
قراءة في الإصدارات القصصية الجديدة للقاص بوشعيب المسعودي
نصر الدين عفيف*
بالتوازي مع الكتب العلمية السينمائية: “الوثائقي أصل السينما” و”الثقافة الطبية في السينما” و”السينما والأوبئة”، وكذلك الكتب الجماعية، عمد القاص بوشعيب المسعودي إلى الكتابة القصصية من خلال إصدار المجموعات القصصية القصيرة: “شذرات من حياتي: شيء من الواقع وشيء من الخيال” و”تيه ومتاهة.. في عالم الطب” و”لهفة وهتاف.. شذراتهم”، واختتمها بإصدار المجموعة القصصية القصيرة “دخلت.. شذراتهن” التي تركز على الجنس الثاني: “الأنثى”، باللغتين العربية والإنجليزية، وكذلك باللغة العربية والإنجليزية معًا في كتاب واحد.
لذا، اخترت هذه المجموعات، وبالتحديد مجموعة “شذرات من حياتي” للقاص بوشعيب المسعودي، محاولًا الاختصار، وسأحاول أن أبرز بعض النقاط التي استخلصتها من خلال اهتمامي بالكتابة الدرامية المسرحية وتعاطفي مع النص الأدبي من وجهة نظر مركزة وموجزة.
المعلومات الأساسية
- العنوان: “شذرات من حياتي: شيء من الواقع وشيء من الخيال”. الطبعة الأولى 2017.
- المؤلف: بوشعيب المسعودي.
- بيانات النشر: صدرت عن دار النشر الحلبي ودار غيداء للنشر والتوزيع، في 80 صفحة من الحجم المتوسط.
- التصميم الفني: من إنجاز الفنانين المهدي يقين ووليد سامي.
- التقديم النقدي: كتبه نور الدين محقق، الذي وصف المجموعة بأنها تجمع بين “الحكي البسيط والعميق” في آنٍ واحد.
- وقال عنها بوشعيب المسعودي، في تقديم خاص: “أتمنى من قصصي القصيرة أن تضيف القليل.. هي مزيج من الواقع الشخصي والواقع المحيط، ومن الخيال الواسع، بأسلوب من نوع آخر…”
الخصائص الفنية والأدبية
- البناء السردي:
- تضم المجموعة 60 قصة قصيرة، تتنقل بين الواقع والخيال، مع التركيز على اللحظات الإنسانية المؤثرة.
- يعتمد الكاتب أسلوب “السهل الممتنع”، باستخدام لغة بسيطة لكنها دقيقة، مما يخلق توازنًا بين المتعة الجمالية والعمق الفكري.
- التقنيات السردية:
- الاسترجاع (Flashback): يُستخدم بكثافة لخلق مفارقات زمنية وتطوير الأحداث.
- ضمير الغائب: يسود معظم النصوص، مما يعزز الحياد الظاهري، لكنه يكشف في الوقت ذاته عن وعي الكاتب بتوجيه الأحداث.
- الإدهاش في الخاتمة: تتميز العديد من القصص بنهايات مفاجئة، مما يضفي طابعًا مميزًا على الحبكة.
- الثيمات الرئيسية:
- الطفولة والذاكرة: تبرز معاناة الطفولة، خاصة في نصوص مثل “الصفعة الأولى” و”الصفعة الثانية”، التي تعكس قسوة التربية.
- السينما كموضوع جمالي: تظهر في نصوص مثل “سحر السينما” و”حكايتي مع السينما”، مما يكشف عن تأثر الكاتب بالسينما كفن سردي.
- الطابوهات الاجتماعية: تتناول بعض النصوص قضايا محظورة أو مثيرة للجدل، مثل “العازل” و”إثم الزقوم”، بطريقة نقدية وجريئة.
التقويم النقدي
- الإيجابيات:
- تنوع الموضوعات بين الذاتي والاجتماعي، مع مزج بارع بين الواقع والخيال.
- اللغة الشاعرية والاقتصاد في السرد، مما يعكس مهارة الكاتب في الإيجاز.
- نجاح الكاتب في تحويل اللحظات العابرة إلى نصوص ذات دلالة إنسانية عميقة.
- النقاط النقدية المحتملة:
- قد يُنتقد التركيز على ضمير الغائب لكونه يحد أحيانًا من التعمق في الشخصيات.
- بعض النصوص قد تبدو مقتضبة جدًا، مما قد يقلل من تأثيرها العاطفي.
الخاتمة
“شذرات من حياتي” تمثل عملًا سرديًا يجمع بين السيرة الذاتية والتخييل، مع إبراز قدرة الكاتب على توظيف التقنيات السردية ببراعة. تقدم المجموعة رؤية نقدية للواقع الاجتماعي، مع الاحتفاء بالتفاصيل الصغيرة التي تشكل عالم الإنسان. تُعد هذه المجموعة إضافة نوعية للأدب المغربي المعاصر، خاصة في فن القصة القصيرة.
_ أما المجموعة القصصية الجديدة تحت عنوان “لهفة وهتاف.. شذراتهم…” فتضم 84 قصة قصيرة. وجاء في تقديم الكاتب والقاص، حسن برطال، لهذه المجموعة القصصية الواقعة في 108 صفحات من القطع الصغير، أن هذا العمل النثري دُبّج بأسلوب يصور المعيش اليومي من خلال تبنيه لمبدأ الواقعية الذي يجعل البنية الفوقية انعكاسًا للبنية التحتية. واعتبر برطال أن الكاتب “ظل محايدًا في أغلبية نصوص المجموعة باعتماده على التبئير واختياره لأجوده، بنظرة من كوة عن بعد، وبنفس المسافة بينه وبين جميع شخوصه دون فرض وجوده عليهم تاركًا لهم الحرية في التعبير وفق مستواهم الثقافي والاجتماعي، مما ساهم في خلق سيمفونية بإيقاع داخلي وخارجي متموج يصنع لحنًا يشد القارئ”.
ويبدو أن المجموعة القصصية “وتستمر الشذرات: تيه ومتاهة.. في عالم الطب” للقاص بوشعيب المسعودي تُقدّم تجربة أدبية مميزة، تدمج بين العالم الطبي والإبداع السردي، حيث تبرز رؤية الكاتب للطب ليس كمهنة فحسب، بل كعالم إنساني مليء بالقصص والأسئلة الوجودية.
الإطار النظري والمنهجية
- النوع الأدبي: تنتمي المجموعة إلى القصة القصيرة جدًا، حيث الجمع بين الإيجاز والكثافة الدلالية.
- الكم والنوع: 62 قصة قصيرة في 93 صفحة تشير إلى كثافة السرد وقدرة الكاتب على الإيجاز مع عمق المعنى.
- اللغة والأسلوب: يتميز بالانزياح بين الواقع والخيال، مما يخلق فضاءً سرديًا غامضًا يتحدى القارئ في تمييز الحقيقة من المتخيل.
- الموضوع: انعكاس لتجارب طبيب يرى الآلام الإنسانية ليس فقط من منظور علاجي، بل كحكايات تستحق التوثيق الأدبي. كما يُلمّح الكتاب إلى أبعاد فلسفية حول “التيه” و”المتاهة” في عالم الطب، ربما كاستعارة للبحث عن المعنى وسط التعقيدات الإنسانية.
من كلمات الكاتب والناقد:
- القاص بوشعيب المسعودي يرى أن الطب هو “عالمه الأساس”، مما يُظهر كيف يُعيد الأدب صياغة التجربة المهنية إلى فن.
- الناقد الميلودي الوريدي يسلط الضوء على تقنيات سردية مثل التنافر والحوار والتوازي، مما يُضفي طابعًا نقديًا على البنية القصصية.
لماذا تثير هذه المجموعة الاهتمام؟
- الطب والأدب: نادرًا ما يُكتب عن الطب بلغة قصصية تلامس الروح قبل الجسد. ويصبح الطبيب هنا ساردًا للألم عوضًا عن كونه معالجًا له.
- التكثيف السردي: تحدي كتابة قصة قصيرة جدًا مع الحفاظ على العمق يحتاج مهارة عالية.
- النقد والأدب: تقديم الناقد الوريدي يُضفي شرعية نقدية على العمل وربما يكشف عن طبقات قرائية متعددة.
تحليل قصة “قدر” للقاص بوشعيب المسعودي من المجموعة القصصية
“وتستمر الشذرات: تيه ومتاهة.. في عالم الطب”
- قدر
- حمل ملف نقطه فرحًا.. ناوله لوالده.
- شرع في هلوسة كلامية.. اشرح يا بني بتأنٍ.
- يجب عليك إمضاء الملف يا أبي.
- لقد كنت الأول في الثانوية.. أعطوني ملفًا للمنحة بالخارج.. سأكون مهندسًا معماريًا.. سكت الجميع.
- لماذا لا تدرس الطب؟
- فكر مليًا.. الأطفال يختارون.. الأستاذ.. الطبيب.. المهندس.. وكأن الاختيارات اختزلت في هذه الثلاثة.
- سيتمرد.. خمن في برامج عدة.. يجب الحصول على المال للرحيل للخارج.. هل يسرق؟ هل يلعب اليانصيب؟ هل يقترض؟
- كلها خطط فاشلة.. ربما قدره الطب.. مساعدة الناس.. تخفيف آلامهم.. محاولة علاجهم…
الفكرة الرئيسية:
تتناول القصة صراعًا داخليًا بين رغبة البطل في دراسة الهندسة وإجبار المجتمع (تمثيلًا في الأب) على دراسة الطب، مما يعكس هيمنة التصورات الاجتماعية الضيقة حول “المهن الناجحة” (الطب والهندسة والمعمار)، وتهميش اختيارات الفرد.
العناصر الفنية:
- الحبكة:
- تبدأ بحدث محوري (تسليم ملف المنحة)، ثم تتصاعد بالصراع بين البطل والأب، وتنتهي بخضوع البطل لقدره المفروض.
- استخدام التداعي الحر (هلوسة كلامية) يكشف التناقضات الداخلية للبطل.
- الشخصيات:
- البطل: شاب طموح يرغب في الهندسة، لكنه يُقهر اجتماعيًا.
- الأب: يمثل السلطة التقليدية التي تفرض رؤيتها.
- الصمت الجماعي: رمز لقبول المجتمع بالإملاءات الجاهزة.
- الرمزية:
- الملف: رمز للقدر المفروض.
- “قدره الطب”: إشارة إلى هيمنة المجتمع حتى على المصير الفردي.
- الأسلوب:
- لغة متقطعة تعكس التشتت الداخلي (نقاط حذف، جمل قصيرة).
- أسئلة استنكارية (“لماذا لا تدرس الطب؟”) تظهر إلحاح الأب.
الرسالة:
نقد التقييد الاجتماعي لحرية الاختيار المهني، وإبراز كيف تُختزل النجاحات في إطار محدد، مما يُفقد الفرد حريته ويُولد الإحباط.
الخاتمة:
تقدم القصة نهاية مفتوحة تُلمح إلى هزيمة الفرد أمام المنظومة، مع إيحاء بأن “القدر” هنا ليس سماويًا بل اجتماعيًا.
ناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي