا عَلَّمْناهْ …

كْبَرْ وَ رْشَدْ

مَا وَجَّهْناهْ …

وُ فْوَسْطْ الْحَمْلَة

حَطِّيناهْ … )

و النتيجة كما قول :

( اصْبح قَشَّة

تْلوحْها لَرْياحْ

وَلَّى خُبزَة.

فْ كَفْ الطَّرَّاحْ

تْݣَلَّبْ فيه.

ولا يَرْتاحْ )

إلى أن يصل بقوله  :

( مَا شافْ اسْعادْ

مَا شاف افْراحْ … ) ص 10.

هي خلاصة إذن ناتجة عن غيابنا الفردي والجماعي التي جعلت من حال زهرنا في وضع لا يطاق.

نفس الخطاب يتكرر بصيغ مغايرة في نص ( غْرازْ لَحْروفْ ) ، حيث يقول في آخر سطر شعري من القصيدة :

( وُحَلْمو فْ غَدَّا يْكون سَعْدو جْبَحْ ) . ص 13.

هذا دون أن نترك الفرصة تمر لنتكلم عن  صيحته القوية الدالة بعنف على علاقته بموضوع سعده المصاب بالخيبات التي لا حصر لها . يقول في قصيدته ( وا يا سَعْدي ) في الصفحة 14 :

( فِين نْصِيبَكْ وَا يا سَعْدي

مَا انت قَبْلي وَ لا بَعْدي

عْيٌيت نْبَرِّي نْقلَّبْ وحدِي

وَ لا جْبَرْتَكْ يَشْوينِي فِيكْ … )

و هي إحالة دالة عن الضياع والإفتقاد . فيقول :

( نْياب ذْياب فَارْسانا

وُ نَازْلة فِينا تْهَنْشرْ

مَا هِي فِيكْ رَحْمَانا

وَلا بِينا تْݣولْ تَغْفرْ

يَمْتى يَصْفى فِيك مَانَا

وّ اغْصانْ سْعادْنا تْخَضَّرْ … ) ص 22/23 .

 

فدلالة السلب ، كلها تشكل الإشارات الدالة على الإفتقاد و الشعور بالألم الناتج عن الضياع  و الشعور بالنقص.

 

أما في نص ( حْكايَةْ حُرَّة) بالصفحة 27  فيقول الشاعر :

( الناس تَشْطحْ وَ تْغَنِّي

وُ هي تَبكي بْسَعْدْها مْوَنِّي … )

هذه الإحالات على رفض الواقع  و الثورة عليه ، نجدها في نصوص أخرى  تتكلم عن الزهر بمرادفات تدل على الزهر بصفات مختلفة ، كما هو الشأن في نص ( خَرْبوشَة )  بالصفحة 31 حيث يقول :

( وُ ݣَلتْ ليها رْجايا فَ الدّارْ

تْعود زْنيݣَة وُ عامْرة نُوّارْ )

فهنا دائما ، الكلام محصور في الأمل المفقود والإحساس بشعور الخيبة ، مع طلب الرغبة في التغيير بدواعي متعددة.

ففي نص ( مَا فِيك أَمَانْ )  بالصفحة 32 نجد الشاعر يقول :

( مَلِّي الْواحدْ فيك يَدْزَادْ

غْواتو يِسَمعوه لَعْبادْ

وِ يْݣولو جانا بَاسْعادْ

يَا الدّنيا مَا فيك امَانْ )

دائما هو الحديث عن السعد أو الزهر في صيحة الخيبة و الشعور بالنقص . نفس الشيء ، نجده في الصفحة 34 من نفس القصيدة حيث يستحضر السعد الضائع  و التائه بنفس الظن و بنفس الرؤية حين يقول في ص 37 :

( هَايَمْ غادي تابع سَعدُو

وَ حْمارسَعْدو مْتَلّفْ ݣودُو … )

و في قصيدة ( زِيد عْلى بَلْعِيدْ ) .

يقول في الصفحة 39  :

( فَ بْحر سعدو     مُوجو عَادَمْ

يَجْرِي وِيطيحْ       عَزْمو جَاتَمْ ) …

و بنفس الظن ، يقول كذلك في نفس الصفحة :

( يبْكي سَعْدو    غادي ضدُّو

يَنْذَبْ حظو       يَلْطمْ خَدُّو )

و في قصيدة ( آحْ عْليك )  بالصفحة 39 يستمر حسن العلوي بنفس الرؤية السابقة ، حيث يقول :

( لا حَدّْ فِينا نَتّݣْ لُوتادْ

بَاش تْمَرْحي

تْفَرْحي بَ اسْعَادْ )

و في نفس القصيدة الصفحة 41 يقول :

( يَمْتَى تْفَرْحي وَقْتَكْ يَسْعادْ )

أما في نص ( كْلامْ الْحَقّْ ) بالصفحة 56 ، يزيد من تأكيد عمق هذه الخاصية  و وظيفتها في بناء معالم التيه و قوة الإفتقاد في بناء معالم النصوص ، يقول :

( رْجانَا فَ الْخَلْقْ

بِينا يَرفَقْ )

فيصبح الحل النهائي عند الشاعر هو العودة إلى الله ، القوة الوحيدة القادرة على استرجاع الحق وإعادة الإعتبار للزهر المتسكع في كل دوامات المتاهة و الإفتقاد .

و في نص ( الدّْجاجَة التَّرَّاسَة ) ، نجد العمق من قيمة السعد ، عندما عاد إلى الثقافة الشعبية بحكاياتها الجميلة ليغني قيمة موضوعه ، و يكون بذلك قد استعار من كل الحقول ما يضفي الشرعية على موضوعه ليقنع القارئ الضمني بقصصه الشعرية المتنوعة ، لذا  يقول في الصفحة 58 :

( الدّْجاجَة تَشْري وَدُّو

تَتْمَنَّى يُوفِي بْوَعْدُو

ݣَالْ لِيها كُلٍّها وُ سَعْدُو

يِلَا عَاشْ النّْسَرْ عَاشُو اوْلادُو )

ليأتي في آخر قصيدة عنونها ب ( مَرْكَبْ الْمَحْنَة ) ليدل على عمق المعاني و شكل تمفصلاتها بلغة جمالية ، محددا أن الحياة برمتها مجرد مركب ، لكنه مركب كله محن و عذاب ، فيه تضيع الفرص و تتصدى لموازين السعد الذي سماه زهر بلا قيمة و بلا معنى، يقول في هذه القصيدة في الصفحة رقم 79 ، كخلاصة تبين استمرار الشاعر في التصدي لكل مظاهر الفساد و الإقصاء و التهميش ، واعدا بالتسلح بحرفه إلى آخر رمق من عمره :

( مَا بْغيتْ نارْ اتْحَرْݣَكْ

وَ لا مَنْشارْ يِحَسْكَكْ

بْغيتْ الزّْهَرْ فْ شَجْرَكْ

يَتْمَرْ طِيبُو فِينا

 

انْتَ مَرْكَبْنا غَالِي

نَفْدِيكْ بَالْحَرْفْ دْيَالِي

نْغَنِّيكْ مَوّالْ يِشالِي

حَتّى نَرْحَلْ كْفِينَة )

فيصبح الأمل معلقا على الحرف ، بصفته القوة الوحيدة الممكنة التي يتغنى بها الشاعر و يتباهى ليرد الإعتبار لمركبه ، الذي هو وطنه ، هو زهره ، هو ذاته الشاعرة ، لذلك تصبح كل هذه الألوان المحروقة عبارة عن قصائد   تكلم فيها الشاعر عن مواضيع محرقته التي عصرها في هذا الديوان دمعات و آهات ترتب صفوف الألم و توزع كل المجالات التي رسمت معالم الغربة و الإغتراب في وجود حصره الشاعر في سعد غير تام ، بلا هوية ، مجرد فكرة نكرة نسبها إلى ذاته . فكانت النتيجة ضرورة  عصر الذات عصرات و دمعات .

 

ناقد من المغرب 

 

 

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

الجمعية الإقليمية لرعاية الشؤون الثقافية تعقد اجتماعاً حاسماً لتنزيل موسمها الثقافي 2026 والتحضير لملحونيات

في إطار ديناميتها المستمرة وحرصاً على تنفيذ برنامجها السنوي الطموح، احتضن مقر الجمعية يوم السبت …

اترك تعليقاً