
تجربة أحمد هاشم الريسوني الشعرية الرؤيا والتشكيل
شروق المليحي*
مقدمة
مع نهاية القرن العشرين، أخذت ملامح وسمات الشعر المغربي المعاصر تتضح، شيئا فشيئا. فالقصيدة، التي كانت تميز الإنجاز الشعري، في الستينيات والسبعينيات، ثم ظهرت في دواوين تكاثر عددها بوتيرة متصاعدة، منذ منتصف الثمانينيات، تشكلت لاحقا في اعمال أخذ بعضها في التبلور والصدور مع بداية القرن الحادي والعشرين. إن الانتقال من القصيدة إلى الديوان إلى الأعمال هو أحد المميزات الكبرى للشعر المغربي وهو يدخل قرنا جديدا، مكتسبا تجربة وخبرة، جعلتاه حاضرا على الصعيد الوطني والعربي ومهيئ لحوار أوسع على المستوى الدولي.
وقد تزامن هذا الانتقال مع تعميق اختيار الحداثة، في الرؤية والإنجاز الشعري على السواء. ذلك ما رصده المتتبعون لحركة القصيدة المغربية الحديثة، وهو إلى ذلك يتأكد أيضا في دواوين الشعراء الذين شرعوا في نشر قصائدهم الأولى مع الثمانينيات والتسعينيات. إنها القصيدة التي استطاعت إعادة النظر بجرأة في مسلمات وفي توجهات وأشكال، تمكنت بها من اختراق الحدود السابقة التي كانت عليها القصيدة المغربية[1].
يبدو أن عقد الستينيات عرف تطورا ملموسا في صدور المجموعات الشعرية، وتضاعف بنسبة كبيرة في عقد السبعينات إلى أن بلغ نسبة كبيرة في الثمانينيات. ولم يحدث في المغرب أن نشب صراع بين الأجيال الشعرية ولم يحدث أن وقع تفاضل بين جيل الستينات، والسبعينات، والثمانينات …لأن الشعراء في المغرب يحترم بعضهم البعض، ولم يحدث أن وقعوا في مهاترات، مثل مهاترات بعض إخواننا في الشرق، فلم يفتح هذا الباب فلم يفتح هذا الباب المظلم.
يقول محمد السرغيني” لا أعتقد أن جيلا أدرك منتهى الفصل بين الشكل والمضمون كما أدركها أبناء الثمانينات، لتلاقحات ومثاقفات متعددة “.
ذلك أن هذا الشعر المتمرد، خلق علاقات إسنادية جديدة، وتجاوز التضمين – بالمعنى الدلالي – وتوظيف الأسطورة، والمناداة على سكان التاريخ، لأن هذه أثواب قل الآن طالبها، ولأن منطق التطور أثبت أن هناك إمكانيات عديدة لتكسير المألوف وخلق رؤى جديدة. [2].
ويرى الشاعر محمد علي الرباوي في رسالته التي تقدم بها لنيل دبلوم الدراسات العليا في اللغة العربية وآدابها في موضوع <الشعر العربي المعاصر بالمغرب الشرقي>، أن المستقبل سيكون لقصيدة النثر وهذا اعتمادا على ما يلي:
أ- الجمل الممكنة: لقد لاحظ ميل الشعراء إلى الجمل التي تركب تركيبا نثريا، ويعني به التركيب الذي يحافظ للكلمات على الرتب التي نفرضها وظائفها داخل الجملة.
ب- العروض: لقد بينا أن الخبب أصبح هو السائد، وأنه أصبح يقبل دخول الفواصل الكبرى، ونقصد الفواصل الرباعية، والخماسية والسداسية وأحيانا السباعية، وهذه الفواصل، باستثناء الفاصلة الرباعية لم يعرفها – حسب علمي- تراثنا الشعري العربي، ولم تظهر إلا في النصوص النثرية. وإلى جانب الخبب ثمة ظاهرة الخرم التي انتشرت انتشارا كبيرا، فأصبحت تدخل في مجال لم تكن تدخل فيه في تراثنا الشعري، وكل هذا يقرب إيقاع الشعر من إيقاع النثر، وإن كنا قد أعطينا في دراستنا للانشاد قيمة إيقاع تعوض كل نقص عروضي. ثم فن بناء القصيدة الواحدة على عدة بحور، وقد لا تكون متجانسة، بجعل الإيقاع متنوعا ومتداخلا، وهذا، مع تداخل اللوحات الموسيقية. يقرب الشعر من النثر.
ج- الثقافة: إن إثقال القصيدة بأسماء الإعلام، وأسماء الأماكن، وإدخال اللغة السياسية، والكلام اليومي جعل القصيدة تخضع للغة الواقع، بدل لغة الحلم، مما جعل إيقاع النثر يتسرب إلى الشعر[3].

أحمد هاشم الريسوني رمز من رموز الحداثة الشعرية المغربية بمدينة أصيلة
سيرة ومسار:
وتعد حاضرة أصيلة من الحواضر الشمالية المهمة التي أنجبت شعراء قصيدة النثر في فترة “الثمانينات”، ومن أبرز شعراءها في هذه الفترة أحد الرموز الأدبية المغربية الشاعر والناقد والأكاديمي “أحمد هاشم الريسوني”. أحد الرموز الأدبية الذي لم يكتفي بالكتاب الواحد ولا بالنظر الواحد ولا بالبعد الواحد على قول الكاتب والناقد والشاعر الصوفي “عبد اللطيف شهبون”[4] لأنه آمن بأن الكون المعرفي ذو أبعاد، والنتاج العلمي لأحمد هاشم الريسوني شاهد على دربة التجميع ومهارة الانتقاء وإبهار الإبلاغ فهو مؤلف وشاعر جمع بين العلم والجمال، يقول العلامة عبد اللطيف شهبون في هذا السياق “بين هذين المقامين تبنيته من الذين أودعهم الله سر التأليف بين العلم والجمال والأخلاق”.
ينحدر “أحمد هاشم الريسوني” من مدينة الفن والثقافة: “أصيلة” جوهرة المحيط الأطلسي، من أسرة صوفية عريقة يعود أصلها إلى الجد المجاهد زعيم اجبالة “مولاي أحمد الريسوني”. ولد بأصيلا في مزرعة والده بضواحي المدينة سنة 1960م، وبها تلقى تعليمه الابتدائي والثانوي ثم تابع تعليمه الجامعي بمدينة تطوان حيث حصل من كلية الآداب بجامعة عبد المالك السعدي على شهادة الإجازة في اللغة العربية وآدابها، أحرز على دبلوم الدراسات العليا سنة 1996م في موضوع ” الاختلاف والائتلاف عند الأجيال الشعرية المعاصرة بالمغرب”. حياته سلسلة محطات وتراكمات واشتغال دائم ومتواصل على تطوير العمل الشعري وتعميق الرؤية الإبداعية يستميل الحداثة الشعرية التي سعى منذ خطواته الأولى إلى تجديد القصيدة المغربية.
بدأ حياته الثقافية بانخراطه في الأنشطة الثقافية والجمعوية، فانتخب رئيسا لجمعية “قدماء تلاميذ ثانوية الإمام الأصيلي” ثلاث مرات، وبدأ بنشر أشعاره بالصحف والمجلات الأدبية المغربية منذ سنة 1980م وقد جمع أول ديوان شعري له تحت عنوان: <<نشيد البياض>>.
حصل على شهادة الدكتوراه في موضوع أطروحته: <<إبداعية الكتابة>>، وهي دراسة في التحديث الشعري عند محمد الصباغ[5]. شاعر، ناقد، وأستاذ جامعي يدرس الشعر الحديث بكلية الآداب. جامعة عبد المالك السعدي بتطوان[6].
صدر للكاتب والشاعر المغربي أحمد هاشم الريسوني دراسات أدبية ونصوص شعرية منذ الثمانينات بالملاحق الثقافية كما ظل حريصا على إيصال رسالته الشعرية إلى القراء دون انقطاع أو فتور، شارك في عدة لقاءات شعرية وأدبية، صدرت له خمس دواوين شعرية: “الجبل الاخضر سنة 1998، “مرتيليات” سنة 1999، “النور” سنة 2000، و “لا” سنة 2012، و”هذا البيت” سنة 2019، ودراسة بعنوان: “إبداعية الكتابة: دراسات في التحديث الشعري عند محمد الصباغ” ودراسة بعنوان: “الشعر العربي المعاصر بالمغرب جدلية الإتلاف والاختلاف”.
الذات الشاعرة في علاقتها بالوجود والموجودات عند الأديب أحمد هاشم الريسوني

تحوز عوالم الكتابة في اجتهاد الكاتب والشاعر أحمد هاشم الريسوني، من ثراء مجالاتها وغنى قضاياها ودلالتها فهي تسمح بمقاربتها من منظورات مختلفة ومن زوايا نظر متعددة، وهي بحق سمة الكتابة المتسمة بالأصالة والتجديد، وتكون في جوهرها متوافقة وحقيقة الإنسان من حيث كنهه وأبعاده المتعددة اللامتناهية، ومن حيث تمثلها وقدرتها على اختراق حواجز الزمان والمكان، لأنها ترتبط بحب الاستطلاع والفضول المعرفي. وارتباطاً بهذا، يمكننا أن نفترض أن سمة الحركة تعد أحد دلائل الأصالة في اشتغال هذا الكاتب والشاعر المبدع.
وفي إجابته عن سؤال ” لماذا تكتب؟ ولمن تكتب؟ من خلال الحوار الذي أجراه مع الناقد والشاعر عبد اللطيف الوراري ردّ قائلا:) سؤال الذات في علاقتها بالوجود والموجودات هو الحافز الكبير الذي يدفعني للكتابة … والشعر هو تعبير عن الذات في علاقتها بالوجود”، مبرزا أن ما يكتبه أولا لذاته رغبة في أن يكون أول قارئ لتجليات علاقة ذاته بالوجود، ومن ثم يكتب لباقي الذوات الشبيهة بذاته، وموضحا أن الفرادة المطلقة لا توجد سوى في الذات الإلهية[7].
إن عوالم الريسوني الفكرية والإبداعية، بل وإن حياته عموماً، تنضح بكثير من السمات التي يتراءى من خلالها معانقاً وملامساً الكنه الإنساني المطلق. وهذا ما يجعل من تجربته الإبداعية تدخل إلى شرفته) كيف دخل الشعر إلى شرفتي … لستُ أدري صورة هذا الدخول.. لكنه في الواقع آت من جهات عديدة، بعضها محسوس، وبعضها الآخر متعدد- خفيّ؛ فالمحسوس هو كوني.. ولدت فوق ربوة مطلة على البحر والمدينة الشاعرية – أصيلة – من جهة الغرب، والطبيعة الجبلية الحالمة من جهة الشرق.. ولعل هذا الموقع المثالي لمسقط رأسي، وهو المكان الذي ترعرعت فيه، ساهم في زرع بذرة الشعر في ثنايا روحي….
أما جهة الدخول الخفي، فهي تمتد في التاريخ السري للذات التي تطل على شرفة الشعرية العربية منذ طرفة بن العبد الذي ظل دائما مثلي الأسمى في الكتابة والحياة.. كما أن مرفأ هذه الذات يُطل على شرفة رمز باذخ ظل يحاصرني ويحثني على التقاط بعض ومضاته شعريا، وهو رمز شخصية زعيم جبالة المجاهد مولاي أحمد الريسوني[8]…..
ظل أحمد هاشم الريسوني نموذجا للباحث الرصين، والأستاذ الذي صنع تألقه داخل رحاب جامعة عبد المالك السعدي، ومن خلال إنجازاته العلمية الرفيعة وعلى رأسها أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه حول التحديث الشعري عند محمد الصباغ، والتي عرفت طريقها للنشر وللتداول بين الباحثين. أضف إلى ذلك، أن الرجل ظل يحمل الكثير من المبادرات المتميزة داخل حقل عطائه الأكاديمي، من خلال إصدارته المتواترة ومن خلال إشرافه على العديد من الندوات العلمية داخل كلية الآداب بتطوان وخارجها، ثم من خلال تأطير لأفواج الطلبة والباحثين، بل إنه تحول إلى مرجع لكل باحث في خبايا الشعر المغربي وعموم أجناس الإبداع التي راكمها مغاربة المرحلة الراهنة بوجه خاص). تتأطر تجربة الشاعر المغربي، أحمد هاشم الريسوني، ضمن سياق شعري وثقافي محدّد؛ هو سياق الثمانينيات من القرن المنقضي، وبما لازم هذا العقد من الزمن من تبدّل بلغ حد الانقلاب على صعيد أنساق الثقافة بعامة، وضمنها أنساق التفكير والإدراك في تشابكهما مع نص الواقع الجديد بعد أن أخذت مفاهيمه المركزية والعضوية في التآكل والتشظي نتيجة الآليات التفكيكية التي أخذت تطاول المجتمع ككل. وهو ما أفضى على صعيد الشعر، إلى الإعلاء من “منصة الذات”، بخاصة في مجالات الوجود، حيث التعاليق مع المكان من منظور الكائن المديني في أحيان، ومن منظور اللغة المنسية” في أحيان أخرى… وعلى نحو كاشف عن الاستعادة تارة والتخييل المتضافر مع الاستعادة تارة أخرى. وحصل ذلك كله، وفي تجربة جيل الثمانينيات تعيينا، وسواء في حال التعاطي الإبداعي مع المكان أو باقي المواضيع، بنوع من الكشف عن مرجعيات متفاوتة عربية، في المقام الأول وبشكل غالب؛ ثم فرنسية بأكثر من شكل فإنكليزية في نماذج محدّدة. فالمقروء بدوره، وفي صفوة القول هنا، كان في أساس العناصر التكوينية للعمل الشعري وتجربة الجيل بعامة.
ولعله من المبرر تأطير تجربة أحمد هاشم الريسوني ضمن هذا المنعطف الذي أسهم فيه بدوره بقصائده المطوّلة الأولى التي كان ينشرها في الثمانينيات النازلة بالملحق الثقافي لجريدة “العلم” الذي أسهم – تعريفاً وتصريفاً ـ في الشعر المعاصر بالمغرب وفي الواقع الثقافي والأيديولوجي بعامة وكان من المفهوم أن تحظى قصائده هاته بمكانتها في هذا الملحق لنبرتها السيرية والمكانية.. والبعيدة، وقتذاك، عن البقية الباقية في ماكينات الأيديولوجيا الساخنة التي سادت من قبل[9].
راكم الشاعر أحمد هاشم الريسوني صرحا شعريا شاهقا، تنتظمه موضوعات شتى، والقارئ لشعره يلمح بلا أدنى ريب إشارات ذوقية، تلخص التجربة الوجدانية للشاعر كونه سالكا مسلك التحديث الشعري العربي، منتظما في عقدها الفريد … لذلك فإن أنوار هذه التجربة تفيض على أديم قصائده فتغدو طافحة بالشوق الفياض أرسى الشاعر والأكاديميّ المغربيّ أحمد هاشم الريسوني تجربة شعريّة رصينة في التحديث الشعري العربي، جمع فيها بين البحث العلمي في مدار قضايا الشعر الحديث، والمساهمة الذاتية عن طريق النظم فيه وفق رؤية خاصة للشاعر والقصيدة، بيد أنه لم يكن لهذه التجربة المنفتحة والرؤية الحصيفة أن تبزغا للوجود لولا التراكم المعرفي الذي راكمه شاعرنا – أحمد هاشم الريسوني – في القراءة والبحث و التنظير والكتابة، وإيمانه التليّ بأطروحات بعض رموز التحديث الشعري بحثا ودراسة، وتعكس هذه التجربة التي راهن عليها الشاعر أحمد هاشم الريسوني إسهام الشعراء المغاربة في التحديث الشعري العربي أسوة بباقي النماذج المغربية والعربية التي رامت الدفع بهذا الاتجاه إلى الأمام، وهو ما يتبدّى جليا في كثير من الأمثلة، منها نموذج محمد الصباغ الفذّ الذي تقصّى شاعرنا تجربته الشعرية من مختلف جوانبها : المولد، التعليم، الصحافة، الترجمة.
باشر الشاعر أحمد هاشم الريسوني تعاطي الشعر في مرحلة جدّ مبكرة من حياته، بالقراءة لمختلف الشعراء الذين ساهموا في انبثاق ذائقته الشعرية (الشعر العربي، الشعر المغربي، الشعر الأندلسي…)، ومن مختلف الاتجاهات الأدبية والفلسفية الأخرى بدءا من الأدب، ومرورا بالنقد، وانتهاء بالفلسفة التي ينهض عليها أساس تصوّره عن الشاعر. ولم يكتف الشاعر والأكاديمي أحمد هاشم الريسوني بالكتابة والبحث في التحديث الشعري، بل تولّى بحنكة تقديم دروس جامعية تعنى بالأدب الحديث في الجامعة المغربية، من خلال المحاضرات التي يقدّمها للطلبة في اتجاهات الشعر الحديث ونماذجه، فضلا عن الإشراف على الأطاريح والأبحاث، والسهر على تنسيق وتنظيم ملتقيات علمية، رام الكثير منها – في مساره المديد بالتجارب العلمية – الاحتفاء بتجارب إبداعية مختلفة في الأدب نثرا وشعرا[10].
تكشف الصورة الشعرية في قصائد أحمد هاشم الريسوني عن عوالم متداخلة من الدلالات والأبعاد والرهانات التأويلية، منها الشخصي والوطني والعالمي، فهي تنتظم المعاني والأفكار، وترصع العبارات، وتسكن المعجم والألفاظ، بما يمكن الرمز بتوظيفاته وتمثيلاته من التعبير عن مكنونات الشاعر والتجاوب مع الأحداث، والتي تكتنز الجمال والموسيقى والمعنى البليغ والمشاعر الإنسانية.

أحمد هاشم الريسوني الإنسان والشاعر والأكاديمي
الأديب أحمد هاشم الريسوني الإنسان والشاعر ومبدع للكتابة الأدبية مشهود له بالخصال الحميدة والأخلاق العالية والاجتهاد والتفوق الشعري منذ انخراطه في الإبداع الشعري الحديث، ومن الرموز الأدبية الكبيرة التي وسمت القصيدة المغربية منذ مرحلة الثمانينيات وكثرت الشهادات في حقه في هذا السياق، وسنكتفي في هذا المقام بشهادة الشاعر والناقد والتشكيلي والأكاديمي “عزيز أزغاي”[11] في حق الشاعر أحمد هاشم الريسوني.
حيث يقول “علاقتي بالصديق الشاعر والأكاديمي الزيلاشي أحمد هاشم الريسوني (1960) نشأت وتطورت، مع الزمن، في ظل تواطؤات إبداعية حدثت عن بُعد؛ أي في شكل تجاوبٍ روحي وجداني لم يكن محكوما، بالضرورة، بتلك النوعية من اللقاءات المباشرة والمتواترة، التي تفيد في الكشف عن معادن الناس وتقوي أواصر صلتنا معهم وتمتن علاقاتنا الإنسانية بهم.
أحمد هاشم الريسوني ينتمي إلى تلك الفصيلة من الأصدقاء الناذرين، الذين يُسرِّبون إلى نفسك غير قليل من الطمأنينة والارتياح. كائن بشوش ومرح ومقبل على مباهج الحياة. وهو، إلى ذلك، شاعر أصيل وباحث متمكن وإنسان كريم وخدوم.
شعريا، لم يصدر الريسوني كتابه الشعري الأول “الجبل الأخضر” (1997)، إلا بعدما كان قد قطع أشواطا كبيرة في أرياف القراءة والكتابة والصمت والتأمل والإنصات، مسلحا، في ذلك، بغير قليل من روح التَّلْمذة الشعرية. هذا المسار، الذي استغرق منه أزيد من عقدين من الزمن، مكنه، في الأخير، من اكتشاف ملامح جملته الشعرية المخصوصة، ما كرسه أحد أهم شعراء جيل الثمانينات المُجَدِّدين.
موازاة مع ذلك، لم يكن الريسوني بعيدا عما كان يُشكل هاجس وأفق الجسم الجمعوي الثقافي الوطني في مغرب نهاية القرن الماضي. حيث راهن، رفقة مناضلين جمعويين، على تكريس ممارسة ثقافية حداثية ومواطنة.. وقد تأتى له ذلك عبر بوابة “جمعية قدماء ثانوية الإمام الأصيلي” طيبة الذكر، التي تشرف برئاستها، لولايتين متتاليتين، أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات، ومن داخل هذا البيت الثقافي الرفاقي أسس لصداقات شعرية احتفت بالمغادرين وساندت من بقي مصرا على الإيمان بجدوى الكتابة في مواجهة مختلف مظاهر البشاعة والقبح الابتذال.
أكاديميا، يعتبر الريسوني من الأطر الجامعية الوطنية، التي ربطت الممارسة المعرفية بشرطها الإنساني، بما يعنيه ذلك من دعم ومساندة ومواكبة لطلابه وزملائه داخل وخارج أسوار المؤسسة الجامعية التي ينتسب إليها. كائن بشوش ومرح، تسبقه ابتسامته الخجولة الحَيِيَّة. وقد أُتيحت لي الفرصة لمعاينة هذه الخصال النبيلة، مجتمعة، لما تقدمت، قبل ست سنوات من الآن، بترشيحي لنيل شهادة التأهيل الجامعي، وكان عضوا في لجنة الافتحاص والمناقشة.
حضوره، في هذه الجلسة العلمية الرفيعة، كما في مناسبات أخرى مماثلة، أسبغ على أجواء النقاش وتداول الأفكار قدرا كبيرا من التلقائية والكرم المعرفي، دون إهمال، بطبيعة الحال، لإعمال شرط الموضوعية اللازم في مثل هذه المناسبات العلمية.
أخيرا، لا بد لي من الاعتراف بأن هذه الشهادة السريعة المختزلة، في حق الصديق الشاعر والباحث الأكاديمي سي أحمد هاشم الريسوني، تبقى مجروحة، بكل تأكيد، لكونها لا ترقى إلى مستوى ما يمثله، بالنسبة لي على الأقل، معدن هذا الرجل النقي، إن في تجلياته الأخلاقية والمعرفية أو في أبعاده الإنسانية الرفيعة.
فتحية له.. وتحية للرحم، الرمزي والفعلي، التي أنجبته.. وتحية، كذلك، للمصادفات الطيبة الكريمة التي وضعتنا في طريقه..
وجدت له في مجلة “روافد” العدد الثاني عشر لشهر مايو- يونيو 2008 م قصيدة شعرية طويلة من الشعر الحديث تحت عنوان: <<ذات صيف بأصيلة>>.
ساهم في بلورة رؤية وجهة جديدة للقصيدة المغربية الحديثة، وأحد منظري لقصيدة النثر المغربية بما أنه اعتبر محمد الصباغ هو رائد قصيدة النثر في المغرب”.

حميميات الفضاء ولوعة المكان عند الشاعر أحمد هاشم الريسوني
تبقى مدينة أصيلة جزء مهم في حياة الشاعر أحمد هاشم الريسوني وملهمة له في كثير من أعماله الشعرية كون الفضاء له أثر كبير على الإنسان، وكون أصيلة مسقط رأس الشاعر وهي تلك المدينة أو الربوة المطلة على المدينة كما يحب أن يسميها الشاعر المسماة بمرغوبة تطل على البحر وعلى المدينة وعلى الجبل والتي كانت محطة تاريخية وجغرافية لجده مولاي احمد الريسوني زعيم منطقة اجبالة التي يشده الحنين إليها دائما ويشم فيها الرائحة الضاربة في أعماق التاريخ.
ظل الشاعر وفي لمدينته “أصيلة” وعبر هذا الأثر في الكثير من نصوصه الشعرية التي كتبها مثل قصيدة مرغوبة في ديوانه الشعري “هذا البيت”، هذا الموقع الجميل الذي يعتبر مسقط رأس الشاعر وموضع نشأته والذي زرع في ثناياه بذرة الشعر والأدب يرى فيه مدينة أصيلة من مختلف الجوانب “القمرة، برج غولة، القصر الذي شيده جده ملاي أحمد الريسوني…)، كما يذكره بمرحلة مهمة بحياته متعلقة بالأسرة والطفولة ومرحلة الشباب.
ويقول الشاعر في قصيدته مرغوبة من ديوانه الشعري “هذا البيت”:
قصيدة “مرغوبة 1”
أشجار الكرموس تستيقظ..
خفيفةً تُرَتِّلُ…
مزامير العصافير ..
فوق هذه الهضبة..
هضبة الحياة الأبدية..
هناك حيثُ الرُّوح
تَقْرَعُ البراق…
الشَّرُوقُ المُحِيطُ بالذاكرة
الأَكَمَةُ العَجْفَاء..
سأميل قليلاً جهة الأنين
في أُمْسِكَ ريحَ الشَّرْكي
كَي
هي أشجار الكرموس
دائماً تأتيني غبشاً[12]
قصيدة “مرغوبة 2”
تسكب طفولتي الولهانه
آه یا مرغوبه…
يا هضبة العيونُ السفلية
المفعمة بالشموخ البحري
مرغوبة جدي
أحفر الآن في تاريخك المسبي
رويداً رويدا
أزرَعُ السَّواقِي حَوَالَيْكَ
أزرَعُ الحَنينُ…
والرِّيحُ تأتيني..
خفيفةً مُبَلَّلَه …
الأغصانُ في ظلالي مُخضوضَرَهُ
دائماً … [13]
قصيدة “مرغوبة 3”
فوق الهضبة
تأتيني المدينة جاثية…
تأتينني بليلة..
تُصَفِّفُ بأيكها
زائرات الوادي
ثم.. قليلاً.. قليلاً.
أميلُ جِهَةَ أَزَيْلَا
ومرغوبة فوق
الهضبة ..
لما تنم…[14]
يبدو جليا من قصيدة مرغوبة أن الأديب الشاعر أحمد هاشم الريسوني يحتفي بها بحميمية هذا الفضاء الذي يرافقه كظله أينما حل وارتحل، استطاع تقديم صورة شاعرية للمكان في نمط فريد في الكتابة الشعرية الراقية، القائمة على حسن توظيف ملكة “الاسترجاع” وتحويلها إلى طاقة هائلة لتطويع ممكنات اللغة والارتقاء بها إلى مستويات راقية من الانتشاء والاحتفاء بعطاء الذاكرة وبتراثها الثقافي والرمز ي والتاريخي، إنها كتابة تراهن على مساءلة حمولات الواقع المادية والثقافية والاجتماعية والسياسية والتاريخية، في علاقتها بالمكان، الذي ألهم صاحبه هذا الزخم الإبداعي الشعري، استطاع الشاعر أحمد هاشم الريسوني من خلال منجزه الشعري أن يقدم تجميعا لعناصر ناظمة وسم بها قصيدته بميسمها الخاص، تجميع تتعامل فيه موروثات الذات مع تحولات حقول الإبداع الشعري ولغاته الحداثية في سياق رؤى واسعة يتداخل فيها غنى المحيط مع نزوع الذات نحو التجديد والابتكار. كتابة متفاعلة مع محيطها ومنصتة لنبضاته بشكل يجعلها تتحول إلى مظان مصدرية لفهم مجمل إبداعات المشهد الثقافي -والشعري تحديدا- الذي أفرزته نخب الشمال بصفة عامة ومنطقة أصيلة بصفة خاصة.
[1] – دورة أحمد المجاطي في الأكاديمية، “في الشعر المغربي المعاصر”، الطبعة الأولى 2003، ص، 32.
[2] – عثماني الميلود، “السؤال المختنق في ندوة “إلى أين يسيرالشعر؟”، جريدة العلم الثقافي، سنة 1993، العدد 114، ص 13.
[3] – محمد علي الرباوي،” الشعر العربي المعاصر بالمغرب الشرقي” جريدة العلم الثقافي، سنة 14 شتنبر 1997، العدد 42، ص 13.
[4] – عبد اللطيف شهبون: أستاذ جامعي شاعر وحقوقي وصحفي، صدرت له عدة دواوين شعرية مثل: ” ذاتي رأيت” و “إليك انتهيت” و “غدا تلقاه” و”كما لو رآني”، و”لم يزل يراك”. ومن بين كتبه الأخرى “الخصائص الأسلوبية في شعر التستاوتي” وتحقيق ديوان التستاوتي.
[5] – عبد الرحيم الجباري، “أصيلا تاريخ وأعلام”، أصيلا في الشعر، الطبعة الأولى، 2009م، ص 133.
[6] – عبد اللطيف الوراري، الذات، الكتابة، حوارات في الشعر المغربي، منشورات بيت الشعر في المغرب، الطبعة الأولى- 2019م، ص 209.
[7] – “الذات، الهوية، الكتابة، حوارات في الشعر المغربي، عبد اللطيف الوراري، منشورات بيت الشعر في المغرب، ط 1 – 2019م. ص 296.
[8] – “الذات، الهوية، الكتابة، حوارات في الشعر المغربي، عبد اللطيف الوراري، منشورات بيت الشعر في المغرب، ط 1 – 2019م. ص 190.
[9] – الشعر والسير في ظلاله … عن تجربة أحمد هاشم الريسوني، يحيى بن الوليد، منشورات “ضفة ثالثة”، بتاريخ 21 أغسطس 2019.
[10] – التحديث الشعري في تجربة الشاعر المغربي أحمد هاشم الريسوني، عبد الرحيم سكري، القدس العربي بتاريخ: 25 أغسطس 2020.
[11] – عزيز أزغاي، (1965 -) الدار البيضاء – المغرب. أستاذ جامعي وشاعر وتشكيلي وناقد فني مغربي.
حاصل دكتوراه في النقد الفني “التشكيل وخطاباته: قراءة في الخطاب النقدي حول الفن التشكيلي في المغرب”.
من مؤلفاته: “لا أحد في النافذة”، “كؤوس لا تشبه الهندسة”، “رصاص المونايزا”، “أكبر من قميص”، “الذين لا تحبم”، “أسرى على قماش”، “حانة الذئب”…..
[12] – أحمد هاشم الريسوني، ديوان “هذا البيت”، دار فاصلة للنشر، الطبعة الأولى- يناير 2019، ص 63.
[13] – أحمد هاشم الريسوني، ديوان “هذا البيت”، نفسه، ص 67.
[14] – أحمد هاشم الريسوني، ديوان “هذا البيت”، نفسه، ص 71.
ناقدة فنية وثقافية من المغرب
جامعة عبد الملك السعدي
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي