الرئيسية / أمازيغيات / مرزوگة: قرية الرمال الذهبية – عمر أيت سعيد

مرزوگة: قرية الرمال الذهبية – عمر أيت سعيد

مرزوگة: قرية الرمال الذهبية

عمر أيت سعيد*

 

 

كثيرا ما تعجبت حينما كنت أصادف أفواجا وزمرا متعددة من الأجانب الذين يحجون إلى “مرزوگة” ذات الرمال الذهبية.

تتواجد “مرزوگة” نواحي مدينة الرشيدية مهد الدولة العلوية الشريفة.

كنت أتساءل وأقول في قرارة نفسي: “ماذا يعشق هؤلاء الأوروبيون في هذه الكثبان والمساحات الشاسعة المترامية الأطراف على طول جداول تافيلالت؟ لماذا تستهويهم هذه التلال الرملية؟ وهذه القصور الطينية؟ لماذا يغادر الأجانب بلدانهم و يحجون زرافات ووحدانا إلى “مرزوگة”؟

جاءت الإجابات سريعة مقنعة حينما قمت برحلة رفقة أخي الأكبر عبد الرحمن وموحا وعلي، لخوض غمار تجربة حمام رملي ساخن، حيث قام المرشد السياحي بحفر حُفَر تتسع لكل واحد منا، جهزها منذ الصباح كي ترتفع درجة حرارتها بفعل أشعة الشمس الحارقة. وفي الظهيرة ولجنا الحفر الساخنة لما يزيد عن خمس عشرة دقيقة، تكلف المرشد السياحي خلالها بتوفير الماء ووضع رؤوسنا تحت ظل أغطية خاصة كي لا نتأذى من أشعة الشمس. كانت أجسادنا تتصبب عرقا، واكتشفنا فعلا أن الأجانب كانوا هاربين من برودة مركبة، برودة المناخ، وبرودة العلاقات الإنسانية على الرغم من الازدحام الذي طال حياتهم في كل شيء، هربوا من كثرة الفواتير وازدحام الشقق والمدن في أوروبا وتلوث الهواء بأدخنة المصانع، والتلوث السمعي والإشعاعي الناتج عن كثرة صبيب الأنترنيت في كل بقاع العالم، وقبل ذلك كله وبعده ، هربوا من معقل أمراض الأعصاب وبرودة المفاصل، لكي يسترجعوا لياقتهم ويشحنوا أجسادهم بفيتامين دال. بعد انتهاء الحمام الرملي نزلنا بفندق “قصر الرمال” هذا الفندق وغيره بالمنطقة يوفر راحة نفسية تنطلق من البساطة والعمق والاحترافية في تنظيم الحصص العجيبة والمريحة لحمام الرمال.

هنا في “مرزوگة” لا تسمع إلا موسيقى الطبيعة؛ صفير الرياح وإيقاعات البندير، كل شيء على طبيعته وسجيته السليمة.

هنا وجدت السكون وأخذت القلم لعلي أنقل إليكم ولو قليلا من عبق هذه المناطق ذاتا الجمال الساحر.

هنا الطبيعة عارية عذراء لا غطاء نباتيا ينبت عليها، ولا زحف إسمنتيا يحجب عنها النور والهواء. هي طبيعة تعطي دون كلل. هنا وجد الأوروبيون وغيرهم من السياح فضاءات تتسع لهمومهم وتحتضنهم فتشفي جراحهم.

هنا مع رفاقي من عائلتي استمتعت بحمام الرمال الذهبية التي تعانق جمال وزرقة السماء. حرارتها المدهشة تستمدها من فستان الشمس الذهبي، وبدورها تصرفها للأجساد المتعبة والمنهكة من البرودة والثلوج.

هنا في “مرزوگة” نشهد بالفعل رحلة الشمال إلى الجنوب، رحلة الشفاء والجمال، حيث تحس بالدم يجري في عروقك بسلاسة بعد انتهاء الحمام الرملي وكأنه تحرر من قيود الدهون المزمنة. تحس برغبة في الكتابة وفي الغناء وفي البوح بكل معاني السمو، لأن الجسد تصالح مع نفسه وعاد الى جبلته التي فطر عليها من جديد.

هنا تأكدنا أن هذه المساحات من الرمال والأفضية الشاسعة، وهذا الذي نظنه فراغا، كفيل بأن يداوي الجراح ويخلق توازنا نفسيا عند كل منهك ومتعب من الازدحام العقلي، ذلك الازدحام الذي أنتجته عقليات التملك المفرط الناتجة بدورها عن الحركة الامبريالية بفلسفتها، عقليات الاكتناز والشراء والادخار.  هنا البساطة والعطاء عنوان المجال وشعار الطبيعة.

فأهلا بكم في “مرزوگة” في رحاب سكانها الكرماء وحرارة رمالها التي تجعل الحياة تدب من جديد في كل جسد منهك ومتعب بسبب البرد والازدحام العقلي وسرعة إيقاع الحياة.

 

كاتب وباحث في الأمازيغية

 

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

أحلام فارس – حسن لشهب

حسن لشهب*   أدار عينيه في كل اتجاه ناظرا لما حواليه دون كبير اهتمام باحثا …

اترك تعليقاً