عين على الهايكو
-
قراءة في ديوان “سقف القرميد” لعيسى أبركان
محمد بنفارس
عن مكتبة الأنوار للنشر والتوزيع بسلوان/ الناظور طبعة 2025، صدر للهايجن المغربي عيسى أبركان ديوان هايكو موسوم: “سقف القرميد”.
ويقع الكتاب في 124 صفحة من القطع المتوسط ويضم 65 مقطوعة هايكو. لوحة الغلاف من توقيع المبدع الكبير: زكرياء السوسي من أصيلة/ المغرب.
يأتي ديوان “سقف القرميد” لعيسى أبركان بعد تجارب هايكوية سابقة كان آخرها ديوان ” ريح تلو ريح” بلغتين: العربية والفرنسية.
ما يميز الديوان كونه يتوق أن يكون أكثر انفتاحا على العالم بحيث سافر من العربية إلى ثلاث أهم لغات في التداول العالمي هي الفرنسية والإسبانية والإنجليزية من ترجمة محمد بنفارس مدير ورئيس تحرير مجلة “هايكو العالم H W” من المغرب، وألفة كشك بوحديدة هايجن من تونس. عيسى أبركان يومن بأن الهايكو برغم أصوله اليابانية، فهو إنجاز إنساني ولا يمكن أن يكون إلا مكسبا عالميا بجماليات كونية، وبالتالي يستعصي على محاولات لي العنق وصناعة التحنيط بدريعة التوطين العربي أو غيره، وما يروج في هذا الصدد ما هي إلا مناوشات مسخ فردية منها الهايكو براء، ومدانة من قبل الهايجن والمهتمين والقراء محليا وعالميا.

عيسى هايجن عاشق للهايكو حتى النخاع، يكفيه أن يسمع بأمسية يعلو سماءها سحر الهايكو حتى يطير إليها دون تردد، فلا مسافة ولا توقيت ولا تعب يمكن أن يقف في وجه هذا الشغوف الموشح بذائقة شعرية وجمالية لنوع جديد من القول تجاوزت مفاعيله في النفس والوعي ما عهدناه من أساليب الشعر القديم أو الحديث.
عيسى يكتب بتواضع وفيض خاطر. ولذلك تراه في بعض الأحيان يكسر كل القواعد متناغما مع مقولة مفادها أن الكتابة فرح وانطلاقة متحررة من القيود الصارمة قبل كل شيء. وهايكو عيسى يخير مثال على شعرية المناخات المشهدية بحيث يستقي مادته الشعرية من مشاهد حسية تنتقل من المرئي والمسموع والملموس إلى الشم والذوق من معاشه وتجربته اليومية في محيطه الجغرافي، وبخاصة في منطقة بادية الريف حيث نشأ وترعرع ويعيش اليوم بعد تقاعده من الوظيفة.
ولإن غلبت مظاهر الخريف في الكتاب، فلإن عيسى مؤهل أكثر من غيره لالتقاط تجليات فصل يختبره عن قرب بحكم عيشه في القرية. غير أن ما يميز عيسى عن الشعراء، هو استقباله للخريف بروح مرحة تستطيع تحويله إلى صدف نادرة من دهشة الاكتشاف ولحظات مثيرة بالجمال والفرح.
أبركان يكتب أولا وقبل كل شيء لإرضاء حاجة داخلية بحثا عن المتعة والترفيه عن النفس، فلا الأضواء تغريه ولا منصات قول الشعر تستطيع تلويث سجيته المطبوعة بنقاء الريف. فالكتابة بالنسبة لعيسى شرط وعلامة وجود ضمن مناخ طبيعي لا تعكره مظاهر العصرنة الزائفة والزاحفة على كل شيء. ولذلك تتميز كتابته بالبساطة والعفوية وإحساس عميق برهافة الكون وهشاشة عناصره وجمال الطبيعة وتحول مشاهدها.
الطبيعة هي مشتل عيسى الهايكوي الذي لا ينضب. في الهايكو التالي، الذي يشكل عنوان الكتاب، نحن بصدد لوحة مرئية وملموسة ومجربة على نحو يومي في البادية المغربية. وحين يقارب عيسى بين قشرة السلحفاة والقرميد يتجلى هذا الحضور الذي يشمل مظاهر الحياة الريفية وهذا الانسجام والتصالح بين الطبيعة والإنسان حين يكون تراب الطبيعة غطاء لمسكن الإنسان:
سقف قرميد
مطر يندلق
على سلحفاة
للطبيعة قوانينها التي لا تتأثر بزمن الحرب أو السلم. فالسفرجلة تقع على الأرض حين يحين الوقت المحكوم بناموس الطبيعة. وعيسى لا يفوت مثل هذه الفرص ليخلدها في هايكو رهيف يشي بهشاشة عناصر الطبيعة وكذا بمرور عنصر الوقت:
هدنة
تسقط فجأة
آخر سفرجلة
عيسى قوي الملاحظة ومتقد البال، فتراه يستشعر كل حركة مهما صغرت في محيطه الطبيعي الذي يتنفس فيه. فالحياة عنده لا تتوقف في الطبيعة مهما دارت الفصول:
مطر صيفي؛
في أسفل الصبار
يطل حلزون
عيسى شديد التفاعل مع العناصر المتحركة في الطبيعة، كما الشأن في هذا الهايكو الذي يجمع بين الصوت والبصر في لوحة ساحرة:
أغاريد
بألوان قوس قزح
تبرق المناقير
ولأنه نتاج الأرياف، فعيسى يعيش على وقع تحولات الفصول على مدار السنة. في هذا الكو نراه يتحسس الخريف بكل جوارحه عندما يستعمل ضمير المتكلم، لا بغرض صباغة الأشياء والتلاعب بها، ولكن كنوع من الاندماج الكلي المتناغم مع العناصر:
من قبعتي
يتناثر الخريف
أوراق قيقب
من العام إلى الخاص، من المدينة إلى الحقل حيث حط بلشون فيما يشبه قبعة على رأس فزاعة. عين الهايجن حاضرة بقوة لتلتقط كل ما يمكن أن يشكل مادة شعرية:
معرض قبعات
على رأس الفزاعة
بلشون
إنه فصل الخريف بكل ما يرمز إليه من هشاشة وعبور وانصرام الزمان. صورة تمثل قمة التماهي والانخراط بين الطبيعة والانسان. وكأني بأوراق القيقب تداعب الهايجن برهافة فتثير متعة الإحساس بالجمال والسلم الداخلي في موسم يقال عنه فصل الموت والنهايات. غير أن عيسى يتمتع بشاعرية تستشعر الخريف كمحطة تحول مليئة بصدف الجمال والفرح والمتعة الحسية:
صباح خريفي
بنعومة تقع على رأسي
ورقة قيقب
من جهة أخرى، يعتبر البحر عند عيسى امتدادا لا متناهيا من الزرقة وسفر في موج الحلم المتحرك. وهو، وإن كان يقيم بعيدا عن البحر، فهو، لشغفه الشديد به، يختلف إليه على نحو متكرر لاستلهام مشاهده ومحاولا نقل جماله وزرقته إلى حيث الحلم:
دلوا دلوا
أنقل البحر
دون زرقة
تعتبر الطبيعة عند عيسى ابركان فضاء مثاليا للتعايش والتكامل بين العناصر كافة أكانت صغيرة أم كبيرة، ما يمنح الإنسان هدوء مصحوبا بسكينة داخلية لا يضاهيها سوى الانبهار بعظمة الكون وسحره اللامتناهي:
بحر هادئ
على الساحل الأخضر
شدو الزيزان
من الصيف إلى الخريف مرة أخرى، عيسى يعيش على وقع الفصول فيتماوج بحركتها ويخفق قلبه باندهاش لجمال اللحظة مهما بدت غير ذي بال عند آخرين. وقد يعني ذلك فيما يعنيه أن الخريف يلحق بكل مظاهر الجمال العابرة فيحيلها جمالا من نوع آخر: جمال النهايات:
في البحر
ترمي بها ريح الخريف
الشماسي الزرقاء
سقف القرميد، هايكو بأربع لغات هو بحق رحلة شاعرية تنقل القارئ في رحلة كشف للفصول على مدار السنة، رحلة خفقان قلب لأصغر الأشياء وأقلها قيمة، قلب ينفعل مع اللون والحركة والسكون والتحول، قلب يستشعر مرور الوقت ولكنه لا يضيع وقتا من أجل الفرح والاستمتاع بالجمال.
- مقاربة في: مطر أول
هايكو كلاسيكي
بشعرية مناخات مشهدية
مطر أول،
على زهرة النيلوفر
بلل على بلل
من ديوان “سقف القرميد”، نص بمواصفات الهايكو الكلاسيكي، بنية وموسمية ومناخا وجدانيا.
هايكو حسي بامتياز حين ينهض على اللوحة المرئية نصيا والمسموعة صوتا (صوت المطر) والمشمومة (رائحة النيلوفر) إضمارا.
هايكو ينبض بالرهافة والحياة والفرح والأمل. وما الماء الذي ورد ثلاث مرات (مطر، بلل مكرر) إلا تأكيد حقيقة قائمة في حياة الناس وحياة كل الكائنات والكون عموما. فالماء لا يمد الزنبقة بطاقة البقاء وحسب، بل يضفي عليها سحرا طبيعيا لا يضاهيه جمال آخر أكان من صنع الروبوتات أو البشر.
هايكو يجعل المتلقي يدرك أن الجمال كامن في كل شيء من حولنا، فما علينا سوى تحرير حواسنا من عقالها لتعمل بسجية وإدراك كي تتذوق الطبيعة كما ينبغي أن تكون. هايكو ببهرات كلاسيكية وجمالية شعرية المناخات المشهدية المفعمة بإحساس عميق بعظمة وسحر الكون في أبسط تجلياته.
شكرا عيسى لنثر هكذا سحر طبيعي يمنح الراحة والأمل بعالم نقي عنوانه المحبة والجمال.
مترجم وباحث في الهايكو من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي
