قراءة في قصيدة الشاعرة مها الشريف الحارث
حميد بركي
وإذا تململتِ المشاعرُ أفصحتْ
وتهتكتْ من دونِها الأستارُ
قدحتْ بكلِّ قريحةٍ من أختِها
والنارُ أولُها هوًى وشرارُ
ثم استحالتْ للشجيِّ على هُدىً
وتألقتْ من صوغِها الأنوارُ
فتزلزلَ الشوقُ القديمُ وأخرجتْ
من هولهِ أطباقَها الأوطارُ
فمن الخوالجِ عاصفٌ متمرِّدٌ
متأرجحٌ، متبرِّجٌ أمَّارُ
ومن البواعثِ عاقلٌ متبتِّلٌ
متوجِّسٌ، مترفِّعٌ بتَّارُ
والروحُ قائدُها ومالكُ أمرِها
شرعٌ يعظِّمُ حدَّهُ الأطهارُ
ومن الحياءِ مكلَّلٌ بكرامةٍ
تسمو وتعرفُ كُنهَ ما تختارُ
ما كلُّ ما برقَتْ بروقٌ صدَّقَتْ
كم من بروقٍ ما لها أخبارُ
بلغتُ من الوجدِ الخفيِّ قناعةً
تُبنى بها الأفكارُ والأسوارُ
“وإذا تململتِ المشاعرُ أفصحتْ، وتهتكتْ من دونِها الأستارُ”
تململت المشاعر: أي تحركت واضطربت.
أفصحت: تكلمت بوضوح.
تهتكت الأستار: انكشفت الحجب، في إشارة إلى أن المشاعر العميقة حين تتحرك، لا تستطيع أن تختبئ أو تتوارى.
صورة بلاغية: تجسيد للمشاعر ككائن حي يتحرك ويكشف المستور
“قدحتْ بكلِّ قريحةٍ من أختِها، والنارُ أولُها هوًى وشرارُ”
القريحة: الفطرة أو الموهبة الشعرية.
النار أولها هوى وشرار: كناية عن أن العاطفة تبدأ بشيء لطيف (الهوى) لكنها قد تشتعل وتتحول إلى نار.
صورة مجازية: القريحة هنا كأنها تستنجد بقريحة أخرى لتولد نار الإبداع
“ثم استحالتْ للشجيِّ على هُدىً، وتألقَتْ من صوغِها الأنوارُ”
استحالت للشجي: تحولت إلى شيء يحرك الشجن.
على هدى: بإرشادٍ ووعي.
تألقت الأنوار: كناية عن إشراق المعنى أو صدق التعبير.
البيت يوحي بأن الحزن المهذب يصبح مصدر نور وجمال.
“فمن الخوالجِ عاصفٌ متمرِّدٌ، متأرجحٌ، متبرِّجٌ أمَّارُ”
الخوالج: ما يخالج النفس من مشاعر.
العاصف المتمرد: يصف العاطفة الجامحة التي لا تهدأ.
متبرج أمّار: في إشارة إلى المشاعر التي تظهر وتلح، وربما تدفع الإنسان إلى الانفعال أو الخطأ
نمط شعري يجمع بين جزالة اللفظ وعمق المعنى، وهي مشبعة بانفعالات وجدانية تعكس صراعًا داخليًا بين المشاعر والعقل، بين التمرد والانضباط، بين الهيام والوقار. تستهل بنقلة شعورية عارمة، حيث تتململ المشاعر وتتكشف الأستار، مما يوحي بانفجار عاطفي لم يعد في الإمكان كتمانه، فتنبجس القريحة الشعرية كشرارة نار أولها هوى، وآخرها نور وهداية، مما يربط بين العاطفة والصفاء الروحي.
ينتقل النص بسلاسة من هذا الكشف العاطفي إلى لحظة تحول يتألق فيها الشعر كشعاع نقي يتجلّى فيه الصفاء، ويعيد تكوين الشوق القديم على نحو عاصف، في إشارة إلى أن التجربة الوجدانية متجددة، وغير قابلة للاندثار، بل تنبعث من رمادها كل مرة بشكل أشد قوة.
وفي تضاد بديع، يُقابل العاصف المتمرد بالعاقل المتبتل، في ثنائية تمثل التوتر الكامن في النفس البشرية، التي تسير بقيادة الروح ضمن شرعٍ يعظمه الأطهار، كأن القصيدة تسعى إلى تصعيد العاطفة، لا إلى الانفلات بها، إلى تهذيبها وجعلها منضبطة بالمعنى والقيمة، ثم ختم الشاعرة ببيت يعبر عن نضج وجداني، حيث بلغ قناعة خفية تستند إليها الرؤى، وتُبنى عليها الحصون الفكرية، ختام يرفع من شأن التجربة الذاتية باعتبارها مصدرًا للفهم والتشييد، لا مكتفية بانفعال عابر.
القصيدة جزلة متراوحة بين البوح والتأمل، وبين التهيّج النفسي والسكينة الروحية، وهي تحمل في عمقها فلسفة إنسانية عن توازن الوجدان، مما يجعلها شعرًا خالصًا يستحق الوقوف عنده مطولًا.
ناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي
