إضاءات على الهايكو
الهايكو العربي والتجريب المَثْلوب.. الجزء الأول
توفيق أبوخميس*
“الأفكار بدون محتوى فارغة، والحدس بدون مفاهيم ضرير. لا يستطيع الفهم أن يحس، ولا تستطيع الحواس أن تفكر. لا يمكن أن تنشأ المعرفة إلا من خلال اتحادهما”.
_إيمانويل كانط
الحدود قائمة وثابتة بين الأجناس الأدبية والفنية، فلكل جنس أدبي أو فني لونه الخاص ونكهته الخاصة به. قد يكون هناك بعض الشّبه والتشابه بين الأجناس الأدبية والفنية، وقد يشتّد التأثر والتآثر بينها، ولكن يبقى لكل جنس مساره الخاص الذي يأخذه إلى عالمه ومناخه الوحيد، حيث لا آخر هناك سواه.
والكتابة الأدبية وبشكل عام قائمة على التجريب، ومنذ بدء الكلمة وكانت كينونتها الأولى والتجريب هو عنوان تطورها وسلوكها نحو السمو إلى الأفضل، وكذلك شتى الفنون، فهي تنحو نحو المسار نفسه المؤدي بها إلى الجديد أو التجدد والتطور، وهذا ما يجزم بأن تطور الأدب يأخذهُ إلى مساحة أبعد عن الفن، بما يمثل من وعي داخلي في الروح والوجدان. وكذلك الفن، إذا تطور يسلك مداراً مختلفاً عن الكتابة الأدبية، فلا يلتقيان إلا في الجوهر، ويبقى الشكل خارج هذا التشابه. ثم إنه ثابت في الجوهر كل ما هو أساس في الشكل والمعنى، وعلى هذا تبقى الحدود واضحة وفاصلة بين جميع الأجناس الأدبية والفنية.
يعتبر تيار التجريب في الأدب أحد روافد تيار الحداثة Modernism، وهو لون تغلغل في النثر والشعر منذ القدم ـ وإن كان وجوده أكثر شيوعاً في الشعر بشكل خاص. وأكثر ما يهتم به التجريب هو الشكل الذي يعليه على المضمون، فالشعر والنثر التجريبي يهتم بالصنعة اللغوية والشكل الفني للقصيدة، دون أن يولي العناية والإهتمام ذاته للمحتوى، الذي غالباً ما يكون غريباً وغير سائغ. ومن أبرز الأمثلة قصيدة “أرض الخراب” The Waste Land للشاعر تي إس إليوت T. S. Eliot، التي مهدت الطريق لتيارات أخرى مثل “الطليعة” Avant-Gardism و”المستقبليين” Futurism؛ “التجريب” هو نموذج ثائر هدفه إلغاء كل ما هو قديم، علت أصداؤه أوائل القرن العشرين.
أن الشعر قابل للتجريب، مثله مثل باقي الأجناس الأدبية الأخرى، ولكن الأهم هو المحافظة والإستمرار على الإبداع الحقيقي والأخذ في الإعتبار بأهمية البلاغة والفصاحة والبيان، فلابد من التجريب والإبتكار والتجديد من دون المساس بالقوانين الكبرى للكتابة الشعرية، بحيث لا يتم الإسراف الذي يؤدي إلى الخروج عن إطار القصيدة، أو كسر قواعد بنيتها الأساسية.
وعن الهايكو في البدء أجمع السواد الأعظم من الأدباء والنقاد العرب على رفض رفد هذا الفن الوافد إلى قائمة الكتابات الأدبية، بدعوى أنه سوف لن يتجاوز في ذروة إنتشاره وأقصى درجات تعاطيه مستوى التقليد، ولا شيء غير تقليد تلك النصوص التي ترجمت عن نصوص من منشأه الأم والإبقاء على الإعتناء بقشرته وشكله الخارجي، دون النفاذ إلى روح شعريته المتفرد بها، والتعمق فيها، ومن ثم إثراء المكتبة الآداب العربية بالشيء الجديد.
ورويداً رويداً بدأت الصورة المتكونة عن الهايكو بنظر هؤلاء الأدباء بالوضوح وأخذ الصفة الإيجابية، بعد ما ايقنوا بأن أضحى هناك هايكو عربي ذو بصمة وهوية عربية خالصة، يجاري انشغالات وهموم الإنسان العربي، ويحلق في فضاءاته وعوالمه من دون تهجين للغته أو طمس هويتها، بل بالارتكاز على قوة اللغة العربية في استقطاب العديد من الأجناس والفنون الأدبية وبالتالي لن يصعب الوصول لهذا الفن الأدبي الذي شكّل ثورة في منبته الأصلي.
علينا أن نعي بأن من الضرورة أن يَقْوم بهذا التجريب في القصيدة، شعراء كبار، لهم باع طويل بممارسة كتابة من الشعر أجوده، لأنهم يمتلكون فعل التأسيس، والقاعدة المتينة التي سوف يرتكز عليها تأسيس فعل تجريبهم هذا، فعلى سبيل المثال من أسهم في تطور القصيدة العربية إلى التفعيلة، ومن قاد هذه الحركة إلى العلو والسمو بهذه القصيدة وترسيخها هم شعراء لهم بصمات واضحة بقيمة وقدر الشاعر: بدر شاكر السياب والشاعرة: نازك الملائكة، فالتجديد في الشعر يجب ألا يتجاهل معنى الشعر الحقيقي، فالملاحظ أن التجريب على الخط العربي قد غيب شخصية الحرف، بالتالي فمهما كان حجم التجريب عليه أن لا يتجاوز حدود وأطر محددة فالتجريب على الشعر مثلاً، لابد من أن يكون الوزن أساساً لكل التجارب الشعرية، حيث إن قصيدة النثر هي لون إبداعي آخر مختلف، وليست من الشعر.
وعلى ذلك فأنه من المُبَكِّر جداً لنا عن الحديث في التجريب في الهايكو العربي ..
يتبع ..
شاعر وناقد من الأردن
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي
