الرئيسية / الأعداد / الرواية الواقعية الفرنسية وخصائصها خلال ق 19 ( نماذج روائية ) – محمد دهموش

الرواية الواقعية الفرنسية وخصائصها خلال ق 19 ( نماذج روائية ) – محمد دهموش

 

الرواية الواقعية الفرنسية وخصائصها خلال ق 19 ( نماذج روائية )

محمد دهموش

 

لا شك أن الأدب بشكل عام إبداع نتاج ضوابط اجتماعية وسياسية وأيديولوجية …التي توجهه، فلا يمكن الحديث عن تياري أدبي ينشأ بمعزل عن سياق المجتمع، كما يستحيل أيضا أن ينبثق تيار دون إرهاصات تؤثثها تيارات سابقة عنه، فيقوم على أنقاضها مؤكدا الاستمرارية والسيرورة الثقافيتين. بمعنى آخر: لا ينشأ الأدب من العدم، بل هو نتاج حاجات إنسانية تسعى من خلاله إلى الكشف عن وجودها ونمط تفكيرها. إننا لا نتصور أعمال رابليه دون ثقافة عصره والعصور السابقة التي تشبع بآدابها وعلومها، وبالتالي فالنص ما هو إلا تعبير عن رؤية المبدع للعالم المحيط به انطلاقا مما تفرضه ثقافة سواء فردية كانت أم جمعية. إذ” لكل عصر من العصور موضوعاته العامة المتصلة أوثق اتصال بالبنية الاجتماعية. “[1]

إن المذاهب الأدبية التي عرفتها أوروبا تحديدا، ولدت استجابة لظروف البيئة الفكرية، فنجد الكلاسيكية نشأت في ظل الحنين إلى الماضي والتراث اليوناني والرغبة في دراسته “ومحاولة محاكاته لما فيها من خصائص فنية وقيم إنسانية “[2] فتلتها الرومانسية التي ترفض العودة إلى الماضي الغابر وحاولت الاهتمام بالذات وتحريرها ليكون الإنسان مخلصا لنفسه ورغباته بناء على قناعاته الذاتية. وعلى إثرها، ظهرت الرمزية، لتولد بعد ذلك الواقعية التي هي محور هذا المبحث.

تجدر الإشارة إلى أن هذه التيارات والمذاهب – حسب ما سبق – لا يراد بها، أن ظهور الكلاسيكية يحتم غياب الواقعية، بل هنالك شذرات من كل تيار في كل عصر مهما ساد مذهب وطغى على حساب مذهب آخر لأسباب ترتبط بطبيعة العصر ومميزاته.

تحاول هذه الورقة تناول مفهوم الواقعية في الرواية الفرنسية خلال القرن التاسع عشر، من خلال الوقوف عند هذا المفهوم والسياق الذي ظهر فيه لفظا ومذهبا قائما بذاته، وسنحاول توضيح العلاقة بين الواقعية والرواية الفرنسية وتحديد أهم الروائيين الذين تبنوا هذا المذهب ودافعوا عنه.  وتميز خصائص الكتابة الروائية الواقعية في فرنسا، ثم رصد الانتقادات الموجهة لهذا التيار عموما، وفي مجال الرواية خصوصا، ثم سنختم البحث بتركيب المعطيات النهائية.

 مفهوم الواقعية.

تقابل الواقعية مصطلح “réalisme “فهي تعني الارتباط بالواقع، إنها “ادعاء الواقع في حقيقته “[3]،فالواقعية، بهذا المعنى، موضوعها كل ما هو واقعي بعيدا عن المثالية وكل ما هو مجرد ينشأ عن طريق الخيال والوهم، وتحاول التقرب من الحقيقة المادية الملموسة الموجودة في المحيط الإنساني بواسطة الفنون التعبيرية الممكنة، مثل، الرسم والنحت والموسيقى والسينما والأدب.

ففي مجال الأدب تشير الواقعية إلى ذلك المذهب الذي ذاع صيته خلال القرن 19 ويسعى إلى تصوير الواقع بتفاصيله الجزئية دون زيادة أو نقصان ولا تهتم إن كان هذا الواقع منغمسا في الرذيلة أو متصفا بالطهارة، “إن الواقعية لا تريد من الفنانين إلا دراسة عصرهم “[4].

من هنا، يمكن القول، أن الواقعية تتخذ من المعيش الإنساني موضوعا لها وتقوم بمحاوله تصويره كما هو، فهي تشبه تماما تلك المرآة التي تعكس صورة الأشياء المدركة بصريا والمتعارف عليها بين مجموعة بشرية معينة.

  سياق ظهور الواقعية.

السياق التاريخي:

سبقت الإشارة إلى أن الأدب نتاج تحولات المجتمع، فالواقعية لم تنشأ من فراغ، إنما مهدت لها ظروف عامة دفعتها لتظهر جليا في الساحة الأدبية في فرنسا، ويعود ذلك إلى طبيعة الحياة الفرنسية التي لم تعد قادرة على تقبل الهزيمة نتيجة فشل الثورات لينتهي زمن الرومانسية، وبهذا “راح الإنسان الأوروبي منذئذ يواجه واقعا حقيقيا جديدا لم يستطع من بعد تجاهله”[5]. وفي فرنسا بالذات بعد قيام الثورة سنة 1789 بسبب تأزم الأوضاع العامة قضت البورجوازية على النظام الإقطاعي وسيطرت على جهاز الدولة بزعامة نابليون، لكن ” لم تحقق الثورة الفرنسية ما كان يعلقه عليها السواد الأعظم من أبناء الشعب”[6]. وبالتالي، فقد كرست الثورة الصراع الطبقي بين الفئات الاجتماعية ولم تحقق الطبقات الدنيا ما ثارت لأجله، فصار لزاما على الرومانسية أن تتراجع؛ لأنها لم تعد تنسجم مع روح العصر ولا تلبي حاجة القراء؛ وظلت تركز على الانفعالات الحسية والمشاعر الذاتية عوض رصد الواقع وتحولاته. لتفسح المجال أمام بروز الواقعية التي تصف الواقع وتقوم بتعريته وتكشف عن تناقضاته، خاصة واقع الإنسان الشعبي المقهور في علاقاته مع الطبقات البورجوازية التي تنحصر في الثنائيات المتناقضة (فقير #غني/عبد# سيد) وإعادة النظر في هذه التراتبية الهرمية معتمدة شتى أشكال التعبير الممكنة.

 السياقان الفكري والأدبي:

في ظل الحركات الفكرية التي عرفتها أوروبا وانتقلت إلى فرنسا – حركة النهضة والإنسية والتنوير-، وفي ظل سعي هذه الحركات إلى بناء الإنسان والرفع من قيمة الفرد داخل المجتمع وتمجيد العقل ورفض الأساطير والخرافات التي كانت راسخة في الأذهان؛ بسبب سلطة الكنيسة والسخرية منها. لقد قامت هذه التيارات بالامتناع عن كل ما يحول دون التفكير المنطقي واستخدام العقل. وهذا فسح المجال أمام التخصصات المعرفية المتنوعة حيث “ازدهرت الفلسفة الوضعية والمادية ثم الوجودية “[7] . إضافة استقلال علم الاجتماع وتطور النقد في أغلب المجالات المعرفية. الذي أفرز أبرز النقاد في مجال الأدب خلال القرن العشرين (سانت بوف _ هيبوليت تين ) اللذان حاولا دراسة الأدب من خلال ربطه بالواقع وما يفرضه من عوامل على نفسية المبدع ويؤطر إبداعاته.

إن الإنسان، بهذا المعنى، قد حاول الإحاطة بواقعه ودراسته لكشف حقائقه ويتحمل مسؤولية أوضاعه بعيدا عن ميتافيزيقا الآلهة التي لم تعد تتدخل في شؤون الإنسان وتركته لمصيره. وبالتالي يكون في حاجة ماسة إلى “تغيير العالم المألوف إلى عالم سليم كريم “[8].

على إثر هذا المخاض، ولدت الواقعية في مجال الأدب. فقد جرى استخدامه لأول فقد “قالها فورتول سنة 1834فقد نعت رواية معاصرة له بأنها مغالية في الواقعية [9]“. في حين هناك من يرى أن استخدام المصطلح للمرة الأولى كان من طرف الرسام ” كوربيه ” سنه 1855 واعتبر رائد الواقعية حيث تقوم لوحاته التشكيلية على فضح الواقع وتعريته بتركيزه على طبقات الفلاحين والعمال.

على أي، فالواقعية شهدت رواجا خلال القرن التاسع عشر كمذهب مستقل يعيد تصوير الواقع وانبثق عن هذا التيار فروع أخرى كالواقعية النقدية والواقعية الطبيعة والواقعية الاشتراكية  ثم الواقعية السحرية، وهذه الفروع بدورها  يختلف  بعضها عن بعض في حيثيات بسيطة فينظر كل فرع إلى الواقع  من زاوية محددة، فالواقعية النقدية تصور الواقع وتسعى إلى تغييره وتوجيه النقد إلى الطبقات العليا وتسعى إلى الثورة والتحرر من سلطة الطبقات الرأسمالية حيث يرجعون سوء الأوضاع إلى فساد المجتمع، بينما تقوم الواقعية الطبيعية على نقيض الفكرة السابقة؛ لأنها أكثر ارتباطا بالعلوم التجريبية والطبيعية. كما أنها مفرطة في الواقعية، إذ ترجع سوء الأوضاع والفساد والرذيلة إلى طبيعة الإنسان الغريزية وإلى مشاكله البيولوجية. في حين أن الواقعية الاشتراكية التي انتشرت في الاتحاد السوفيتي فيكمن جوهرها “في الإخلاص لحقيقة الحياة بصرف النظر عن مدى ما تكون عليه من جفاء” [10]. والتي تبنت الأفكار الشيوعية والماركسية. أما الواقعية السحرية فقد برزت في أدب امريكا اللاتينية حيث تقوم بدمج الواقع مع العجيب الخيالي.

 الرواية الواقعية الفرنسية وخصائصها خلال ق 19 ( نماذج روائية )

وجد الواقعيون عامة في الرواية مجالا خصبا من أجل تصوير الواقع المزري وتعرية تناقضاته ووصف تفاصيله، وينبغي القول: إن الأعمال التي قدمها فرانسوا رابليه، خاصة، رواية “غارغونتوا وبانتاغرويل ” خلال عصر النهضة فقد كانت تتسم بالواقعية انطلاقا من سخريتها من الأساطير وتفاعلها مع الثقافة الشعبية الدنيا بواسطة لغة أقرب ما يمكن إلى الواقع. وبالتالي، فهذه الرواية كانت إرهاصا للواقعية في فرنسا ويضاف إلى هذا روايتان أشبه بالبيكاريسك بعد رواية رابليه وهما: “تاريخ فرانسيون الحقيقي الهازل لشارل سوريل سنة 1622، ورواية مانون ليسكو للكاتب بريفو سنة 1731.[11]

دائما ما توصف الروايات بأنها خيالية أو تاريخية أو فروسية أو واقعية إلى غير ذلك من الأنواع، وهنا سنطرح سؤالا مرتبطا بصنف الرواية الواقعية، فما الذي يجعل من رواية معينة واقعية؟ وما هي العناصر والخصائص التي ينبغي توفرها في رواية ما حتى تنعت بأنها واقعية وليست شيئا آخر؟

إن من بين السمات المميزة للرواية الواقعية من حيث المضمون أنها تعيد رسم الواقع والتركيز على تفاصيل الأمكنة والأزمنة والشخصيات بعيد عن الخيال المرهف والخلق، فمهمتها منحصرة في كشف الحقيقة بكل مصداقية ودون تحريف، فهي لا تصف الماضي الغابر، بل تركز على الوقائع المعاصرة للأديب  وبالضبط ما يقع في المدن  ” ففي المدينة من الأحداث ما يغني عن الاستنجاد بالتدخلات الإلهية  والسحرية والاعتماد على أدوات مقحـمة على الواقع “:[12] أما من حيث اللغة  فتتسم الرواية الواقعية بلغة أقرب إلى الهامش بتوظيفها للألفاظ الدنيئة التي تعبر عن الواقع المنحط باعتماد أسلوب بسيط، وقد لقي هذا النوع من الرواية نقدا لدى البعض كما سنعرض فيما بعد .  بينما تفاعل معه الجمهور المعاصر المادي الذي “لم يعد يطالب منذ زمن بعيد بالتزويق، بل بتصوير دقيق لما هو عليه ذلك الجمهور “[13].

إذا كان يكفي تسمية أي رواية تتضمن تلك الخصائص والسمات بأنها واقعية، فأين تتجلى هذه العناصر والسمات في النماذج الروائية المختار ة؟ وهي كالآتي:

بلزاك أنوريه: الأب كوغيو – LE PÈRE GORIOT     نشرت سنة 1835

غوستاف فلوبير : مدام بوفاري  MADAME BOVAR  نشرت سنة 1857

إميل زولا: تيريز راكون -THéRèSE RAQUIN    نشرت سنة   1867.

إن اختيار هذه النماذج الروائية بالذات، إضافة إلى فارق الزمن الفاصل بين نشر تلك الروايات كما هو واضح أعلاه. وسنسعى رصد سمات الواقعية في هذه الأعمال وعناصر التشابه والاختلاف بينها من خلال الوقوف عند مكوناتها الأساس: الأحداث والشخصيات والأمكنة، إضافة إلى طبيعة اللغة المستعملة.

 

الأب غوريو

تصف الرواية العلاقات الاجتماعية المبنية على المصلحة والمتجسدة في علاقة البنات بوالدهن غوريو الذي كان يملك مالا وفيرا فتحاول بناته استغلال عاطفته تجاههن لأخذ المال منه من أجل التمتع؛ لأن أزواجهن لا يمنحون المال لهن إلا للضرورة، كما تصور الرواية طالبا بكلية       الحقوق “أوجين ” الذي ينتمي إلى طبقة فقيرة فيحاول جاهد تغيير أوضاعه وتسلق درجات الغنى. بالإضافة إلى شخصية فوتران المخادع الهارب من السجن بسبب تورطه في قضايا الفساد، وتنتهي حياة الأب بالإفلاس والموت، لكن الأسوأ هو تنكر بناته له ورفضهن دفع مصاريف دفنه؛ بسبب إفلاسه.

مدام بوفاري

ترصد الرواية تحولات في شخصيتين هما: تشارلز الذي دخل المدرسة في سن متأخرة مما أدى إلى تعرضه للاستهزاء والسخرية من طرف أصدقائه، وحين صار طبيبا تزوج من أرملة ثرية بواسطة أمه، لتموت بعد ذلك فيتزوج أيما الشخصية الثانية التي كانت مرتبطة بالرهبنة والدير. بالإضافة إلى كونها متشبعة بالقصص الرومانسية الخيالية مما دفعها لترك الدير بحثا عن العاطفة،

تلتقي الشخصيتان (ايما وتشارلز) تزوجا لكن لم ينجح زواجهما بسبب خيبة أمل الزوجة التي كانت تتوقع سعادة كالتي في القصص؛ مما دفعها للبحث عن الحب الذي منحه إياها ليون دون علم زوجها مدعية أنها تتابع حصص الرسم لتصير مخادعة. وفي النهاية تموت ايما منتحرة ويموت شارل أيضا مستندا إلى شجرة.

 

تيريز راكان  

 

الشخصيات الرئيسة وأوصافها

الأب غوريو

 

الأب غوريو

البنات الثلاثة

فوتران

أوجين

ثري ،أب حنون ،ساذج ،الإفلاس ….

الخداع ،الاستغلال .الخيانة .العقوق ،التناقض

سجين ،محتال ، شرير ،داهية …..

عاشق ،طالب   ،يطمح في الارستقراطية ….

مدام بوفاري

 

شارل

ايما

ليون

طالب ثم طبيب ،يحب الارتقاء . السذاجة …

متدينة ،غنية ،انفصام الشخصية ،الخيانة …

طالب نشيط ،عاشق ايما ،فاسد ،خائن

تيريز راكون تيريزا

الأم مدام راكان

الابن كاميلوس

 المخادعة المحتالة، الفاجرة، القاتلة ….

الثرية، المقعدة، المنتصرة

المريض، الساذج، الضحية

تتناول هذه الرواية قصة الفتاة الصغيرة اليتيمة التي تكلفت بها إحدى السيدات الثريات إلى أن كبرت وزوجتها من ابنها المريض. وهذا خلف كبتا لدى الزوجة تيريزا لتتعرف على صديق زوجها   المدعو لوران الذي أغواها وارتبطت به إلى أن فكرا بقتل الزوج من أجل التمتع بمال أمه، ولما تمكنوا من قتله وخدعوا الأم صارت تشاب المشاكل بينهما، وظل هاجس الغدر والخيانة والقتل يسيطر عليهما فماتا منتحرين أمام الأم المقعدة بعد تجرعهما السم الذي دس في اللبن.

 

الأمكنة:

الأب غوريو

المنزل: ” يقع أسفل نيف سانت …في الموضع الذي ينحدر باتجاه شارع ارباليت….[14]

شقق المنزل: لكن الطابق الثالث يحتوي على أربع حجرات، منهما اثنتان مستأجرتان ..[15]

كنيسة سانتيتيان “التي تبعد قليلا عن شارع نيف سانت جانفياف ….[16]

مدام بوفاري

الغرفة: “هذه الغرفة الطيبة المليئة بالمرح بالرغم من فخامتها ذابلة قليلا …”[17]

أينوفيل: “وعند نهاية جسر مقام على النهر في أسفل الهضبة يمتد طريق تحف بجانبيه.”[18]

المائدة: “وفي أركان المائدة استقرت قوارير الخمر، بينما كانت زجاجات نبيد التفاح..”.[19]

تيريز راكان:

الممر:”ممر ضيق بين البيوت تغطيه عقود البناء من الجانبين تقريبا ….”[20]

البيت المأجور:” وللبيت الصغير حديقة واسعة تمتد إلى نهر السين والبيت منعزل …”[21]

المتجر:” بدا أحلك ظلمة وأكثر رطوبة من ذي قبل فكأن أكوام السلع المبعثرة …”[22]

إن القاسم المشترك بين هذه الروايات أنها تتضمن مجموعة من الثيمات: كالنهاية المأساوية والصراعات الطبقية وكذا هاجس الثراء والمال الذي يدفع تلك الشخصيات إلى التنازل عن مبادئها وخيانة الآخرين (خيانة ايما لشارل _خيانة تيريزا لأسرة راكان _ خيانة البنات للأم  وللأزواج). تنتهي كل الروايات بالموت الذي ينم عن عذاب الضمير نتيجة الأخطاء والذنوب المرتكبة ونكران الجميل وإتباع الهوى.

تحاول كل تلك الرواية تصوير تلك الوقائع التي تتسم بالفساد والرذيلة والتي لا حد لها ولا قيد يكبحها. إنها تتمرد على كل الأعراف والتقاليد من أجل الغرائز المتوحشة التي تعيد الإنسان إلى همجيته وتجرده من إنسانيته. فبنات الأب غوريو  تنازلن عن علاقة الود بين الأب وأولاده من أجل المال ويتعمق هذا الفعل أكثر بعد موت الأب الذي كرس حياته لإسعادهن. بهذا المعنى، تسعى لأن تقول: إن الروابط تتفكك حين يسود الشر. الفعل نفسه تقوم به بطلة زولا حين تتنكر لراكان وتقتله من أجل ماله ومن أجل الغريزة. والحبكة المماثلة تحرك أحداث مدام بوفاري، أما الأمكنة فمعظم الأحداث تجرى في المدينة باعتبارها مكانا يعم بالمتناقضات والرذائل، وقد وصفت الأماكن بدقة وتفصيل لواقعيتها في الحقيقة

إن اللغة التي وظفت في تلك الرواية يصعب دراستها لكونها مترجمة، وبالتالي، فالمترجم لن يوظف اللغة المنحطة كما وظفها الكتاب في النص الأصلي مراعاة للسياق مجتمع الترجمة والمتعلق تحديدا بالخصوصية الثقافية والأخلاقية. غير أن هناك بعض الأحداث التي وصفت تلك الرذائل “طوق خصرها بذراعه، أو هو يسير إلى جوارها، وقد مال نحوها ورأسه يفسد صدارها المكوي المنشى”[23] كما جاء في رواية زولا أيضا ” فانحنى وهو يرتجف ليطبع على تلك البقعة الدافئة من بدنها قبلة. “[24]

هذه بعض السمات والخصائص التي توظفها الواقعية، وإن كانت هناك خصائص أخرى، فإن هذا المقام لا يتسع لها؛ لأنها تحتاج إلى دراسة الرواية دراسة دقيقة.

 

  نقد الواقعية في الرواية:

لا يخلو الفكر والأدب من النقد، فالنقد هو الوسيلة لاستمرار الأدب وتطوره من خلال الكشف عن جيده ورديئه، فالواقعية تعرضت للنقد من طرف التيارات الأخرى. كما تعرض الواقعيون بالنقد للتيار الرومانسي، ومن المسلم به أن الواقعية تسعى إلى عكس الواقع انطلاقا مما تراه وتعيشه. بمعنى آخر، فهي ترسم واقعا ثانيا دون إضافات هنا تقع في التصوير فماذا يفيد تصوير واقع مشابه للذي نراه كل يوم؟ إن من بين الانتقادات التي وجهت إلى هذا التيار يصب معظمها في الجانب الأخلاقي، فهي توصف أنها تظهر الدناءة والانحلال والانحطاط السائد في المجتمع، لكن لماذا لا يتم انتقاد الواقع الأصلي الحقيقي بدل الواقع الأدبي؟ ف “الواقعية تمثل أخلاقا منحلة، فلأن المجتمع نفسه منحل”[25]. ومن الانتقادات أيضا الموجهة للواقعية هي أنها تسجن خيال المبدع ولا تحرره؛ لأنه يظل مخلصا لما هو كائن. لا يتجاوزه إلى ما ينبغي أن يكون. فهو لا يخلق الواقع إنه يشبه آلة التصوير. كما اتهم الروائي بأنه “كيميائي وطبيب النفوس…إنه يجس نبض شخصياته، عوض أن يفسر تحولات القلب الحميمة ” [26].

لعل الواقعية تتعرض للانتقادات ليس فيما يخص الجانب الأدبي والجمالي فقط، بل تجاوزه إلى ما هو أيديولوجي وسياسي حيث تسعى الرأسمالية البورجوازية المتوحشة إلى الحفاظ على نفس بنية المجتمع وتسلسله الهرمي. فقد صودرت رواية فلوبير وحوكم بسبب أنها تخدش الحياء والفسق والانحلال الأخلاقي ولم يكن هذا فحسب، بل تسعى -تلك الطبقات- جاهدة لمعارضة الواقعيين حيث تعتبرهم تهديدا حقيقيا يولد سخط الطبقة الدنيا وتمردها على الأوضاع المزرية. ببساطة، إن الواقعية تفضح المسكوت عنه وتصوغ المألوف جديدا تجعل القارئ يجد ذاته في النص كأنه إحدى شخصياته فيتحسر على نهايته.

 

 تركيب:

لقد شكلت الواقعية تيارا متمردا على الرومانسية انسجاما مع الظروف الخارجية العامة التاريخية منها والعلمية والفكرية. فلم يسعها إلا أن تعلن عن روية جديدة للعالم معتمدة شتى الأدوات والوسائل التعبيرية الممكنة كالرسم التشكيلي والموسيقى والأدب. وانبثقت الرواية كأبرز جنس أدبي قادر على امتصاص الأنواع الأخرى باعتبارها ملحمة العصر الجديد، فانسجمت سريعا مع روح العصر، فصارت أكثر تعبيرا عن الواقعية في الأدب فظهر مجموعة من الروائيين المشهورين أمثال: “ستندال وموبسان. بالإضافة إلى زولا وبلزاك و فلوبير ….” وكان هدفهم إعادة رسم الواقع بكل مكوناته وتفاصيله والاتجاه نحو الجوانب المنحطة في الإنسان وتصويرها في أسلوب يتسم بالدقة في الوصف. كما حاولوا أيضا رصد الصراع الطبقي ومكانة المال بالنسبة للفرد والمجتمع. ورغم انتشار الواقعية في فرنسا حينئذ فقد تعرضت لمجموعة من الانتقادات تخص المبدع والعمل الإبداعي في علاقتهما بالمتلقي والمجتمع.

باحث من المغرب

 

 

هوامش:

[1] – محمد غنيمي هلال، النقد الأدبي الحديث، الطبعة 1، مصر، دار نهضة مصر للنشر والطباعة، سنة 1997، ص316

[2] – عبد الرزاق الأصفر، المذاهب الأدبية لدى الغرب، الطبعة1، دمشق، اتحاد الكتاب العرب، سنة 1999، ص 10

[3]–  سعيد علوش، معجم مصطلحات النقد الأدبي المعاص، ط1، لبنان، دار الكتاب الجديد المتحدة، سنة2009.ص526

 [4]-بيير شارتيه، مدخل إلى نظريات الرواية، ترجمة عبد الكبير الشرقاوي، الطبعة1، المغرب، دار توبقال، سنة 2001، ص107

[5]  – أنيك بوانو وآخرون، تاريخ الآداب الأوروبية. ترجمة موريس جلال، ط2، المجلد 3، دمشق، منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب،2007، ص 6

[6]  – رشيد بو شعير، الواقعية وتياراتها في الآداب السردية الأوروبية، ط1، دمشق، الأهالي للطباعة والنشر، سنة 1996. ص 29

[7]  – رشيد بو شعير، مرجع سابق، ص 16

[8]–   محمد غنيمي هلال، مرجع سابق، ص 314

[9].-.بيير شارتي ، مرجع سابق. ص 104

[10]– .الطيب بودر بالة، الواقعية في الأدب، كلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة باتنة .2005 .ص10

[11] – عبود حنا، من تاريخ الرواية، اتحاد الكتاب العرب. دمشق.2002 .ص 193

[12]– نفسه ص 193

[13]-.بيير شارتيه، مرجع سابق. ص 109

  [14]- أنوريه دو بلزاك، الأب جوريو. ترجمة محمد السنباطي. ص 21

 [15]- نفسه، ص28

[16]– نفسه، ص 346

[17]– غوستاف فلوبير، مدام بوفاري إعداد رحاب عكاوي، ص265

[18]– نفسه، ص 87

[19] – نفسه، ص 46

[20]– إميل زولا. تيريزا راكان، تحرير. طاهر الطناحي، ص 9

[21] – نفسه ص 13

[22]– نفسه ص 92

[23]– تيرزا راكان، ص 129

[24]– تيرزا راكان، ص 129

[25]– تيرزا راكان، ص 129

[26]– تيرزا راكان، ص 129

عن madarate

شاهد أيضاً

صدور رواية في استنطاق المكان بعنون: “نفى مردوخ” للكاتب عبدالحسين بريسم

  عن دار “وتريات” للنشر والتوزيع، صدرت للكاتب والشاعر العراقي عبد الحسين بريسم رواية جديدة …

اترك تعليقاً