الرئيسية / الأعداد /  أُمنِيّاتٌ نائِيَةٌ عَنْ زَمَنِ الحَداثَةِ.- حُسَامُ الدِّينِ أَبُو صَالِحَةٍ.

 أُمنِيّاتٌ نائِيَةٌ عَنْ زَمَنِ الحَداثَةِ.- حُسَامُ الدِّينِ أَبُو صَالِحَةٍ.

 أُمنِيّاتٌ نائِيَةٌ عَنْ زَمَنِ الحَداثَةِ.

حُسَامُ الدِّينِ أَبُو صَالِحَةٍ.*

 

صِرْنا في زَمَنٍ أَلْهَتْنا الآلَةُ عَنْ ذاتِنا، وَصَرَفَتْنا الأَجْهِزَةُ عَنْ أَنْفُسِنا، وَأَهْلِنا، وَسَلَخَتْنا الاخْتِراعاتُ مِن جِلْدِنا كَانْسِلاخِ الشّاةِ بَعْدَ ذَبْحِها؛ فَصِرْنا نَحْيا بِلا رُوحٍ، نَعيشُ بِلا دِفْءٍ، نَبْتَسِمُ لِلكاميرا أَكْثَرَ مِمّا نَبْتَسِمُ لِأَهْلِنا، نُحادِثُ الأَجْهِزَةَ أَكْثَرَ مِمّا نُحادِثُ أَطْفالَنا، فَالأَمْرُ جِدٌّ خَطيرٌ، وَالضَّرَرُ بَالِغٌ كَبِيرٌ؛ فَالتِّقْنِيَةُ الَّتي وُضِعَتْ لِتَخْدِمَ الإِنْسانَ، وَتُريحَهُ، أَحالَتْهُ إِلى عَبْدٍ لَها، وَأَرْهَقَتْهُ بَدَنِيًّا، وَمالِيًّا، وَاجْتِماعِيًّا.

ــ إِنَّ مُنْجَزَاتِ العَصْرِ – مِنْ وَسَائِلِ النَّقْلِ الَّتِي غَزَتِ البَرَّ، وَالجَوَّ، وَالبَحْرَ، وَالَّتِي جَعَلَتِ العَالَمَ قَرْيَةً صَغِيرَةً – وَأَجْهِزَةٌ تِكْنُولُوجِيَّةٌ مُتَقَدِّمَةٌ فِي شتى التَّخَصُّصَاتِ، وَوَسَائِلُ لِلاتِّصَالِ مُتَعَدِّدَةُ الْمَهَامِّ، وَالْمَجَالَاتِ كَانَتْ ثِمَارَ عَقْلٍ مُبْدِعٍ، وَرُوحٍ طَامِحَةٍ. لَكِنَّهَا الْيَوْمَ، إِنْ لَمْ نُحْسِنِ التَّعَامُلَ مَعَهَا، قَدْ تَنْقَلِبُ عَلَيْنَا؛ فَتَتَحَوَّلُ مِنْ وَسِيلَةٍ إِلَى غَايَةٍ، وَمِنْ خَادِمٍ إِلَى سَيِّدٍ مَخْدُومٍ.

ــ لَا أَحَدَ يُنْكِرُ أَنْ التَّقْنِيَّاتَ الحَدِيثَةَ، وَالْوَسَائِلَ المُتَقَدِّمَةَ الحَثِيثَةَ؛ لَمِنْ مُنْجَزَاتِ العَصْرِ، وَرَفَاهِيَةِ الحَيَاةِ بِكُلِّ مِصْرَ ؛ فَقَدْ قَارَبَتِ الأَمْكِنَةَ البَعِيدَةَ، وَاخْتَصَرَتِ الأزْمِنَةَ الطَّوِيلَةَ، وَجَعَلَتِ المُحَالُ مُمْكِنًا، وَالمُسْتَقْبَلَ حَالًا وَاقِعًا كَائِنًا، كَوَسَائِلِ النَّقْلِ، بِالمُوَاصَلَاتِ، وَأَجْهِزَةِ التَّوَاصُلِ، بِالِاتِّصَالَاتِ، وَوَسَائِلِ التَّعَلُّمِ بِالتِّكْنُولُوجْيَا ، وَالتَّقْنِيَّاتِ، فَضْلًا عَنْ مَجَالِ الطِّبِّ، وَالهَنْدَسَةِ، وَالزِّرَاعَةِ، وَالصِّنَاعَةِ، وَالتِّجَارَةِ…. الخ، لَٰكِنَّ الأَهَمَّ هُوَ ذَاتُ الإِنْسَانِ المُبْتَكِرَةُ لِكُلِّ تِلْكَ المُسْتَحْدَثَاتِ، وَسَائِرِ الأَجْهِزَةِ، وَالتَّقْنِيَّاتِ، إِنَّ مَا يَنْبَغِي الاهتمام بِهِ هُوَ شَخْصُ الإِنْسَانِ المُتَحَكِّمِ بِتِلْكَ الوَسَائِلِ، هُوَ ذَاكَ المُخْتَرِعُ لَهَا، وَالمُطَوِّرُ بِهَا، وَالمُسْتَخْدِمُ لَهَا؛ فَعَمَلٌ بِلا إِنسَانٍ، كَجَسَدٍ بِلا رُوحٍ، وَعَقْلٍ، وَقَلْبٍ، وَبُنْيَانٍ بِلا أَعْمِدَةٍ، وَأَرْكَانٍ.

ــ حَقًّا لَقَدْ اخْتَصَرَتِ التِّقْنِيَّةُ المَسَافَاتِ؛ فَقَرَّبَتِ البَعِيدَ، لَكِنَّهَا فِي المُقَابِلِ بَاعَدَتْ بَيْنَ القُلُوبِ القَرِيبَةِ. وَجَفَّفَتْ مَنَابِعَ وَدِّ الأَحِبَّةِ؛ فَلَمْ نَعُدْ نَنْصِتُ لِأَنْفُسِنَا، وَلَمْ نَعُدْ نُصْغِي لِلْأَنِينِ الدَّاخِلِيِّ الَّذِي يَصْرُخُ فِينَا: “أَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَاتِكَ، بَلْ أَيْنَ أَنْتَ مِمَّنْ يَقَدِّرُونَكَ؟!” فَضْلًا عَنْ عَدَمِ سَمَاعِنَا لِبَعْضِنَا، وَاهْتِمَامِنَا بِأَنْفُسِنَا، وَغَيْرِنَا.

ــ لَقَدْ دَخَلْنَا فِي عَصْرٍ بَاتَتْ فِيهِ آلَتُهُ سَيِّدَةَ المَوْقِفِ، وَسَاحِرَةَ العُقُولِ، وَمُوَجِّهَةَ القُلُوبِ. زَمَنٌ اخْتَلَطَ فِيهِ الحُضُورُ الآلِيُّ بِالْغِيَابِ الرُّوحِيِّ، وَالإِنْسَانِيِّ؛ فَأَصْبَحَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ بُعْدًا عَنْ ذَاتِهِ، وَأَقَلَّ تَوَاصُلًا مَعَ مَنْ حَوْلَهُ مِنْ أَهْلٍ، وَرِفَاقٍ، وَأَحْبَابٍ، مُقَارَنَةً بِقُرْبِهِ مِنَ التَّفَاصِيلِ الدَّقِيقَةِ لِتِلْكَ الاخْتِرَاعَاتِ الَّتِي نَسَجَهَا بِيَدِهِ.

– صِرْنَا نَرْكُضُ خَلْفَ كُلِّ جَدِيدٍ مِنْ هَوَاتِفِ الْمَحْمُولِ غَالِيَةِ الثَّمَنِ إِمَّا مُبَاهَاةً، أَوْ تَفَاخُرًا بِاقْتِنَاءِ آخِرِ مَا وَصَلَتْ لَهُ التِّقْنِيَّةُ، وَأَحْدَثِ إِصْدَارٍ لِبَرَامِجَ مُتَعَدِّدَةٍ تُوجَدُ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي غِنًى تَامٍّ عَنْ أَغْلَبِهِ، أَوْ خُيَلَاءَ؛ لِكَسْرِ قُلُوبٍ بَاتَتْ طَاوِيَةً مِنْ نُدْرَةِ الطَّعَامِ، وَقِلَّةِ الشَّرَابِ، وَجُرْحٍ مَنْ لَا يَجِدُ كِسَاءَ بَدَنِهِ، وَتَعْلِيمِ وَلَدِهِ، وَعِلاَجِ أَدْوَاءِ بَدَنِهِ، لَقَدْ صِرْنَا نَرْمِي أَنْفُسَنَا بِأَحْضَانِ بَرِيقِ شَاشَةِ الْمَحْمُولِ، وَنَتَنَقَّلُ مِنْ تَطْبِيقٍ إِلَى آخَرٍ كَأَنَّنَا نَبْحَثُ عَنْ ذَاتِنَا الْمَفْقُودَةِ، لَكِنَّنَا نَغْرَقُ أَكْثَرَ، وَبِعُمْقٍ فِي العَدَمِ.

لَقَدْ كَسَوْنَا أَنْفُسَنَا بِتِكْنُولُوجِيَا أَبْعَدَ مَا تَكُونُ عَنِ الخُلُقِ القَوِيمِ، وَالسَّمْتِ المُسْتَقِيمِ ، تِكْنُولُوجْيا زَكَّتِ المادَّةَ عَلَى الرُّوحِ، وَالقَالِبَ عَلَى القَلْبِ ؛ فَصِرْنَا عُرَاةً مِنْ كُلِّ قِيمَةٍ، وَخُلُقٍ نَبِيلٍ، وَإِنِ اكْتَسَتِ الأَبْدَانُ أَرْقَى الحُلَلِ بِأَغْلَى الأَثْمَانِ.

ــ عَلَيْنَا أَنْ نُعِيدَ تَرْتِيبَ بَرْمَجَةِ عَلَاقَتِنَا بِالتِّكْنُولُوجِيَا، نَسْتَخْدِمَهَا لَا أَنْ نُسْتَخْدَمَ بِهَا، نُحْكِمَ السَّيْطَرَةَ عَلَيْهَا لَا أَنْ تَسَيْطِرَ عَلَى عُقُولِنَا، وَسُلُوكِنَا، وَأَخْلَاقِنَا.

ــ نَحْتَاجُ إِلَى لَحَظَاتِ صَمْتٍ، نُرَاجِعُ فِيهَا أَنْفُسَنَا، نَعُودُ لِأَحَادِيثِ العَائِلَةِ، لِنَظَرَاتِ الحَنَانِ، لِصَوْتِ الضَّحْكَةِ الصَّافِيَةِ الَّتِي لَا تُرْسَلُ عَبْرَ رُمُوزٍ، وَشَفَرَاتٍ مِنْ رَسَائِلَ نَصِّيَّةٍ تَعْبِيرِيَّةٍ بَارِدَةٍ تُرْسَلُ عَبْرَ الجَوَّالِ.

ــ لَقَدْ صَرَفْنَا الهَاتِفَ المَحْمُولَ عَنِ الإِنْصَاتِ لِمَشَاعِرِنَا، عَنِ الجُلُوسِ مَعَ أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيْنَا دُونَ أَنْ يُقَاطِعَنَا إِشْعَارٌ، أَوْ تَنْبِيهٌ، لَقَدْ سَرَقَ مِنَّا أَجْمَلَ اللَّحَظَاتِ، تِلْكَ الَّتِي كَانَتْ تُبْنَى عَلَى النَّظَرَاتِ، وَتُحْفَظُ فِي القُلُوبِ، لَا فِي ذَاكِرَةِ الأَجْهِزَةِ.

ــ بِسَبَبِ الهَاتِفِ، تَبَاعَدَتِ الأَرْوَاحُ رَغْمَ قُرْبِ الأَجْسَادِ، وَتَرَاجَعَتْ صِلَةُ الأَرْحَامِ، وَغَابَتِ المَجَالِسُ العَائِلِيَّةُ الأُسْبُوعِيَّةُ الَّتِي كَانَتْ تَنْبِضُ بِالمَوَدَّةِ، وَتَعُجُّ بِالمَحَبَّةِ، لَمْ نَعُدْ نَتَزَاوَرُ، وَنَتَوَاصَلُ، بَلْ نُرْسِلُ رَسَائِلَ تُبَرِّرُ لَنَا التَّكَاسُلَ، لَمْ نَعُدْ نُوَاسِي، بَلْ نَكْتَفِي بِتَسْجِيلٍ صَوْتِيٍّ أَوْ رِثَاءٍ صُورِيٍّ، حَتَّى تَهَانِينَا بَاتَتْ تُخْتَصَرُ فِي تَعْلِيقٍ بَسِيطٍ، وَكَلِمٍ لَا يَسْتَفِيقُ.

-لَقَدِ اسْتَبْدَلْنَا التَّلَاقِيَ الحَقِيقِيَّ بِالافْتِرَاضِيِّ، وَالمَشَاعِرَ الحَيَّةَ بِرَسَائِلَ مَكْتُوبَةٍ، وَأَهْمَلْنَا جَوْهَرَ العَلَاقَاتِ مُقَابِلَ السُّرْعَةِ وَالاخْتِصَارِ، وَإِذَا اسْتَمَرَّ الحَالُ هَكَذَا، فَسَنَخْسَرَ أَكْثَرَ مِمَّا نَكْسَبُ، وَسَنُضَيِّعَ مَنْ حَوْلَنَا، وَمَنْ فِينَا، وَبَيْنَنَا.

– لَيْتَنَا نَعُودُ لِزَمَنٍ لَا جَوَّالَ فِيهِ يُقَاطِعُنَا، وَلَا تِلْفَازَ يُشْغِلُنَا. لَيْتَ اللِّقَاءَ يَعُودُ كَمَا كَانَ وَجْهًا لِوَجْهٍ، قَلْبًا لِقَلْبٍ، بِلَا وَسَائِطَ نَافِذَةٍ، وَلَا شَاشَاتٍ مُتَلَفَّزَةٍ.

– إذَا أَرَدْنَا أَنْ نُحَافِظَ عَلَى إِنْسَانِيَّتِنَا؛ فَلَا بُدَّ مِنْ وَقْفَةٍ صَادِقَةٍ مَعَ الذَّاتِ، نُرَاجِعُ فِيهَا مَوْقِعَنَا مِنْ هَذِهِ الثَّوْرَةِ الرَّقْمِيَّةِ الطَّاحِنَةِ لِلذَّاتِ البَشَرِيَّةِ، وَالمُهْلِكَةِ لِلرُّوحِ الإِنْسَانِيَّةِ، قَبْلَ أَنْ تَبْتَلِعَ مَا تَبَقَّى فِينَا مِنْ حَيَاةٍ دَافِقَةٍ، وَقِيَمٍ سَامِقَةٍ.

ــ لَيْتَنَا نَعُودُ قَلِيلًا لِلْوَرَاءِ بِزَمَنٍ لَمْ تَكُنْ فِيهِ الوَسَائِلُ الحَدِيثَةُ قَدْ تَسَلَّلَتْ إِلَى تَفَاصِيلِ حَيَاتِنَا، وَلَمْ تَكُنْ فِيهِ الشَّاشَاتُ قَدْ غَزَتْ غُرَفَ نَوْمِنَا، وَلَا الهَوَاتِفُ الذَّكِيَّةُ قَدْ أَصْبَحَتْ جُزْءًا مِنْ أَيْدِينَا، زَمَنٌ كَانَ لِلتَّوَاصُلِ فِيهِ طَعْمُهُ، وَلِلْحِوَارِ مَعْنَاهُ، وَقِيَمُهُ.

ــ وَقْتَ أَنْ كَانَ التَّعْلِيمُ آنَذَاكَ تَفَاعُلًا حَيًّا بَيْنَ المُعَلِّمِ، وَتِلْمِيذِهِ، فَنَظْرَةٌ تَشْجِيعِيَّةٌ مِنْهُ تُغْنِي عَنْ مِئَةِ مُحَاضَرَةٍ، وَكَلِمَةٌ حَانِيَةٌ لَهُ تُوقِظُ الفُضُولَ، وَتُنْهِي بِالْعَقْلِ الأُفُولَ، مَا كَانَ الطَّالِبُ يَضِيعُ بَيْنَ عَشَرَاتِ المِنَصَّاتِ، وَمِئَاتِ التَّطْبِيقَاتِ، وَلَا يُشَتَّتُ تَرْكِيزُهُ بَيْنَ نَافِذَةٍ، وَنَافِذَةٍ، بَلْ كَانَ كُلُّ مَا يَحْتَاجُهُ سَبُّورَةٌ يَكْتُبُ عَلَيْهَا المُعَلِّمُ بِحُبٍّ، وَكِتَابٌ مَطْبُوعٌ يَحْمِلُ بَيْنَ صَفَحَاتِهِ عَبَقَ التَّارِيخِ، وَأَصَالَةَ الحَاضِرِ، وَأُمْنِيَاتِ المُسْتَقْبَلِ.

ــ لَمْ يَكُنِ التَّعْلِيمُ مُجَرَّدَ مَهَمَّةٍ تُنْجَزُ خَلْفَ شَاشَةٍ صَامِتَةٍ، بَلْ كَانَ حِكَايَةً تُرْوَى فِي الصَّفِّ، وَتَجْرِبَةً تُعَاشُ فِي كُلِّ دَرْسٍ، كَانَ الطِّفْلُ يَعْلَمُ أَنَّ عَيْنَيْ مُعَلِّمِهِ تَرْقُبُهُ، وَأَنَّ قَلْبَ المُعَلِّمِ مَعَهُ يُرَاقِبُهُ، لَا خَلْفَ عَدَسَةٍ، وَلَا بَيْنَ إِشْعَارٍ، وَإِشْعَارٍ، وَلَمْ تَكُنْ هُنَاكَ وَسَائِطُ تَقْطَعُ الطَّرِيقَ بَيْنَهُمَا، وَبَيْنَ المَعْرِفَةِ، بَلْ كَانَ الطَّرِيقُ وَاحِدًا، وَوَاضِحًا، وَمَلِيئًا بِالتَّفَاعُلِ الإِنْسَانِيِّ العَالِي، وَالاكْتِسَابِ لِكُلِّ غَالِي ، فَأَيْنَ ذَهَبَتْ تِلْكَ الرُّوحُ؟ وَأَيْنَ غَابَتْ تِلْكَ اللَّحَظَاتُ الَّتِي كَانَتْ تَصْنَعُ فِينَا الشَّغَفَ، وَتَزْرَعُ فِينَا الرَّغْبَةَ الحَقِيقِيَّةَ لِلتَّعَلُّمِ بِلَا تَرَفٍ؟!

-لَسْتُ ضِدَّ التَّقَدُّمِ، وَلَسْتُ مِنْ أَعْدَاءِ التِّكْنُولُوجِيَا، لَكِنَّهَا حِينَ تَصْبَحُ حَاجِزًا يَعُوقُ التَّفَاعُلَ بَدَلًا مِنْ أَنْ تَكُونَ جِسْرًا يَعْبُرُ مِنْهُ لِكُلِّ مَعْرِفَةٍ، حِينَ تُفَرِّقُ بَدَلًا مِنْ أَنْ تُقَرِّبَ، حِينَ تُـمِيتُ الرُّوحَ عَلَى حِسَابِ إِحْيَاءِ الْبَدَنِ، فَهُنَا يَجِبُ أَنْ نُرَاجِعَ أَنْفُسَنَا، وَنُوقِنَ أَنَّ الإِنْسَانَ لَا يُصْنَعُ فِي مُخْتَبَرٍ، بَلْ فِي حُضْنِ الْحَيَاةِ الدَّافِقَةِ، فِي أَعْيُنٍ بِالْخَيْرِ سَابِقَةٍ، فِي صَوْتِ مُعَلِّمِهِ الرَّخِيمِ، فِي دِفْءِ الصَّفِّ الْحَمِيمِ، فِي بَسَاطَةِ الْكِتَابِ الْوَرَقِيِّ الَّذِي مَا زَالَ يَحْمِلُ عَبَقَ الْمَاضِي، وَإِنْسَانِيَّةَ الْحَاضِرِ، وَقِيَمَ وَأَخْلَاقَ الْمُسْتَقْبَلِ بَيْنَ صَفَحَاتِهِ، وَفَوْقَ أَسْطُرِهِ، وَبَيْنَ ثَنَايَاهُ، وَطَيَّاتِهِ.

ــ مِنَ الْمُفَارَقَاتِ الَّتِي تَسْتَحِقُّ التَّأَمُّلَ أَنَّ الْغَرْبَ نَفْسَهُ الَّذِي صَدَّرَ لَنَا تِلْكَ التِّكْنُولُوجِيَا الْجَارِفَةَ، وَالتِي لِكُلِّ قِيَمٍ صَارِفَةٍ، الْمُبْعِدَةِ لِلتَّفَاعُلِ، الْمُحَافِيَةِ لِلْتَّوَاصُلِ ، النَّائِيَةِ عَنِ الْمَشَاعِرِ، الْمُوْئِدَةِ لِلْمَحَبَّةِ، الْمُوصَدَةِ لِلْمَوَدَّةِ، هُوَ أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالْعَوْدَةِ إِلَى الزَّمَنِ الْجَمِيلِ؛ فَقَدْ أَدْرَكُوا – بَعْدَ تَجْرِبَةٍ طَوِيلَةٍ – أَنَّ الإِنْسَانَ لَا يُرَبَّى بَيْنَ الْأَزْرَارِ، وَالشَّاشَاتِ، بَلْ يُزْرَعُ فِي بِيئَةٍ حَقِيقِيَّةٍ، دَافِئَةٍ، تَنْبِضُ بِالْحَيَاةِ؛ فَيُثْمِرَ أَيْنَعَ  الإِنْبَاتِ.

ــ لَقَدْ بَدَأُوا يَعُودُونَ إِلَى الْمَدَارِسِ الْخَالِيَةِ مِنَ التِّكْنُولُوجِيَا الصَّاخِبَةِ، حَيْثُ الْمَسَاحَاتُ الْخَضْرَاءُ الرَّحْبَةُ، وَالْفُصُولُ الْوَاسِعَةُ الْمُضِيئَةُ، وَالسَّبُّورَةُ التَّقْلِيدِيَّةُ الَّتِي يَخُطُّ عَلَيْهَا الْمُعَلِّمُ بِيَدِهِ، لَا بِجِهَازٍ بَارِدٍ، فَمَنَعُوا الْهَوَاتِفَ الْمَحْمُولَةَ دَاخِلَ الصُّفُوفِ مَنْعًا بَاتًّا، وَشَجَّعُوا الْأَنْشِطَةَ الرِّيَاضِيَّةَ، وَالْمَهَارِيَّةَ، وَالِاجْتِمَاعِيَّةَ؛ لِأَنَّهَا تَصْقُلُ النَّفْسَ، وَتُغَذِّي الْعَقْلَ، وَتَبْنِي الشَّخْصِيَّةَ.

ــ لَقَدْ أَدْرَكُوا أَنَّ السُّرْعَةَ لَيْسَتْ بَدِيلًا عَنِ الْعُمْقِ، وَأَنَّ التَّقَدُّمَ لَيْسَ نَقِيضًا لِلْإِنْسَانِيَّةِ، وَأَنَّ الْمَعْرِفَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَا تُلَقَّنُ عَبْرَ شَاشَةٍ، وَتِلْفَازٍ، بَلْ تُغْرَسُ فِي النَّفْسِ عَبْرَ تَوَاصُلٍ مُبَاشِرٍ حَيٍّ بِلَا وَاسِطَةٍ، أَوْ جِهَازٍ، فَمَتَى نُوقِنُ نَحْنُ بِذَلِكَ؟

-مَتَى نُدْرِكُ أَنَّ الْعَوْدَةَ إِلَى الْأَصْلِ، لَيْسَتْ تَخَلُّفًا، بَلْ وَعْيًا حَقِيقِيًّا وَارِفًا؟ وَأَنَّ التَّوَازُنَ بَيْنَ التَّقَدُّمِ، وَالْجَوْهَرِ الْإِنْسَانِيِّ هُوَ مِفْتَاحُ نَهْضَتِنَا الْحَقِيقِيَّةِ؟

ــ لَيْتَنَا نَمْشِي أَكْثَرَ مِمَّا نَرْكَبُ، نَشْعُرُ بِخُطُوَاتِنَا عَلَى الْأَرْضِ، وَنَسْتَشْعِرُ الْمَسَافَةَ لَا نَخْتَصِرُهَا، لَيْتَ الدَّرَّاجَةَ تَعُودُ وَسِيلَةً حَقِيقِيَّةً لِلتَّنَقُّلِ، لَا رِيَاضَةً، وَرَفَاهِيَةً.

ــ لَيْتَ الْعَائِلَةَ تَعُودُ كَمَا كَانَتْ، مُتَجَمِّعَةً عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ، وَضَحِكَةٍ وَاحِدَةٍ، وَذِكْرَى لَا يُوَثِّقُهَا جِهَازٌ، بَلْ ذَاكِرَةٌ تَعِيهَا الْعُقُولُ، وَتَحْفَظُ مَآثِرُهَا الْقُلُوبُ.

ــ لَيْتَنَا نَعُودُ؛ لِأَخْذِ قِسْطٍ مِنَ الرَّاحَةِ، وَالتَّأَمُّلِ لِلْفَضَاءِ حِينَ الْمَسَاءِ، وَمُلَاحَظَةِ الْمَطَرِ حِينَ يَنْزِلُ مِنْ رُكَامِ الْغَيْمِ بِالسَّمَاءِ، وَنَسْعَدَ بِحَدَائِقَ تَزْهُو بِنَسَمَاتٍ مِنَ الْوَرْدِ، وَالْفُلِّ بَانْتِشَاءِ.

ــ لَيْتَنَا نُحْسِنْ اسْتِخْدَامَ أَدَوَاتِ الْعَصْرِ، لَكِنْ دُونَ أَنْ نُفَرِّطَ بِجَوْهَرِ الْإِنْسَانِ فِينَا، وَلْنَعُدْ إِلَى ذَوَاتِنَا، وَأَهْلِينَا، وَرُفَقَائِنَا، وَمُحِبِّينَا قَبْلَ أَنْ تُضَيِّعَنَا الِاخْتِرَاعَاتُ الَّتِي صَنَعْنَاهَا بِأَيْدِينَا.

 

كاتب من مصر

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

العدد الواحد السبعون السنة السابعة مارس 2026

   

اترك تعليقاً