
حوار مع الزجالة مجيدة الفلاحي
حاورها الشاعر الحَسَن الگامَح
بادئ ذي بدء:
يسر مجلة مدارات الثقافية في العدد الواحد والستين، استضافة الشاعرة الزجالة المتميزة مجيدة الفلاحي، قامة شعرية أثرت الساحة الأدبية المغربية بكلماتها العذبة وأزجالها الأصيلة التي تلامس الوجدان وتعبر عن عمق الثقافة المغربية الأصيلة. تتميز تجربتها الشعرية بفرادة الأسلوب وعمق المعنى، حيث تتجلى قدرتها على مزج الحس الشعبي بالفصاحة، لتقدم لنا نصوصًا تتراقص على إيقاع الحياة اليومية وتغوص في أعماق النفس البشرية. يسعدنا أن نفتح معها آفاقًا للحوار نستكشف من خلالها مسيرتها الإبداعية، ونغوص في خبايا فن الزجل، ونتعرف على رؤيتها للشعر ودوره في المجتمع. فلنستقبل الشاعرة ماجدة الفلاحي بكل ترحاب.
ورقة عن الزجالة ماجدة الفلاحي
حاصلة على الإجازة قانون عام علوم سياسية بجامعة محمد الخامس الرباط
مناضلة حقوقية
عضوة رابطة كاتبات المغرب
عضوة في اللجنة الوطنية للنساء السلاليات
عضوة في الحركة المطلبية للنساء السلاليات
عضوة بالجمعية الديموقراطية لنساء المغرب
شاركت في ملتقيات ثقافية وطنية
نشرت في جرائد ورقية وإلكترونية وطنية وعربية
كنت ضيفة على بعض المنابر الوطنية كشاعرة ومناضلة في الحركة المطلبية للنساء السلاليات
الإذاعة الوطنية، القناة الثانية, ميدي 1 تلفزة , إذاعة ورززات للإذاعة
صدر لها ما يلي:
*ديوان “مساء المرايا” 2022
*ديوان “هكذا حدثتني جدتي” 2023
*ديوان “عييت.. مني” 2024
*كتاب قراءات أدبية في ديوان: “هكذا حدثتني جدتي” : صدر عن منصة بلا حدود الأدبية المصرية
*كتاب: “نساء في ذاكرة الإبداع” كان لي شرف وفخر أن أكون ضمن ثلة من الكاتبات اللواتي حظي ديوانهن بكرم قراءته الأدبية المتميزة للأستاذ الأديب بوسلهام عميمر
*ديوان جماعي ترانيم تاء التأنيث للأستاذة الأديبة أمينة برواضي
الحوار:
كيف ترى الزجالة ماجدة الفلاحي الزجل أو الشعر بالعامية ؟ومن أين استمدت تجربتك الزجلية ؟ وكيف دخلت بحر الكتابة الزجلية؟
الزجل هو فن الكلمة الشعبية بامتياز، يشكل امتدادًا للهوية الثقافية في أبسط صورها وأكثرها صدقًا.
بقوته التعبيرية وسلاسة إيقاعه استطاع أن يكون مرآة للوجدان الجمعي معبرًا عن القضايا الكبرى بلغة الناس اليومية.
متجدد باستمرار، قادر على أن يحاور الفصيح، لا أن يكون دونه.
هو اللغة التي تسرّبت إلى وجداني مع الأهازيج، والأغاني، والحكايات، والأذكار.
هو صوت “الدّادة” وهي تهدهد أخي لينام، وتغني له: نيني يا مومو حتى يطيب عشانا…
لغة لا تحمل فقط الكلمات بل تنقل الإحساس الدفء، والذاكرة.
هي لغة عامرة بحياة الناس، بحِكمهم بضحكاتهم ودموعهم.
الزجل، سكنني منذ طفولتي الأولى قبل أن يصبح وسيلة تعبيري عن مشاعري وانشغالاتي
كنت في طفولتي أردد كلامًا لا أعرف له اسمًا ولا أنتمي إليه بوعي، كان فقط ينساب منّي بشكل عفوي بالفطرة … كأنني وُلدت به.
لم أكن أدري أن ما أقوله اسمه “زجل”، لكن مع مرور الوقت بدأت ملامحه تتشكل على الورق وبدأت أكتشف أن بداخلي صوتًا خاصًا صوتًا يشبهني…
يحمل انشغالاتي، يعبّر عن همومي، ويُخرج أوجاعي من الصمت إلى الكلام.
ذلك الصوت لم يكن مجرد كتابة بل كان جسرًا يصلني بالناس ويُعيدني إلى ذاتي.
أين يلتقي الزجل بالشعر الفصيح؟ وأين يفترقان؟
الزجل والشعر الفصيح كيانان ينبعان من منبع واحد ويلتقيان في الرؤية والهمّ الإنساني في الرغبة العميقة في التعبير في محاولة القبض على اللحظة الهاربة، وفي مجابهة الزمن بالكلمة.
كلاهما يتقاطع في المعنى في التصوير، في الإحساس، بل وحتى في الأغراض الشعرية.
فالزجل كما الفصيح، يطرق أبواب الحب، السياسة، الحنين، القهر، والوطن…
الزجل ينبض بلغة الناس، مستمدًا روحه من اليومي ولهجاته المتعددة، مما يمنحه قربًا عفويًا وحميميًا من الجمهور. يتميز بمرونة إيقاعية تتيح له الانفلات من القوالب التقليدية، ليظل فضاءً مفتوحًا للتجديد والتنوع، مواكبًا تحولات الحياة واختلاف أصواتها.
أما الشعر الفصيح، فهو يستند إلى العربية الفصحى، تلك اللغة الأدبية الرفيعة، المنضبطة بقواعد النحو والعروض، مما يكسبه طابعًا رسميًا ورصينًا، يجعله أحيانًا أبعد قليلًا عن نبض الحياة اليومية، لكنه يظل حاملًا لذاكرة الأدب العميقة وسمو التعبير الفني.
كيف ترين التجربة الزجلية في السنوات الأخيرة بعين متفحصة لا بعين زجالة؟
في السنوات الأخيرة، برزت أسماء زجلية جديدة أغنت الساحة بأساليب مبتكرة ولغات منفتحة، وموضوعات تنبض بالحياة، تلامس اليومي والراهن بكل تعقيداته وتفاصيله.
التجربة الزجلية الراهنة بدأت تنفض عنها غبار التكرار والاجترار، وتسير بخطى واثقة نحو كتابة حداثية واعية تُراهن على عمق الفكرة كما تُراهن على جمالية الإيقاع وتمنح صدق التعبير مكانة لا تقل عن بهاء القول.
وما يُلفت في هذا المسار التحولي هو الحضور اللافت والمتنامي للمرأة الزجالة، التي لم تعد مجرّد استثناء، بل أصبحت فاعلة ومؤثرة، وركيزة من ركائز هذه التجربة الجديدة.
وذلك في حد ذاته تحوّل نوعي، يعيد تشكيل هوية الزجل ويمنحه نفساً جديداً أكثر تنوعاً أكثر جرأة وأكثر اتساعاً .
هل يمكن يوما أن يكتسح الزجل الشعر الفصيح، ويصير الناطق الرسمي باسم القبيلة ( كما يقال )؟
الزجل، بلغته القريبة من الناس، يمتلك قدرة كبيرة على الانتشار والتأثير، خاصة في المجتمعات التي تتفاعل مع الكلمة الشفوية وتبحث عن التعبير السلس والصادق.
لكن، في المقابل، يبقى الشعر الفصيح حارس اللغة وذاكرة الأدب العربي، بحمولته التاريخية ورمزيته الثقافية.
فهل يمكن للزجل أن يصير “الناطق الرسمي باسم القبيلة”؟
نعم، إن كنا نقصد بالقبيلة معناها المعاصر: الناس، الشارع، النبض اليومي.
يمكن للزجل ان يصبح الناطق الرسمي باسم الوطن كله بكل قبائله، وليس باسم قبيلة لوحدها.
أما أن يكتسح الفصيح تماماً؟ لا أعتقد. سيظل هناك توازن ضروري: الزجل سيكون صوت الوجدان الشعبي والفصيح سيبقى لسان العمق الثقافي والمعنى المتجذر.
لكلٍّ منهما مكانه، وصوته، وشرعيته.
من الزجال ( ة) الذي أحب إليك الزجل ، ودفعك لكتابته والغوص في عالمه؟
نشأتُ أولًا في بيتٍ كان يعلو فيه صوت الموسيقى، والأذكار، والأهازيج الشعبية، والأغاني المغربية الكلاسيكية، التي حملت قصائد كبار الزجالين أمثال حسن مفتي، وأحمد الطيب لعلج، وعلي الحداني، وغيرهم.
كما تأثرتُ بأصوات نساء بيتنا، وهنّ يرددن الأهازيج والأغاني أثناء أعمالهن اليومية أو في أمسياتهن الخاصة. كان ذلك أول بذرة زرعت بداخلي حب الزجل والاهتمام به.
وحين بدأت مسار الكتابة بالعامية، اتسع أفق قراءاتي ليشمل زجالين وزجالات من مختلف الأجيال؛ من جيل الرواد الذين أسسوا لهذا الفن، إلى جيل الشباب الذي يحمل مشعل التجديد ويضخ فيه دماءً جديدة
لم أتأثر باسم بعينه من الرواد ولكنني قرأت لأغلبهم كما أقرأ الآن لأبناء جيلي وأتابع اصداراتهم وأشاركهم الاهتمامات نفسها، أقرأ للجميع وأهتم بأغلب ما يكتب وكغيري أحاول أن أستفيد وأفيد.
من بين من قرات لهم احمد المسيح نهاد بنعقيدة العربي باطما، مراد القادري، محمد موتنا السباعي رضوان أفندي، عبد الرحمن فهمي، فؤاد العنيز، ملكة فتح الإسلام…” …”
ليعذرني القارئ ان لم اذكر كل الأسماء التي اهتم بإبداعها الزجلي.
أضف الى ذلك أنني أحاول ان اغني تجربتي بشتى الروافد ” اللهجية” ذلك ان الزجل في الجهة الشرقية مثلا ليس هو زجل الغرب ولا هو زجل الوسط المغربي.
ما رأيك في الكتابات النسوية بالمغرب وفي العالم العربي؟
لا أميل إلى تصنيف الأدب إلى أدب رجالي وآخر نسائي، فمثل هذا التصنيف قائم على الجندر ويسعى إلى ربط كتابة المرأة بهويتها الجنسانية، مما يجعله تصنيفًا تمييزيًا. فالأدب، في جوهره، تعبير إنساني لا يُحدّ بجنس الكاتب أو الكاتبة.
لقد انتقلت المرأة المبدعة من مكانة الهامش إلى قلب المشهد الأدبي فهي لم تعد ترفاً أو استثناءً، بل تيارٌ قويٌّ يفرض حضوره. اليوم تكتب المرأة بجرأةٍ متناهية، دون خوفٍ من رقابةٍ أو تابوهات، فتتناول الجسد والرغبة والأمومة والعنف والحلم والوطن… بكل صدقٍ وعمق.
في المغرب برزجيلٌ من الكاتبات أثبت أن الكتابة ليست ردّ فعلٍ على الخطاب الذكوري، بل فعلٌ إبداعيٌّ متكامل.
ما مشاريعك المستقبلية في نطاق الكتابة بصفة عامة؟
من بين مشاريعي المستقبلية، هناك مجموعة قصصية قيد النشر سترى النور قريبًا، إضافةً إلى كتاب توثيقي يتناول قضية النساء السلاليات ويسلّط الضوء على نضالهن معاناتهن، وأصواتهن التي كثيرًا ما تم تجاهلها في النقاش العام.
كيف ترى ماجدة الفلاحي الإنسانة ماجدة الفلاحي الزجالة؟ وماذا حققت وماذا ينتظرها
ماجدة الفلاحي الإنسانة هي الجذر الأول، الأصل الذي تغذّى منه كل شيء. هي القلب الذي ينبض بالحلم، والوجع، والحنين، والبحث الدائم عن المعنى وسط صخب الحياة وتشابك الأسئلة.
أما ماجدة الفلاحي الزجّالة، فهي الشجرة التي نمت من ذاك الجذر، صارت صوته العالي والمسموع. هي لسان التجربة، ومرآة التفاصيل الخفية التي لا تُقال إلا شعراً. هي التي تُحوّل الإحساس إلى إيقاع، والذاكرة إلى صور نابضة، وتكتب لتُشبه الناس وتُشبه نفسها في آنٍ واحد.
ما حققته حتى الآن هو إثبات حضور في ساحة أدبية كنت أظن أنها مغلقة، هو كسر الصمت بالكلمة، وتحويل الوجع إلى قصيدة، والحكاية إلى مشهد نابض بالحياة. وأن الزجل ليس حكراً على أحد، وأن اللغة العامية قادرة على حمل الفكر، الجمال، والاحتجاج.
ماذا ينتظرني؟
ينتظرني الاستمرار في تطوير تجربتي واغنائها بما يستجد في وطني وفي المجتمع الإنساني عامة من تطلعات وأحلام ومن اهداف سامية ترمي الى الرقي بالثقافة وبالإنسان.
ينتظرني أيضا أن أدفع الى المطبعة بكتابين جديدين، واحد في القصة القصيرة والثاني في السيرة الغيرية عن المرأة السلالية.
قصيدة زجلية: شَلاَََّ كْلاَمْ

شَلاّ كْلاَمْ رَاگدْ
فِي سْكَاتِي
باَيْتْ مْنْ البَارَحْ
فِي الْجُوفْ
نَبْغِي نَهْضَرْ
يْقُولّي بْلاّتِي
رَاه نّارْ گادْية فِي الصْدَرْ
والقَلْبْ فَايِضْ
وَلْسَانْ مَعْقُودْ
عَاجَزْ..
خَايْفْ مَنّي..
مَنّكْ.. مَنْهُمْ..
خَايْفْ مَنْ الفِكْرَة
خاَيْفْ مَنْ الَعْقَلْ
خَايْفْ مَنْ الْحُلْمْ
خَايْفْ مَنْ يَامِسْ
مَنْ الْيُومْ..
خَايْفْ مَنْ غَدّا
يَبْغِي يْكُونْ مْدَادْ
حُرّْ سَايِلْ عْلَى بْيَاضْ
نُورْ يْشَقّْ الظْلاَمْ
يْعَلِّي بْعِيدْ
بْعِيدْ يْرَفْرَفْ
يَرْجَعْ خَايِفْ
وَالْقْصِيدَة تْنُوحْ
وْالْحْرُوفْ تْتْكَبَّرْ
تَحْلَفْ بِسَرّْهَا مَاتْبوُحْ.
شَلَّا كْلاَمْ يَابَسْ
تًًَحْتْ لْسَانِي
يَتْسَنّانِي
نَحْييِه ْ
مَنْ جْدِيدْ
وَنْسْقِيهْ باِلْمْعَانِي
وَانَا حَلْقِي نَاشَفْ
مَا عَارَفْ آشْ نْگُولْ
ماَ عَارَفْ كِيفْ نْدِيرْ
والْهَمّْ كْبِيرْ
بَزَّااافْ عْلَى الْكْلَامْ بَاشْ يَرْوِيهْ
بَزَّااافْ عْلىَ الكْلاَمْ
بَاشْ يْكُونْ قَدْ الَمْقَامْ
وَيْعَبّْرْ عْلَى لِّلي فِي الْجُوفْ
بَزَّااافْ مَنْ الْخُوفْ
وَبَزَّااافْ مَنْ الْحيْرَة مَنْعاَنِي
نْقُولْ الشّوقْ
لِّلي مَحْفُوظْ فِي القَلْبْ
بَزّاافْ مَنْ الحُبْ
مَخْفِي
وضَارَبْ الجْدُورْ
بْعِيدْ فِي اعْمَاقِي
بَزَّافْ مَنْ الشجَرْ
وبَزَّافْ مَنْ الْصَبرْ
هاَدَا غْرَسْتُو
باَشْ الماَشِي عْلَى الطْرِيقْ
يَلْقَى عْلَاشْ يَسْنَدْ الظْهَرْ
ويَلْقَى الظّلْ للِّي يَحْمِيهْ
مَنْ شَلاَّ حَرّْ
مَا يَقْدَرْ عْلِيهْ
وهاَداَكْ دَرْتُو سْلاَحِي
فِي طْرِيقْ كُلُّو حْجَرْ
شَلاَّ كْلامْ رَاگدْ
بْغِيتُو يْفيِقْ
وِيلاَ عْجَزْتْ انَا عْلىَ الكْلاَمْ
يَتْكَلَّمْ هُوَ بِلْسَانِي.
زجالة من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي