الرئيسية / الأعداد / وداعية… لروح الراحل الإنسان إبراهيم أوحسين (رحمه الله) – خالد بناني

وداعية… لروح الراحل الإنسان إبراهيم أوحسين (رحمه الله) – خالد بناني

شهــــادات

وداعية… لروح الراحل الإنسان إبراهيم أوحسين (رحمه الله)

خالد بناني*

 

ماتَ إبراهيم.. مات ذلك الرجلُ الفاضلُ الذي فَاخَرْنَا به لسنواتٍ طويلةٍ. مات رجلٌ ظَلَّ لَصِيقاً بالحق، عفيفَ العينِ واللسانِ، خَدُوماً، أميناً، رجلاً عربياً مسلماً.. بكل ما تحمله الكلماتُ من معانٍ.

عرفت الرجل قبل اثنتين وعشرين سنة، عبر وساطة صديقنا المشترك الأستاذ عبد العزيز أمزيل. عرفته قاصا وشاعرا مبدعا في حالتيه، وإنسانا عصاميا يحلم بالغد الأفضل مؤثرا غيره عليه دوما. كنا معا في أنشطة منتدى الأدب لمبدعي الجنوب، نلتقي ونقضي ليالينا إما بمنزل الشاعر الشريف مولاي الحسن الحسيني، وإما بالدار العامرة للأريب الناقد الدكتور المختار النواري، بمعية نجله الشاعر المبدع محمد الأمين، وإما بفنادق ساحة أساراك بتارودانت، حيث تظل أعيننا مفتوحة الليل كله ونحن نناقش قضايا الفن والأدب والفكر والثقافة. سافرت معه إلى مدينة ابن احمد لأول مرة ونحن نختبر الملتقيات الوطنية، فكان سفرا صادقا لامست فيه جوهر الرجل عن كثب. لم يكن يحب الأضواء، فظل متواريا في الظل ليحصد الآخرون العرفان عن نجاح أنشطة ظل هو السبب الأول لإنجازها بنجاح. ولم يكن يؤمن بجدوى الشهادات الجامعية، فما سابق يوما إلى المنافسة وخوض غمار تحصيلها، هو الذي لطالما آمن أن الكتابة الفعلية أبقى من الشواهد والألقاب. هكذا خلّف لنا عديد الأعمال التي ينافس بعضها بعضا في الجودة والجدة والشاعرية شعرا ونثرا.

قبل أسابيع قليلة من رحيله اتصلت به ليساعد سيدة مثقفة في أمر مهني خارج المغرب، فاستبشر خيرا وسعى وسعه استجابة وأملا في تحقيق المراد. يومها حدثني عن مشاريعه الثقافية التي ظل بعضها مؤجلا لأشهر وسنوات، وكيف أنه قرر العودة بقوة لاستئناف الكتابة كأنما يسابق الزمن لتأريخ ذكراه. يومها وعدني بإتمام إجراءات الدفع بديواني الشعري إلى وزارة الثقافة عن طريق أحد أصدقائه (دفعا شريفا للتنافس على الدعم المخصص لذلك، لا دفع العلاقات الاجتماعية والوساطات المشبوهة)، كما أسعدني بخبر عزمه تنظيم ملتقى لتكريم مجموعة من الفعاليات الثقافية، والتي كان اسمي مقترحا ضمنها. شكرته وأنا أكبر فيه نبله وإخلاصه النقي لكل ذي شأن، مهما صغر شأنه.

في الإثنين المرعب اتصل بي صديقنا الأستاذ عبد الكبير أباها ليسألني دونما مقدمات سؤاله الوحيد القاتل:

  • هل الخبر صحيح؟
  • أي خبر؟
  • هل مات إبراهيم؟
  • من؟
  • إبراهيم أوحسين.. هل مات؟

لا أذكر كم مرة حاولت التأكد من سؤاله وأنا أردد “من؟”، وهو يؤكد بصوت آلي غائب “إبراهيم أوحسين”.. كل ما أذكره هو ثقب في القلب، وصوت الريح الباردة إذ تعبر الخواء الموحش. كنت للتو قد عدت من عملي، نظرت إلى زوجتي مفصولا عن كل ما حولي: ماذا أفعل هنا؟ ما الذي حدث؟ تسألني: خير؟ فأجيبها: مات صديقي…

في الحقيقة لم يكن الإثنين يوم موته وحده، وإنما يوم مأتمنا الجماعي، أنا وكل من عاشره من محبيه أهلا وأصدقاء وزملاء عمل وجمعويين ومثقفين وأطفالا وشيوخا و… لا أحد منا صار شبيها بذاته، كلنا تساقط منا شيء ما ولم نسترده لاحقا ولن نسترده مطلقا. الموتى لا يغيبون جزافا، إنهم يسرقوننا ثم يرحلون ونحن فيهم.. وهم فينا.

في يومِ رحيلِه عرفتُ معنى حُسْنِ الخاتمةِ: هي الشهادةُ أنه كان رجلاً صالحاً في زمنٍ مُغْبَرٍّ، ولذا لم أَكُنْ لِأَتفادى كلَّ ذلك الصقيعِ الذي اجتاحني وأنا أسألُ اللهَ له الرحمةَ في ليلةِ قبرِه الأولى. ويومَ تأبينِه الذي تخلفتُ عنه أدركتُ أنَّ الرحيلَ بالنهايةِ هو إخلاءُ القلبِ، لا إخلاءُ الأمكنةِ. أكان لنا إِذَنْ أنْ نُصَدِّقَ رحيلَه هو الذي بكلِّ هذي القلوبِ لم يَكُنْ أبداً مجرَّد “عابرٍ” ككلِّ العابرين؟ هو الذي لا عنوانَ له، والذي له في كلِّ واحدٍ منا مَسْقِطٌ، لم نَكُنْ نحتارُ في العثور عليه، إذ أننا كلما سَلَكْنَا دربَ الحُبِّ في اللهِ إلَّا وكان المُنتهى.. فكيفَ نُشفى منه، كيف نُشفى منه؟

في ذِكراه ها أندا ما أزالُ مسكوناً به، وهو الذي ليس أقسى من تذكرِه سوى نسيانِه، ذلك أنَّنا بين هذا وذاكَ مَحْضُ ذاكرةٍ مُعذَّبةٍ. فقط لو أنَّني أرى عينيه الطفوليتين لآخرِ مرَّة.. فقط لو أنه يبتسمُ بصمتٍ كعادتِه لآخرِ مرة.. فقط لو أنني أسمعُ صوتَه الخفيضَ لآخرِ مرة، حتى لو كان هذا بكلمة “وداعاً”…

له ولغيره من الراحلين الكثر كتبتُ ذات فقدٍ قاس:

تباعاً تموتون، لم يَبْقَ غيري … فلا تسألوا ما الذي أخَّرَكْ

هو العمرُ، لو تَمَّ آتي سريعا … كظبي إذا ما انتهى للشَّرَكْ

وداعا إلى أنْ تَرَوْني ملاكا … إذا ما بدا طيفُنا المُشترَكْ

إنا لله وإنا إليه راجعون.

كاتب من المغرب

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

أحلام فارس – حسن لشهب

حسن لشهب*   أدار عينيه في كل اتجاه ناظرا لما حواليه دون كبير اهتمام باحثا …

اترك تعليقاً