الشهادات والقصائد:

حكم حمدان: الشاعر النبيل
عادل لطفي*
كان لقائي الأول بحكم حمدان في ضُحى طانطان الدافئ الرطب، في بيت الشاعر الكريم حميد الشمسدي، الذي منحني، إلى جانب صداقته، هدية ثمينة هي صداقة حكم. لم نحتج إلى كثير كلام لتتآلف الأرواح وتتعانق. كان الشعر المتلوّ بصدق كفيلاً ببناء جسور الألفة، وكان شاي الشمسدي اللاسع للروح يوطد أواصر الأخوة.
توالت لقاءاتي بحكم، خاصة في أكادير، وحدنا أحيانًا، أو في صحبة أصدقاء الشعر والأمل، وكانت كل جلسة موعدًا للبهجة والمحبة الصافية. تأكد لي أن حكم من طينة الشعراء النبلاء بإبداعيته العالية، بتواضعه البهي، وبزُهده الصادق في الأضواء. لطالما آمنت أن الشاعر الحق لا يلهث خلف الضوء، فالنور يسكنه، ولا حاجة لمن يحمل النور أن يبحث عنه خارجه.
شاركنا في محطات إبداعية داخل المغرب وخارجه، وكان أجمل ما فيها – دومًا – حضور حكم، الشاعر النبيل. فكلما سنحت لي فرصة مرافقته، علمت أنني مقبل على ساعات من المتعة الرفيعة، بحسّه الفكِه، وذائقته الشعرية الراقية، وإنسانيته العذبة.
لم يكن حكم حمدان يومًا شاعرًا عابرًا في المشهد، بل كان – ولا يزال – من أولئك الذين يحفرون في عمق التجربة، لا في سطح اللغة. قصائده تشبهه: رزينة، عذبة، متأملة، لا تُغري بالعُبور السريع، بل تدعو إلى التمهّل، إلى الإصغاء الداخلي، كأنها صلاة شعرية مكتوبة بماء الروح.
ولعلّ ما يميز تجربة حكم، أيضًا، هو صدقها. فهو لا يكتب ليُدهش، ولا يحرص على إدهاشنا، بل يكتب كما يعيش: ببساطة نادرة، وعمق لا يُرى إلا لمن تأمّل جيدًا. هذه الازدواجية بين التواضع الخارجي والثراء الداخلي، بين الزهد والمقدرة، هي ما يجعل من حضوره الشعري ضرورة، لا مجرد خيار.
أذكرُ أمسية في إحدى المدن الجنوبية، حين قرأ حكم قصيدة قصيرة لم تتجاوز بضعة أسطر، ومع ذلك ظلّ صداها يرافقنا طيلة المساء. كان ذلك درسًا شعريًا حيًا: أن القليل، حين يكون صادقًا، يغني عن كثيرٍ من الزيف المُنمّق.
ثمّة هدوء في نبرته، وسكينة في حضوره، تجعل من صداقته مكسبًا لا يُقدّر. إنه من أولئك النادرين الذين لا يُشبهون سوى أنفسهم، والذين لا يعرفون كيف يكونون إلا على حقيقتهم. شاعر لا تُغيّره الأمسيات ولا المديح، لأنه اختار أن يسكن القصيدة، لا أن يسكن في أصدائها.
حكم حمدان من شعراء المغرب النبلاء الزاهدين. رصيده الشعري الغني يربك المشهد النقدي المتغافل عنه، ذاك الذي ما زال يغض الطرف عن ينابيع الإبداع المتدفقة من جنوب القلب. لكن قلبًا كقلب حكم، مُشبَعاً بحكمة الشعر، لا يضيق بتجاهل، ولا يطلب اعترافًا؛ لأن النبل لا ينتظر التصفيق، بل يكتفي بأن يكون.
حكم حمدان، أخي في الشعر والحياة:
كن بخير دائمًا،
وعِــشْ.
فاس:20 ماي 2025
شاعر من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي