
اللقاء المفتوح مع علي أيت أوشان، بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بإنركان
رضوان الاخضر
في صباح هذا اليوم، وخلال اللقاء المفتوح الذي أطره الدكتور علي أيت أوشان، بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بإنركان، تمتَ إثارة قضايا عميقة تتعلق بالكفايات اللغوية، وبالهوة المتسعة بين الخطاب التربوي كما هو مسطر في المنهاج، وبين ما يمارس فعليا داخل القسم.
ولأن اللقاء فتح الباب أمام التفكير من داخل الممارسة، وليس فقط من خارجها، أجدني، بصفتي أستاذا متدربا، معنيا بطرح هذه الورقة، لا كمجرد تعقيب، بل كإسهام في ما يجب أن يكون حوارا تريويا مفتوحا.
إن القول بأن الشباب ولجوا العالم الرقمي دون ضوابط ولا معايير أخلاقية، وأن هذا سيُنتج “كائنات رقمية” منسلخة عن الواقع، خاضعة للخوارزميات، هو قول يشي بقلق مشروع حول تحولات العصر، لكنه يظهر أيضا عجزا عن تحليل هذه التحولات من داخلها.
المشكلة لبست في دخول الشباب إلى هذا الفضاء، بل في أن من يُفترض فيه تأطيرهم لم يكن مؤهلاً لفهم منطقه، ولا امتلك الأدوات المعرفية أو التكنولوجية الكفيلة بمواكبة هذا التحول.
خذوا مثلا من القسم: في درس الاستعارة، ما زال كثير من الأساتذة يقدمه بنفس الطريقة: تعريف نظري، بيت شعري قديم، ثم تمرين تقليدي.
لكن، ماذا لو بدأنا الدرس من واقع المتعلم لا من الورق؟
لماذا لا ننطلق من شيء يسمعه فعليا؟ من شيء يعنيه؟
في أغنية Morphine – Sucré Salé ، والتي غالبًا ما يسمعها المتعلم في طريقه إلى القسم، نجد سطرًا يقول:
“N’deplassa f le temps, المشكل تابعني جيبي”
هنا نجد استعارة بلاغية: “تابعني جيبي”؛ فالجيب لا يتبع، لكن الشاعر يُجسِّده وكأنه كائن يُلاحقه، في إحالة رمزية إلى الفقر أو الضيق المالي الذي لا يفارقه.
وفي نفس الأغنية يقول:.
“روحي وسطي كتعوم، لحت الموسيقى bouée”
في هذا البيت، نجد استعارتين:
١- “روحي وسطي كتعوم”: الروح شُيهت بجسم يطفو أو يغرق في الماء. وهي استعارة مكنية توحي بالتيه، وفقدان الاتزان الداخلي.
٢- “لحت الموسيقى bouée”: شُبهت الموسيقى بطوق نجاة. استعارة تصريحية تؤكد أن الفن (الموسيقى) ينقذ النفس الغارقة في الضياع، تماما كما تنقذ العوامة الغريق.
هنا، يعيش المتعلم الصورة، ويفهمها، ويشعر بها. فإذا قمت بطرح سؤال بسيط: “ما الذي أنقذ Morphine من الغرق؟” سيجيب المتعلم تلقائيًا: الموسيقى، الفن. لقد فهم الاستعارة دون أن يشعر حتى أنه داخل “درس بلاغة”.
هكذا نربط البلاغة بحياة المتعلم، ونجعله يكتسب كفاية حقيقية في التحليل والتذوق، بدل أن يحفظ تعريفات ويرددها دون وعي.
هذه الاستعارات، حين نُقدمها داخل الدرس، فإننا لا ندرّس البلاغة فقط، بل نُعيد للمتعلم الثقة في لغته، ونُقرب المحتوى من وجدانه.
بعدها فقط، يمكن أن ننتقل إلى الشعر الجاهلي أو الأندلسي، لا لتلقين، بل للتوسيع والتأصيل.
إن نقد العالم الرقمي يجب أن يتم من داخله، لا من خارجه. لا يمكن لمن لم يعش هذا الفضاء، ولم يتفاعل مع وسائطه، أن يؤطر جيلًا يُعيد تشكيل اللغة والتعبير والهوية من خلال الميم، والبودكاست، والفيديو القصير، والذكاء الاصطناعي.
الخطر اليوم ليس في الشاب الذي يصنع محتوى على تيك توك، بل في “المتخصص ( مدرس، مؤطر..)” الذي لا يعرف كيف يشتغل تيك توك.
من لا يعرف من يعرف، لا يمكنه أن يُؤطر.
نعم، هناك فوضى واختلالات، كما في كل مرحلة انتقالية، لكن التحدي التربوي اليوم ليس في الإدانة ولا في الرثاء، بل في القدرة على صياغة سياسات بيداغوجية قادرة على الإدماج والتجديد.
جيل اليوم لا ينتظر أن نملي عليه الحقائق، بل أن نحاوره، أن نرافقه، أن نفهم لغته ووسائطه وتفاعله مع الواقع.
إنها دعوة صريحة لإعادة تعريف الفكر التربوي، لا كسلطة فوقية، بل كـ رفيق تحوّل.
وفي الختام، أتوجه بجزيل الشكر للدكتور علي أيت أوشان على جرأته الفكرية ووضوحه النظري، ولإدارة المركز والأساتذة المكونين على دعمهم المستمر لنا كأساتذة متدربين.
إن مثل هذه اللقاءات ليست مجرد محطات تكوين، بل لحظات وعي وخلخلة، وهي ما نحتاجه فعلًا لنكون مؤطرين قادرين على فهم هذا الجيل، لا الحكم عليه.
أستاذ متدرب بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين-سوس ماسة-إنزكان
تخصص اللغة العربية_ الثانوي-التأهيلي
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي