الرئيسية / الأعداد / محاولة للسفر في قصيدة أنشودة للربيع الهارب للشاعرة  لطيفة السليماني الغراس – عبد العزيز  حنان

محاولة للسفر في قصيدة أنشودة للربيع الهارب للشاعرة  لطيفة السليماني الغراس – عبد العزيز  حنان

محاولة للسفر في قصيدة أنشودة للربيع الهارب للشاعرة  لطيفة السليماني الغراس

عبد العزيز  جنان*

 

 

مدخل

 

عن الأنْسَنة

ظاهرة إبداعية عرفتها المنظومة الإبداعية  الشعرية . و يتعلق الأمر بأنْسنة ما لا ينتمي للجنس البشري و إلباسه صفات يختص بها الإنسان .

هي ظاهرة عرفها الشعر العربي  منذ المرحلة المسمّاة بالجاهلية ، و تتجلى في أنْسنة الأطلال  و الرّسم  الدارس ، و في الجبال و الفيافي  و حتى  في  الحيوانات التي عايشها الإنسان العربي . و المعلقات  خير شاهد على هذا الاتجاه الإبداعي المتميز من التجربة الشعرية . و قد  اتفق النقاد  العرب بنِسبته  إلى الاستعارة و المجاز باستثناء عبد القادر الجرجاني الذي أخرجه من المجاز  و حصره  في الاستعارة . و في هذا الصدد يستشهد النقاد  بالبيت الشعري للبحتري :

أتاك الربيع يختال ضاحكا /من الحسن حتى كاد أن يتكلما

و حديثا  لم يتوقف هذا الاتجاه ، و تظل قصيدة أبي القاسم الشابي ( إرادة الحياة ) خير تجلي  له .

قصيدة الشاعرة لطيفة الغراس ( أنشودة للربيع الهارب) تدخل في هذا  الإطار غير أن الفرق بينها  و بين معظم التجارب القديمة أن هذه الأخيرة تتجه في معظمها  إلى الجماد يزرع فيه سلوكات إنسانية ، بينما القصيدة هنا تتجه إلى الحي و تمدّه بنبض الروح الإنسانية بكل ما يعتمل فيها .

الربيع .

مظهر من مظاهر الطبيعة الحية . له قوانينه و مظاهره و مساراته المنحوتة  في ذاكرة الإنسان ، و إذ تقتحم الشاعرة خصوصياته و تحوله إلى كائن بشري . هو يتجاوز الاستعارة  و الإسقاط كمصطلحين بلاغيين ،  ليجعل منه مخلوقا حقيقيا ينفعل و يؤثر  حسب رؤية . الناقد  محمد أرڭون . الشاعرة تركب هذا التحدي بعفوية دون تكلُّف  و لا صنعة ركيكة ، و إنما بسلاسة متميزة .

القصيدة

يمكن تقسيمها إلى إلى سبعة أنْفاس . قد تبدو  متداخلة ، لكنها تشكل حلقات سلسلة مترابطة تشد بعضها ، أو أنْفاس رئتين في شهقة واحدة .مع  الإشارة  إلى رمزية الرقم 7 في المِخيال الإنساني  منذ  القدم .

لن أثقل على المتلقي بسرد النظريات  و المدارس النقدية  و أعلامها ، لأنني أومن أن القصيدة  تخلق مدرستها النقدية . نعم نستعين و نستفيد من الآليات  و المنهجية المعتمدة في دراسة و تحليل النصوص ، لكن لا نُلبس القصيدة  بدلة مُعدّة سلفا . قد تكون مناسبة و قد تكون جد ضيقة  و قد تكون فضفاضة ،  و قد  طويلة جدا  أو قصيرة.  وفي هذا ظلم للقصيدة  و لمبدعها .

 

النّفَس الأول

رفعُ الستارة في العمل المسرحي ، لحظة رفع الستارة لها أهميتها في تهييئ المتلقي لما هو بعدها . و ذكاء الإخراج المسرحي يتجلى في هذه اللحظة الفاصلة . فإما يحدث التفاعل و يتعلق المتلقي بالركح  و يجعله مشدودا إليه  و إلى ما سيكون على بساطه ، أو يكون العكس .

بين النجاح و الإخفاق ستارة تُرفع …

في هذه القصيدة ، نجد الشاعرة  قد توفّقت في هذه المحطّة إذ تقدم مشهدا أوليا  يؤثث الركح . و من اللحظة الأولى تُقْحم المتلقي في عوالم القصيدة  من خلال لوحة تشكيلية  سريالية عليه أن يتمثّلها في مِخْياله من خلال أهم  مرتكزات  هذا الاتجاه :

  • يهدف إلى التعبير عن النفس بعيدا عن الرقابة التي يفرضها العقل .
  • يهدف أيضا إلى الغوص في أعماق اللاشعور للبحث عن مصدر إلهام للفنان عن طريق الحركة السريالية والتجول في بواطن العقل .

فالمشهد التشكيلي في هذا النّفَس يرتكز على :

– صوت يتسلل

– راعٍ يسوق قطيع هموم العصر .

من يستطيع رسم مشهد هذه اللوحة ؟؟؟

التسلل ، يقدم لنا حركات تتوزع بين التّجلي و التّخفي ، يظهر لكنه في الآن ذاته يحاذر الانكشاف . و في اللحظة نفسها يهمس عبر العبير .

ترى ، لمن يهمس هذا الصوت ؟؟؟

هل للشاعرة ؟؟؟

هل لكائن آخر ؟؟؟

ثم  ( كُنْتُ )  الذات الشاعرة  ترعى هموم الحاضر .

أيّا كانت دلالة  لفظ ( أرعى ) فهي تحمل في حروفها معنى العناية  و المراقبة و التتبع مع اليقظة .

( هموم الحاضر)، هي  هموم مَن ؟؟؟

الشاعرة أم الزمن الحاضر المستمر ؟؟؟

إنها حالات مفتتة  تدفع المتلقي – و الستارة تُرفَع – أن  يعمل على جمعها  و يرتّبها .

فحاول أيها المارّ على هذا النّفَس المدخَل ( رفع الستارة ) أن  ترسم المشهد كما يحلو لك  و كما  تكَوّن  في مِخْيالك ، وإنِ استطعت ، بريشة  على ورقة …

إبداع آخر . و هذه من حسنات و جماليات القصيدة .

و إليك  النّفَس الأول كاملا ، فعانِقْه :

تسلل الصوت ،

هامساً عبر العبير …

و كنتُ حينها ،

أرعى هموم الحاضر

على بساط المدى  الكبير…”

 

النّفَس الثاني

الحوار المفتاح

تقنية السرد  هنا اعتمدت على الحوار عوض الحكي المسترسل ، و هي تقنية  ليست بالسهلة  ولأن المسرحية / القصيدة في خطوتها الثانية و عليه ، لا بد من الاحتراس .

هي تقنية يمتلكها الحكواتي المحترف المتمكن من أدواته ، و الخبير بمن يتحوّطون الحلْقَة  ( نسبة إلى فن الحلْقة) وهي من الدعائم التي اعتمدها  المسرح الاحتفالي . فالحوار  ب ( قال / قلتُ ) تعطي حياة متحركة سواء للسارد أو المتلقي. إذ تجعل الأخير يتابع مسار هذا التجاذب .

حوار بين الشاعرة و الجدة . و يقفز بسرعة  السؤال : لماذا الجدة  و ليست الأم ؟؟؟

و دون الدخول في الافتراضات و التأويلات غير المؤسّسَة على معطيات ملموسة ، نسجل أنه حوار بين جيلين متباعدين  في المدى الزمني لكنهما يشتركان في اللاتواجد اللحظيّ .

هناك زمن الجدة  بحمولته الماضوية  التي تعتمد أساسا على الهدوء و الرضى  بما هو كائن حتى  و لو كان غير مستساغ : ( ها أنا ذي أرتشف / مشروبي الساخن ) .

في المقابل  هناك زمن الشاعرة  التي ( ترعى هموم الحاضر ) .

مشهدان متنافران أو قل هما متباعدان في التعامل  مع  الآني .

الدفء  في جوف الجدة ، سيؤول باردا مثل الهموم … و يتكرر لفظ ( الهموم ) بين النّفَس الأول  و الثاني عند الشاعرة ، لكنها  هنا تضيف إلى المشهد : ( مثل انزياحات الهدير ) . و الهدير متصل بالماء  الغاضب الصاخب في تدفقه أو ارتطامه بالصخر …

لتستمرّ الجدة / الماضي  غير الآبِه بالهموم :

( إني  أشجارا،

تزهر …)

هي معالم القناعة و الهدوء الجميل المفعم بالتفاؤل الذي لا ينقطع . لكن ردّ  الشاعرة / الحاضر ، مغاير  . فالجدّة في  نظرها مصابة بالعدوى . و العدوى في المِخْيال هي المرض الذي ينتقل  بسرعة بين الناس أثناء الاحتكاك بالمريض .

المُعدي هنا ليس مريضا ، و إنما هو حلم ربما  جيل الشاعرة لم يتذوقه كواقع و إنما يتخيّله افتراضا .

و هنا تستحضر الشاعرة  الربيع معتمدة علة الصورة الشعرية / اللوحة  بكل أبعادها .

التشكيل هنا ، عنصر مهم و حاضر في بناء  المشهد . إنه الربيع  بكل مرحله من حضور الماء إلى التغييرات  التي تطرأ على كل مناحي الأرض ثمرا ، أو شجرا ، أو بشرا …

 

النّفَس الثالث

الربيع بين جيلين ، بين محطّتين

( قيل ) فعل مبني للمجهول . فمن القائل ؟؟؟

ما هي مصداقية هذا القيل ما دام صحبه غير معلوم ؟؟؟

مقابل ( قيل )  يأتي  الجزم . ( و أنا أراه ) .

ففعل ( قيل ) يحبل إلى التملص من صِدْقية المقول  و التّبرؤ  من صحته أو عدمه .

مدلول ( قيل ) أن هذا الكائن المُسمّى  الربيع ، (  أتى يختال ) .

*لفظ أتى يدل على  كونه كائنا متحركا . قادما من زمن و مكان ما ، إلى آخريْن  و صفة قدومه أنه يختال .

و دلالة  هذه الصفة هو المشي في دلال و تباهٍ و تمايُل . و هذه  الصفة مرتبطة بدرجة الجمال و المرتبة  مع استغلال كل ذلك في التباهي . هذا في الإنسان ، أما في الطبيعة  فاختالت الأرض بمعنى ازْدانت .

إذا  الصورة هنا مكتملة  لِ  قيل ) عن الربيع .

الصورة المعاكسة عند  الشاعرة  تعتمد على التأكيد الجازم . تبدأ  ب  ( و ) العطف السريع الذي يعارض المشاركة في الصفة . و القائل هنا  ليس مجهولا و إنما هو معلوم . إنها  الشاعرة .

يأتي الإخبار  بجملة فعلية  ( أراه )  و هي تدل هنا على الحدث الممتدّ في الزمان . الفعل زمنه مضارع أي الحاضر المستمر  في الآتي …

و إذا كان ( القيل )  يحيل إلى الماضي من خلال وصف الربيع بالمختال و من صفته  التمهّل فالقائل  المُعلن ، يراه مجرد طيف . و هذه من بين الفروق بين الموقفين .

قيل ( قناعة الجدة ) كائن يتحرك على مهل ، يقابله أرى (  موقف الشاعرة ) فهو طيف عابر في لحظة قد تكون غير حقيقية .  و يؤكد ذلك :

” و أنا أراه ،

طيفا سريع العبور .

يمر مهرولا ،

بلا  ضجيج

كحلم ..

كخيال ..

كحوْلٍ ، سريعا يمر ..”

إنها صورة  مناقضة للقيل ،  و حتّى تمثُّل الصورة لهذا المشهد  يحتاج إلى تقنيات  جد  معقدّة .

تستمر الشاعرة في الرسم التشكيلي لموقفها و رُؤاها للمشهد  و هو بين ناظريها دون إغفال الحركة لهذا الطيف على مسافة الركح .

و هنا  تجد الشاعرة في هذه اللوحة تعتمد على الجمل الفعلية  المتحركة في الزمن الحاضر  المتحرك و الممتد في الآتي : يمرّ/ يحمل / يورق/ تسبح /يسابق / يحمل / يروي .سبعة أعال تشكل الحركية المتسارعة لهذا الربيع / الطيف . أحداث متسارعة بشكل مترادف  عكس صورة (  قيل ) . و هكذا  نجد أنفسنا أمام لوحة  ( الصورة الشعرية ) تحدد معلم المشهد :

سريع↞ طيف

مهرول↞ طيف

يحمل↞ طيف

يورق↞ طيف

تسبح↞ وشوشة الطيف

يحمل↞ طيف

يروي ↞ طيف

إيقاع سِمته الأساسية الحركة السريعة المتلاحقة …

هناك ملاحظة أخرى و هي كوْن هذه الأحداث عند الشاعرة محدّدة في الليل . و يؤكدها  التشبيه ( كحلم ) ، و الأحلام تحيل مباشرة  إلى الليل . و دليل ذلك  قول الشاعرة : ( أحلام ليل …) .

هي أحداث مترادفة  في زمن مُحاصر . زمن الليل .

ما علاقة  كل ذلك بزمن الشاعرة ؟؟؟

هو زمن الربيع بكل حمولاته ، من تجدّد الحياة إلى الخصب يمر بهذه السرعة  المفرطة كأنه حلم في ليل سريع المرور .

عل هي وصف حالة هذا الزمن المُعاش في هذه الحقبة من عمر وجود الإنسان من منطلق الشاعرة ؟؟؟

هل  يصدق رأي مدرسة التحليل النفسي للأدب في هذا النص كما  نجدها عند سيغموند فرويد ومن أشهر مفاهيمه نذكر كلا من اللاوعي، والأنا و الأنا الأعلى والهُوَ، وعقدة أوديب، ثم عقدة إلكترا، ثم الفرنسيين شارل مورون صاحب مفهوم الأسطورة الشخصية، وجاك لاكان الذي كان رائدا بارزا من رواد هذا المنهج .

مع استحضار عباس محمود العقاد في تعاطيه  لحالة التمرد عند الشاعر أبي نواس  .  دون إغفال  تجربة الناقد محمد النويهي مع نفس الشاعر .؟؟؟

مجرد  سؤال ….

 

النّفَس الرابع

الربيع بين  تفاحة إسحاق نيوتن

و نسبية آينشتاين

انطلاق  ——-ارتفاع ——- الذروة ——- السقوط .

إنه زمن الشاعرة  و ليس زمن الجدّة .

ينطلق النّفَس بهذه الصرخة الحارقة المتمثلة في لفظ آه.

آه . هو اسم فعل مضارع يدل على التشكي  و التوجع  و الألم و حتى الخيبة . نعم هو اسم  لكنه يحمل  في  طياته  دلالة الفعل المضارع الممتد من الآن إلى الآتي المستمر …

فعند الشاعرة  ، لم يبق من الربيع  إلا بقايا حكايا .  لم يعد حياةً حقيقية  نعيشها و نلامسها ، و إنما استحال مجرد  حكايا  قد  نحِنُّ إليها  لكنها مفتقدة .

“””    آه ، أيها الربيع …!

كيف اخْتزَلتْك الكلمات ،

غِـبَّ الحكْي ،

و حين تنتشي …

فيتّسع مدى النجْوى “””

التحسّر الناجم عن الخيبة تجسده  نظرتي نيوتن و آنشطاين من خلال المُنحنى .

من نقطة الانطلاق إلى نقطة السقوط . هي جاذبية النهايات  ، نعود إليها .

فهل يلقانا الربيع ثانية إذا ما  عاد بطيفه السريع ؟؟؟

 

النّفَس الخامس

هل من خلاص …؟؟؟

يكاد هذا النّفَس يتفجّر بهذه الصرخة  المكتومة . الرغبة في الخلاص  من وطأة الأشياء ، و حتى من لا جدوى الحاضر و الآتي .

عندما تكون ملامح القادم مجهولة ، يكون ثِقل الانتظار و التّرقب أشد وقعا …

هنا ينتقل ضمير المتكلم من الأنا  إلى الهمّ الجمْعيّ ، و يتحول المأمول إلى سراب ممتد …

( نشتاق / نحضن / نتأسّى ) ثلاث حركات تؤطر المشهد في شكله الجمْعيّ لاغيا بذلك ما هو فرْداني . و هو المشهد الذي يشترك فيه جيل الجدة كما جيل الشاعرة .

و نكون هنا أمام ثلاث شرفات .

الشرفة الأولى : نشتاق …

الاشتياق يكون في أغلبه اتجاه غير المتاح آنيا ، و غير المُحقّق الملموس في اللحظة .فنركب صهوة  الاشتياق على بساط الريح  و مصباح علاء الدين في حكايا ألف ليلة و ليلة .

إنه اللُّقى الموعود .

لقاء مَن ؟؟؟

و الوعد ، مِمّن ؟؟؟

و كأني بأبي الطيب المتنبي يناجي حسرته :

عيد بأية حال عدت يا عيد/ بما مضى أم لأمر فيك تجديد

أما الأحبة فالبيداء دونهمُ / فليْـت دونـك بيـد دونها بيـدُ

المهم  هنا ، أن هذا اللّقى المشتاق فيه فتحة أمل تزيح  و لو بعضا من القتامة الجاثمة على  الحياة .

الشرفة الثانية : نحضن…

و حتى يتمّ طرد أو التخفيف من حرقة الانتظار  ، يتم احتضان أرشيف الذكرى. مما يدلّ على أن هذا الأرشيف  يستحق الاحتضان . ففيه كثير  من المُفتقد  حاضرا .

الشاعرة هنا و دون أن تعمد إلى تفتيت هذا الأرشيف صفحة ، صفحة .فهي تترك للمتلقي مساحات الاستحضار  و التأويل .فأرشيف الذكرى لكل واحد منا ، ممتد بكل  ما يجعلنا نصبر على الانتظار و الاشتياق .

الشرفة الثالثة : نتأسّى …

التأسي ، هو نوع من الاصطبار على مصاب ما .  و إن كانت له  معاني أخرى حسب سياق اللفظ في التركيب ، لكن هو نوع من التّعزي على فقدان أو ضياع  شيء غالي جدا .

التأسّي  بالتّذكر يتّجه إلى التأسي بأشياء معينة و محددة بلا محاولة في فتحة الذاكرة  على مصراعيها  . لأنه قد يكون فيها  ما لا يساعد على هذا الاصطبار .  و هنا تأتي الشاعرة بالتشبيه  لتوضيح الصورة أكثر ، و بجلاء.

فلْنحاول  تشكيل لوحة  المُشبّه لتتضح لنا معالم دواخل المُشبَّه به . لِنحاول و لو تخيّلا رسم لوحة هذا المُشبَّه به .

أسير داخل زنزانته .  ما الذي تُراه يجترّ من الذكرى ؟؟؟

و يجترّ بمعنى  إعادة  رسم الأحداث التي كانت  – ربما – عابرة ، فيفتّتها  إلى الجزئيات الدقيقة  مثلما تفعل البهائم عند اجترار  الطعام الذي  اختزنته بجوفها لإعادة  معالجته و طحنه حتى يكون صالحا للهضم .

تلك هي معالم حياة الجمع ( نا = نحن ) .

لِنُشخص على الخشبة لوحة  المشبّه به ، وصولا إلى وجه الشبه  بينه و بين المشبّه  اللظان يشتركان في :

التأسي  بالتذكُر .

 

النّفَس السادس

هذا  هو وجه الشبه : التأسي …

لتكتمل الصورة البلاغية من خلال التشبيه ، الشاعرة  تركز على عنصر وجه الشبه ، فتخصّه بنَفَس خاص .

سبدأ بالتأكيد على الضمير الجمْعي للمتكلم . و كأن الكل يشترك في الصفة العامة للمشهد .

( ها ، نحن ) ، و من الأكيد أن الشاعرة تستحضر  الصورة اللوحة  التي يوجد عليها هؤلاء ال ( نحْن ) و أركز على ضمير جمع المتكلم .

( نَحِنّ  بشوق .)

الحنين ؛ هو نوع من افتقاد وضع  معيّن  بملامحه و شُخوصه ، فنستحضره تأسيّا و رغبة في أن يعود من جديد  .  و هو نوع من انتكاسة  الحاضر الآني . فاستحضار مشاهد و مواقف مرّت بنا و من لم يبق منها إلا صور منقوشة في دواخلنا  يعني افتقادنا لها .

(ها نحن ،

نحِنّ بشوق … )

تبدأ الشاعرة بهذا الصوت  المُرتدّ إلى الذي مضى  و انقطع . تتمناه لو يعود . و لفظة  ( بشوق )  تحيل إلى هذه الحاجة الملحة و المطلوبة بشدة كي تعود .

ن. ح . ن: ثلاثة حروف تتكرر في تركيبين لكنها تختلف في الدلالة . تشكل الأولى جمع المتكلم ة تحيل الثانية  إلى  وصف لحالة  هذا المتكلم . هو شكل من صور البلاغة العربية تستحضره الشاعرة  و المسمى  بالجِناس ، و هو اشتراك مغنيين مختلفين في نفس الحروف  . لتنتقل إلى سرد مجموعة من  المظاهر  المُفتقدة ، و التي و لّدت هذا الحنين بشوق . و كل هذه المظاهر  تبدأ بحرف اللام .  و هو لام الجرّ الدّال على  على التعليل  أي علّة  استخدام  هذا الحرف . هكذا  يمكننا  من رصد الشكل التعبيري  بهذه الطريقة

اللام        الاسم المجرور    علّتُه ( استخدامه )

لِ           عبير ذرات                   تقتحم

لِ           عين                            تسافر

لِ            كل الاخضرار                تزهو

لِ            كل الأوان                    تزهو

النتيجة :   (  فتقاوم الروح اندثارها .

تقاوم نسْف بهجتها ،

من عوادي الزمان . )

الفاء هنا  الذي يبدأ به  هذا المقطع هي  رابط جواب الشرط .  الشوق  ، هو لمظاهر عدة فإن تحققت  تكون النتيجة  و الجواب : تقاوم الروح …..

كما يمكن  في الدلالة السّياقية  تصنيف الفاء في خانة الترجي المُنتظر من كل المظاهر السابقة  . و هذه المظاهر  المرتجاة ، تنِم ّعن القحط الذي أصاب الزمن الذي تقصده الشاعرة .

 

النّفَس السابع

بين الاستسلام  و المرجُوُّ

كثيرة هي الاستعمالات اللغوية نمارسها دون تدقيق ، فيكون ما نريده ليس هو اللفظ المستعمل . و هذه إشكالية لغوية أخرى تحتاج لدراسة خاصة  تكشف مفهوم  ( التعويم اللغوي )  و سلبياته  ليس عند العامة فحسب ، و إنما حتى عند الخاصة من المبدعين  و المحللين .

بين التمني  و الرجاء .

يقل منا من يستعمل  لفظ ( الرجاء ) فنعوضه بلفظ         ( التمني ) رغم اختلاف اللفظين في الدلالة .

فالتمني  هو تلك الرغبة التي تتملّكنا  في حصول شيء ما أو بلوغه. و عليه  تكون النتيجة الحصول أو عدمه . التمني  رغبة قد تتحقق  و قد لا تتحقق .

و منه قوله تعالى في سورة النساء : <<<   وَمَنْ يُّشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَد ضَّلَّ ضَلَٰلاَۢ بَعِيداًۖ (115) اِنْ يَّدْعُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ إِنَٰثاٗ وَإِنْ يَّدْعُونَ إِلَّا شَيْطَٰناٗ مَّرِيداٗ (116) لَّعَنَهُ اُ۬للَّهُۖ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباٗ مَّفْرُوضاٗ (117) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَأٓمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ اَ۬لَانْعَٰمِ وَلَأٓمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اَ۬للَّهِۖ وَمَنْ يَّتَّخِذِ اِ۬لشَّيْطَٰنَ وَلِيّاٗ مِّن دُونِ اِ۬للَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناٗ مُّبِيناٗۖ (118) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْۖ وَمَا يَعِدُهُمُ اُ۬لشَّيْطَٰنُ إِلَّا غُرُوراًۖ (119 )>>>

 

و يثول الشاعر أحمد شوقي في قصيدة سلوا قلبي :

و ما نيل المطالب بالتمني // و لكن تؤخذ الدنيا غلابا

 

أما الرجاء ،  و هو ضد اليأس . و يفيد توقّع حصول الشيء  .  و هناك من لخصّه في كونه ظن يقيني  ، يقتضي حصول الشيء . يقول الله  تعالى في سورة الكهف : <<< فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاٗ صَٰلِحاٗ وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَداٗۖ (105 )>>>

و يقول المفكر العربي المظلوم جبران خليل جبران :

هيلانة  ضمنت لها و ليوسف / أجرا يفوق رجاء أتْقى راجي

فما هو المرجوُّ في هذا النّفَس ؟؟؟

ما يسبق الرجاء  و يجعله مطلبا ملحّا ، هو ذاك العجز  الذي ينتابنا أمام تخطّي حالة أو وضع ما ، أو عندما تُسدّ أمامنا كل المنافذ . فنلجأ إلى قوة ما  نؤمن بقدرتها على فتح هذه المنافذ  المستحيلة الفتح .

إنها لحظات العجز التام ،  و الاستسلام لوطأته . تلخصه الشاعرة  في تعبير :

( و نحن هنا في انتظار …)

انتظار المخلّص . إنه أكبر من ڭودو =  نسبة إلى ، في انتظار ڭودو = إنه القوة الأعظم أسمّيها : الله جلّ جلاله .

و كما صدح محمود درويش في ملحمة مديح الظل العالي ، و هو في أشد لحظات العجز المطلق وسط حصار بيروت  سنة 1982  :

=== يا خالقي

في هذه الساعات  من عدم

تجلّ

……

……. ====

الشاعرة هنا  و في ذروة الانسداد ، تعلن بلا صوت  مرحلة الاستسلام .

( هو الربيع

يواصل رحلته

يكمل دورته

و نحن هنا في انتظار  )

 

انتظار المعجزة  الخارقة ….و حتى تكون الصورة و اللوحة التشكيلية أكثر وضوحا تستعين  الشاعرة بالتشبيه  ( كأنه ) ليوضح المرجوَّ  القابل للتحقق .  و هو  البلسم .

و البلسم  تعريفا هو جنس من  شجر القرنيات يسيل من فروعها عصارة ، مادة صمغية تستخدم في الطب و تضمد بها الجراح . و هذا  هو المطلوب  في  هذه الظرفية .

الاعتماد على التشبيه تقنيةً بلاغية ذكية . لأنها تقرب  الصورة من المتلقي  على قدر معرفته و المحسوس لديه .

المُشبَّه ————– المنتظر  و المرجُوّ

الأداة  ————— كأن

المُشبّه به ———– البلسم

أما وجه الشبه فيتمظهر في الفعل المضارع و الحدث الذي يدل عليه هذا الفعل : – يضمد جراح أيامنا

–  يعيد للنفس انشراحها

و وجه الشبه هذا  بفِعْليه ، يقدم معالم الحالة التي هي فيها زمن الشاعرة  و أحوال من يعيشونه .

و رغم الصورة الجمالية  و المتفائلة  لوجه الشبه ، فالشاعرة تختم رحلتها في هذه القصيدة  بنوع من  الحسرة المشُوبة بالإذعان لما سيأتي .

هو يعيد للنفس انشراحها  نعم . لكن هذا الانشراح  محدود ، و هو ما  تعلنه  أداة الاستدراك ( لكن ) فهو :

(  لا يعيد للأعمار  شباب الجسد .

لا يعيد عقارب الزمن

لنقطة البدايات . )

إنه  استمرار  رغبة آدم و حواء حين غواهما إبليس بشجرة الخلد رغم  تحذير الله لهما  بعدم  الاقتراب  منها  .  مصداقا لقوله  تعالى في سورة الأعراف :

<<< وَيَٰٓـَٔادَمُ اسكن اَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ اِ۬لشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ اَ۬لظَّٰلِمِينَۖ (18) فَوَسْوَسَ لَهُمَا اَ۬لشَّيْطَٰنُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُۥرِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَٰتِهِمَاۖ وَقَالَ مَا نَه۪يٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ اِ۬لشَّجَرَةِ إِلَّآ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ اَ۬لْخَٰلِدِينَۖ (19) ۞وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّے لَكُمَا لَمِنَ اَ۬لنَّٰصِحِينَ (20 )>>>

و يأتي  قفل  هذه الرحلة  مع  الشاعرة  بهذا المشهد الميتافيزيقي  الذي  يحتاج وحده أن يكون لوحة  تشكيلية  منفصلة . رحلة الربيع  بكل خطواتها  و إرهاصاتها  و تحولاتها …و دورة الربيع  الموسمية لتذكر  الحالمين  بدورة الزمن نفسه  و مُضيّه  أماما  لا وراء لأن عقارب الزمن  لا تعود  إلى الماضي و إنما  تتقدم في الآتي.

فمع هذه الرحلة  الربيعية و دورتها ، سنكون  هنا أو هناك .

هنا  نعرفه  و نعيشه . أما  هناك  فهو مذلق  للمتلقي اختيار مكانه . لكن القاسم المشترك .  هو الانتظار.

 

خاتمة .

أعترف أن  القصيدة تحبل  بعوالم كثيرة . منها  ما  تخيلتها  و رسمتها في مخْيالي ،  و منها  ما  استعصى عليّ فعل  التّخيُّل ،  و منها  حتما  ما  لم أنتبه  إليه .

أدعوك أيها  المتلقي  الآن  لقراءة القصيدة من جديد ، فربما تكتشف كما  لم أتمكن من ملامسته و تعمل على كشفه .

 

18القصيدة: أنشودة للربيع الهارب …

تسلل الصوت ،

هامسا عبر العبير …

و كنت حينها ،

أرعى هموم الحاضر

على بساط المدى  الكبير …

جدتي :

اُنظري عبر الزجاج .

ها أنا ذي أرتشف ،

مشروبيَ الساخن …

قلت :

سوف يبرد ،

مثل  كل الهموم …

مثل كل انزياحات  الهدير …

قالت : إني  أرى أشجارا ،

تزهر …

قلت : أصابتك عدوى الربيع ،

حين يسقي العيون ،

رُواءً …

فتشرئب  البراعم ،

بأزاهير  العشقِ …

تلج خجلى من مسامّ العبق …

و تنتشر حبّا للحياة ،

على ترنُّح الفصل الوديع .

قيل :

إنه أتى يختال …

و أنا أراه ،

طيفا سريع العبور .

يمر مهرولا ،

بلا  ضجيج

كحلم ..

كخيال ..

كحوْلٍ ، سريعا يمر …

يحمل بأوردته ،

نَفَس الحياة …

و يورق ،

وشوشة أحلام الليل …

عند اكتمال  البدر ،

تسبح على بساط عبير

بسابق بُعْد المسافات …

يحمل في رِكابه ،

حكايا الزمان …

يرويها ،

على إيقاع ..

خفق الساعات …

آه ، أيها الربيع …!

كيف اخْتزَلتْك الكلمات ،

غِـبَّ الحكْي ،

و حين تنتشي …

فيتّسع مدى النجْوى

و بعدها ؛

يعانق الدّروة ،

ثم يسقط نحو الرحيل …

يوعد بلقاء قادم .

إذا امتدّ العمر فينا ،

إذا  لم ينادينا النذير .

نشتاق اللُّقى الموعود ،

فنحضن أرشيف الذكرى …

نتأسّى بالتذكّر ،

دون ذاكرة .

مثلما  يجْترّ الذكريات ،

بزنزانته  الأسير …

ها نحن ،

نحِنّ بشوق …

لعبير ذرات  الطّيب  ،

تقتحم بِلا استئذان

دواخل الصدور …

للعين تسافر ،

بلا مُنتهى …

لمروج النزهة ،

تقاوم وطأة الرحيل

تحنّ ،

لكل الاخضرار …

لكل الألوان تزهو ،

بألف ، ألف حكاية …

فتقاوم الروح اندثارها .

تقاوم نسْف بهجتها ،

من عوادي الزمان .

هو الربيع .

يواصل رحلته ،

يكمل دورته .

و نحن  هنا ، في انتظار…

كأنه بلسم ،

يضمد جراح أيامنا …

على امتداد الترقّب ،

يعيد للنفس  انشراحها …

لكن ؛

لا يعيد للأعمار شباب  الجسد .

لا يعيد  عقارب الزمن ،

لنقطة البدايات .

و كل  رحلة ربيع …

كل دورة ربيع …

سنكون  هنا أو هناك ،

في الانتظار .

 

كاتب من المغرب

 

عن madarate

شاهد أيضاً

العدد الواحد السبعون السنة السابعة مارس 2026

   

اترك تعليقاً