خطاب الجوع في رواية “قبور في الماء” لمحمد زفزاف
خالد عبد اللطيف*
مقدمة
شكّل خطاب الجوع في الرواية المغربية إحدى التيمات الجوهرية التي حظيت بحضور وازن وتوظيف واعٍ داخل المتن السردي، لما له من ارتباط وثيق بواقع اجتماعي بائس تتجلى فيه كل معاني الفاقة والحاجة. لقد ارتبط مفهوم الجوع، عبر تمظهراته المختلفة، بالقهر والحرمان، لا فقط على المستوى العضوي، بل أيضًا على المستويات النفسية والسوسيولوجية.
وعلى الرغم من تشتت تيمة الجوع في المتن الروائي المغربي، إلا أن لفظة “الجوع” تحيلنا مباشرة إلى محطات تاريخية متعددة، منها:
- عام الحلبة
- عام البون
- عام أكل الجراد
- شهداء “الكوميرا” سنة 1981

يمكن القول إن الجوع قِدمه قِدم الإنسان، وإن هذا الأخير لم يكفّ عن محاولات محاربته بشتّى الوسائل، إصرارًا على البقاء وفرض الذات. لذلك، فإن مهمة الروائي في عرض هذه التيمة لا تقتصر على التوصيف، بل تتعداه إلى مساءلة الواقع ومحاورته، وكسر “الوهم” لصالح الواقعية.
ورغم رمزية الجوع، فإن جوهره حقيقة وجودية، وشر دائم في نظر الجائع، يمكن أن ينتقل من الفرد إلى الجماعة، بل إلى شعوب وأمم، حيث تتجلى خطورته وسطوته.
إن المنجز الروائي المغربي في تعاطيه مع هذه الظاهرة يبدو أكثر شمولًا من بعض المقاربات النظرية، إذ يؤرخ لوقائع تجسد المخاطر التي تهدد كيان الإنسان وتفقده السيطرة على مصيره، مما يستدعي التفكير العقلاني لمواجهة “أخطبوط الجوع.
ومن هنا، فإن الرهان في الرواية المغربية هو استبطان هذا الجوع كمحرك مأساوي وكارثي في حياة الإنسان.
الجوع لغةً واصطلاحًا
في اللغة، المجاعة مشتقة من الجوع، من الفعل “جاع يجوع”، والجوع نقيض الشبع، وهو “خلو البطن من الطعام”. أما “السغَب” فيعني الجوع مع التعب، وقد يُطلق مجازًا على العطش.
أما اصطلاحًا، فقد ارتبط الجوع بالأزمات الكبرى عبر التاريخ. وقد تناولته نصوص الفلسفة والتصوف والسير الشعبية والأمثال الشعبية مثل:
- “جوع كلبك يتبعك”
- “كبير الكرش تفركع عليه”
- “الجيعان ديما جيعان ولو تغنّى”
أفلاطون يقول في محاورة فيلابوس: “من يكون فارغًا يرغب في ضد ما يشعر به، أي الامتلاء”.
أما ديكارت فقد ذهب إلى أن “الجوع هو نوع من كوجيتو الجسد”، إذ “نفكر بأجسادنا عبر الجوع”.
ويقول نيتشه على لسان زرادشت: “من لا يأتي حتى بجوع جيد إلى المائدة، يجدّف على كل شيء عبثًا”.
أما دريدا فقد جعل من “يجب أن نأكل جيدًا” مبدأً فلسفيًا وأخلاقيًا يهدف إلى إعادة التفكير في علاقتنا بالآخر.
ويؤكد “فرانسيس مور لابيه” و”جوزيف كولينز” أن الجوع لا تصنعه الطبيعة فحسب، بل تصنعه الأنظمة والدول لأغراض سلطوية.
خطاب الجوع في رواية “قبور في الماء”
تدور أحداث الرواية في منطقة “المهدية”، وهي منطقة ساحلية تعيش تحت وطأة الفقر، إذ يسكنها الناس في أكواخ وبيوت قصديرية، ويعانون من شح المطر والرزق. الجوع هو السمة الغالبة، حيث تحضر الحاجة إلى الطحين والزيت والسكر. يعتمد السكان على البحر كوسيلة رزق، رغم خطورته.
يقول السارد:
“البحر مقبرة رهيبة
“خمسة عشر شخصًا غرقوا ولم ينجُ سوى واحد”
“عشرة أرواح تذهب بلا مقابل”
الجوع في هذه الرواية ليس مجرد حاجة بيولوجية، بل يتحول إلى شرط وجودي قاتل. الحوار بين الشخصيات مثل العيساوي والحاجة والعياشي، يبين مدى عمق الأزمة:
- الحاجة ترى أن الإنسان يموت جوعًا في أربعة أيام، وليس أربعين كما يظن البعض.
- يعاني السكان من فقدان الأمل، ويعيشون في خوف دائم من البحر والجوع معًا.
تستخدم الرواية شخصية إبراهيم، البقال، لتجسيد نموذج الاستغلال الطبقي:
“اذهبي من فضلك، وإلا فككت رقبتك عن جسدك!”
تتحول المساعدة البسيطة، مثل رغيف خبز، إلى وسيلة إذلال، بل تهديد بالموت.
وتشير الرواية إلى مجاعة 1945، أو ما يُعرف بعام “البون”، حيث أُجبر الناس على أكل جذور نبات “يرني”. وراح ضحية تلك المجاعة ما يقارب 300 ألف شخص حسب بعض المصادر.
إن الشخصيات في الرواية، بحديثها عن الجوع، تؤرّخ لذاكرة جماعية قائمة على الألم والحرمان، وتضعنا أمام حقيقة مفادها أن الجوع، حين يتكرر، يتحول إلى رُهاب جماعي.
أنواع الجوع في الرواية
- جوع البحر: البحر يبتلع الجائعين، ويحوّلهم إلى طعام له.
- جوع الصياد: الحاجة للرزق والعيش رغم الخطر.
- جوع التجار: استغلالهم للطبقات الفقيرة من خلال التحكم في المواد الغذائية.
خاتمة
لقد كشف خطاب الجوع في رواية “قبور في الماء” عن البعد السوسيولوجي والنفسي لهذه الظاهرة التي تهدد كيان الإنسان وتزرع بداخله مشاعر الخوف، والدونية، والانكسار. إن الجوع لا يُفقر الجسد فحسب، بل يُمزق الروح، ويُضعف الإرادة.
والأخطر من الجوع الطبيعي هو ذاك المصنوع سياسيًا واجتماعيًا، حين تتحكم الدول في الغذاء للتحكم في الجياع. وقد نجح محمد زفزاف في تقديم رواية تُعدّ من أبلغ الأعمال التي رصدت معاناة الإنسان المغربي الفقير في سبيل لقمة العيش، داخل واقع يفرض عليه أن يختار بين الموت في البحر أو الموت جوعًا.
المراجع
- ابن منظور: لسان العرب، بيروت: دار صادر، 1388 هـ / 1968 م.
كاتب من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي