الرئيسية / الأعداد / جدلية الهوية والجسد في مرايا رواية «هذه ليست حكاية عبده سعيد» لـ “نادية الكوكباني” – نجيب التركي

جدلية الهوية والجسد في مرايا رواية «هذه ليست حكاية عبده سعيد» لـ “نادية الكوكباني” – نجيب التركي

جدلية الهوية والجسد في مرايا رواية «هذه ليست حكاية عبده سعيد» لـ “نادية الكوكباني”

نجيب التركي*

 

مدخل

تأتي رواية (هذه ليست حكاية عبده سعيد) للكاتبة “نادية الكوكباني” في وقتٍ تضج فيه ساحة الإصدارات الكتابية اليمنية بالمزيد من الإنتاج. الرواية صادرة عن دار الحوار للنشر والتوزيع — سورية، اللاذقية، من القطع المتوسط، في أكثر من 280 صفحة. قسمت الكاتبة الرواية إلى ثلاثة أبواب: الأول بـ 20 عنوانًا فرعيًّا، الثاني بـ 25، والثالث — الذي استأثر بالنصيب الأكبر — بـ 40 عنوانًا فرعيًّا، هذه البنية تعكس تشظّي الحكاية وانفتاحها، وتوحي للقارئ بأن الحكاية أوسع من مجرد خط سردي واحد، بل أقرب إلى نسيج متعدد الطبقات.

العتبات النصية

الغلاف

جاء الغلاف بخلفية خضراء، توسطتها دائرة هندسية يعلوها مثلث مائل نحو الشمال. هذا التشكيل البصري لم يأتِ عبثًا، إذ بدا كإشارة ضمنية إلى التقسيم الثلاثي الذي هيمن روحيًّا على بناء الرواية، تمامًا كما قسمت الكاتبة الأبواب.

المثلث، بزواياه الثلاث، يشير كذلك إلى محاور الشخصيات أو المراحل الزمنية والوجدانية، ويعكس في الوقت نفسه هشاشة العلاقات الإنسانية، وقابليتها للانقسام والتصدع.

هنا، نلمح خيطًاً رمزيًّا رفيعًا يتقاطع مع عبارة الكاتبة في إحدى الصفحات: «محصول الذرة من الثلاثة الأحوال». كأن الكاتبة تذكّرنا بأن الثمار — سواء كانت في الزراعة، أو في الحكاية، أو في النفس الإنسانية — لا تنضج إلاَّ عبر أطوارٍ ثلاثة، متداخلة ومتراكبة.

 

العنوان واسم الكاتبة: لعبة المراوغة الدلالية

اختارت الكاتبة وضع اسمها: «نادية» بخط أصغر، مقابل لقبها «الكوكباني» بالخط العريض، مما يعزز حضور الهوية واللقب العائلي كدلالة اجتماعية وتاريخية.

أما العنوان «هذه ليست حكاية عبده سعيد»، فيأتي عنوانًا مهلهلًا من خمس كلمات، اثنتان منهما بخط نميم (ليست، عبده)، وثلاث بخط عريض (هذه، حكاية، سعيد). هذا التباين البصري في الخطوط يخلق لعبة دلالية، تُوهم القارئ أن ما سيقرؤه هو “حكاية سعيد”، قبل أن ينقض النص هذه الفرضية. قد يُفهم من العنوان أنه نفيٌ للحكاية في شكلها التقليدي، وإعلان منذ البداية بأننا أمام نصّ يُعيد مُساءلة معنى الحكاية، ويشكك في مرجعياتها.

 

الإهداء

جاء الإهداء موجزًا وعميق الدلالة:

«لوطنٍ لا يرجو غير الانتماء لفصوله الأربعة»

هذا الإهداء، رغم قصره، ينطوي على مفاتيح تأويلية للرواية. فهو يعبّر عن الوطن ككيان حيّ، مُتعدد المواسم، لا يطلب من أبنائه سوى الانتماء، مهما اختلفت الظروف والمراحل. الفصول الأربعة هنا رمز لتقلّبات اليمن، وتحولاته، وتاريخه المأزوم والمفعم بالأمل في آن.

 

مداخل الأبواب الثلاثة

الباب الأول

«إذا ما رضيت عنك المرأة “العدنية” منحتك عبقها، وإذا ما غضبت عليك دست في فمك ملح بحرها ومضت لحالها» ص. 7

هنا تحضر المرأة “العدنية” كرمز للمدينة الساحلية، المفعمة بالأريج والملح، بالعطاء والحرمان. العدنية تُشبه البحر: تعطي عطرها إذا رضيتْ، وتُلقي مِلحها كعقاب إذا غضبتْ. هذه المفارقة تكرّس صورة عدن كمدينة مزدوجة، تحتضن وتلفظ، تغري وتعاقب، وكأنها تختبر محبّة أهلها وزوّارها في كل موجة.

 

الباب الثاني

«إذا رضيت عنك المرأة “التعزية” عملت بالنيابة عنك، وجعلت منك ملكًا متوجًا على قلبها.. فإذا ما غضبت عليك، ألقت بك في وجه الريح ومضت لحال سبيلها.»

ص. 87

في هذا النص، تبرز المرأة “التعزية” رمزًا للتضحية والوفاء المُطلق. فهي لا تكتفي بمساندة من تحب، بل تعمل بدلاً منه، وتجعله ملكًا على عرش قلبها. لكنها في غضبها لا تتوانى عن القطيعة الكاملة، فتلُقي بمن خذلها إلى الريح، رمزاً للتلاشي والغياب النهائي. هنا تتجلى الصرامة الأخلاقية، والقدرة على الإقصاء الحاسم، وكأنَّ الحب عندها مقامٌ مُقدّس لا يقبل الخيانة أو التلاعب.

 

الباب الثالث

«إذا رضيت عنك “الصنعانية” وهبتك كل ما تملك، وإذا غضبت منك سلمت أمرها لله ومضت لتنجو بذاكرة مثقوبة…» ص. 161

تتجلّى المرأة “الصنعانية” بوصفها رمزًا للكرم الكامل، فهي تمنح كل ما عندها دون تحفظ إذا رضيت. وإذا غضبت، لا تلجأ للعقاب المباشر، بل تُسلّم أمرها لله في تسليم صوفي عميق، وتنسحب لتعيش مع “ذاكرة مثقوبة”، عبارة شديدة الشعرية، تعكس فكرة الفقد الداخلي، والفراغ الذي يتركه الغياب في الروح. وكأنها تدفع ثمن غضبها بالصمت، والذاكرة الناقصة، في محاولة للشفاء أو النجاة.

 

تأملات على العتبات:

تُشكّل هذه المداخل الثلاثية لوحة بانورامية للمرأة اليمنيَّة في تجلياتها الجغرافية والوجدانية: العدنية (العطر والملح)، التعزية (التاج والريح)، الصنعانية (العطاء والصمت). كل واحدة منهن تحمل جزءًا من روح اليمن، وتضع القارئ في قلب المزاج المتقلّب للأمكنة والعلاقات.

هذه العتبات، من الغلاف، إلى العنوان، فالإهداء، ثم المداخل الشعرية، لا تلعب دور الافتتاح فقط، بل تُشبه بوابات سِرّية تُهيّئ القارئ نفسيًّا، وتجعل كل بابٍ سَرديَّ كأنه مدينةً مستقلة، أو فصلاً في خريطة العاطفة اليمنية.

علاقة عبده سعيد بصبحية: تصحيح مسار الفهم

ربما يَظن القارئ في البداية — كما حدث لي — أن عبده سعيد هو والد صبحية، ذلك الأب الذي يوجه إليها الخطاب الحميمي في افتتاحية الرواية، لكن مع التوغل في النص، نكتشف أن عبده لم يكن سوى صديق والدها الحقيقي، جبران علي. هذه الحبكة الملتبسة تفتح بابًا للتأمل في معنى الأبوة، الذاكرة، والانتماء.

 

السطر الأول: الشرارة الأولى

يبدو جليًّا للقارئ، منذ اللحظة الأولى التي يفتح فيها رواية “الكوكباني”، أنّ ذكر «صبحية» لم يأتِ عابرًا، بل جاء ليكمل سردًا ناقصًا بدأته الكاتبة في عملها السابق «صنعائي». هكذا، يلوح اسم صبحية وكأنه الخيط الذي يربط بين نصّين، أو الامتداد الروحي لشخصية الكاتبة نفسها، وإن على الورق.

يمكن القول إن تكرار حضور صبحية يعزّز من مكانتها كبطلةٍ مركزية، بل كصوتٍ داخلي للكاتبة، يتخفّى أحيانًا في الحكاية ليعلن عن ذاته في لحظة ما. يكفي للتدليل على ذلك شغف صبحية بصنعائها، الذي يتجلّى على لسان والدها غير البيلوجي في النص.

الرسالة الأولى التي جاءت بصوته، والتي تحمل بين سطورها حبّ المدينة وجرحها، تمثل مفتاحًا دلاليًا شديد الأهمية. يقول الأب في رسالته:

«المدينة التي كانت شاهدة على أحلامنا وانكساراتنا. تجذّر عشقها في نفوسنا وتفانينا من أجل الدفاع عنها، وأصبحتْ حُلمًا لمستقبلنا وحياتنا فيها. لم تخذلنا يومًا، ولكن خذلتنا النفوس المريضة التي تفيَّدتها وسعت لامتلاكها بكل ما أوتيت من قوة ومال.»

 

ويضيف الأب، في جملة غاية في الحكمة والهدوء:

«أعلم أن رأسك الآن تتزاحم فيه الأسئلة، ولهذا أقول لك: لا تستعجلي، ستجدين إجاباتك كلها.»

في هذه العبارة، لا يوجّه الأب غير البيلوجي حديثه إلى ابنته فحسب، بل كأنما يوجّهه أيضًا إلى القارئ، وإلينا جميعًا، كدعوة للصبر والتأمل قبل إطلاق الأحكام.

بدوري، أجدني ممتثلًا لهذه الحكمة، فلا أستعجل في كشف جميع طبقات النص أو الجزم في تأويلاته. بل أترك نفسي مفتوحة على احتمالات الرواية، أرافق صبحية في أسئلتها، وأسير معها في دهاليز الحكاية، بروحٍ من التمهّل والتريّث، انتظارًا للإجابات التي ستتبدّى شيئًا فشيئًا في ثنايا السرد.

ورغم كل هذه الإشارات، يبقى الحُكم النهائي مؤجَّلًا، ريثما تكتمل القراءة، وتنكشف الخيوط الأخيرة لهذه الحكاية الملتبسة، التي بدأت من «صنعائي»، وها هي تستكمل في «هذه ليست حكاية عبده سعيد».

 

الخطاب الرسائلي: عزيزتي صبحية

افتتحت الكاتبة روايتها بخطاب مباشر موجَّه إلى «صبحية»، ممهور بـ «عزيزتي صبحية»، ثم توالت بقية الفصول بصيغة الرسائل الموجّهة إليها من والدها الذي يتضح لنا في نهاية الرواية أن والدها ليس ذلك الرجل الراوي. هذه البنية تمنح النص حميمية خاصة، وتخلق فضاء اعتراف مفتوح بين الأب والابنة، بحيث يغدو السرد ذاته بمثابة بوحٌ طويل، أشبه برسالة حياة.

 

مقاربة رمزية: المرأة بوصفها خريطة

في هذه المداخل، تجسّد الكاتبة اليمن من خلال وجوه نسائه ومدنه، كأن المرأة هي الخريطة الأصدق لليمن: عدن البحر، تعز الجبل، صنعاء المدينة الصوفية. بهذه الثلاثية، تكتمل زوايا المثلث البصري في الغلاف، وتلتقي بمراحل الحكاية الثلاث.

 

الأب، الإرث، والتمييز

مع التوغل في سردية الأب، تنكشف ملامح قسوته، حتى على زوجته، حين ينعتها: «تأخرتِ عن طهي العشاء يا حمالة الحطب». ص.  12، هذه الجملة البسيطة تفضح سلطة الأبوة العنيفة، وتقابلها أمّ حنون، حاضنةً للجميع، في صمتها وكأنها تحمل اليمن كله في قلبها.

كما تبرز في هذه الصفحات إشارة للتمييز الطبقي، حين يتحدث السارد عن لباس أبناء الفقيه وابن شيخ القرية، الذين يضعون الحزام القماشي دلالةً على مكانتهم. هذه التفاصيل الدقيقة تكشف مجتمعًا موزعًا بين مراتب، تتسلل فيها الرموز حتى إلى الجسد والملبس.

 

المتواليات الدلالية: الطبل والمثلث

منذ الصفحات الأولى للرواية، تضعنا نادية الكوكباني أمام حشد من الرموز التي تتكرر وتتشظّى، لتبني طبقات سردية ودلالية عميقة، أبرزها رمز «الطبل»، ومفردة «الثلاثة» بوصفها تمثيلاً للمثلث الذي سبق أن أشرنا إليه في العتبات.

 

الطبل: حامل الرسائل والعبور

ذكرت الكاتبة «الطبل» في ثلاثة مواضع، جميعها تشترك في دلالة مركزية: الانتقال، والوساطة، والبوح.

  1. «سأستعير من “الطبل” مهنته في نقل الرسائل بين المدن، وأكتب.» (ص.10)

هنا يظهر الطبل بوصفه رمزًا للكتابة نفسها، فهو ليس مجرد أداة إيقاعية، بل حامل رسائل، وصدى لنبض القرى والمدن. استعارة الكاتبة منه فعل الكتابة، تكرّس وظيفة الرواية كوسيط بين الذاكرة الفردية والجمعية، وكأن النص كله طبل كبير، ينقل صدى الأصوات الغائبة.

  1. «يعمل أبي ساعي بريد بين المدن والقرى، يسميه أهل القرية “الطَّبَل”.» (ص.12)

يتحوّل الأب إلى طبل بشري، يحمل الرسائل والأحمال، جامعًا بين الدور العملي (البريد، الزاد، الملابس) والدور الرمزي (نقل الأحزان والأفراح والآمال). التسمية هنا تكشف عن قسوة الحياة، واحتياج القرية لصوت يربطها بالعالم الخارجي.

  1. «سلَّمني أبي “لطبلٍ” آخر لِيقلّني إلى عدن.» (ص.20)

في هذا الموضع، يصبح «الطبل» وسيطًا للعبور الجغرافي والروحي، وكأن كل طبل يقود إلى طبلة جديدة، وكل عبور هو طبلة أخرى في جسد الحكاية.

 

المثلث: زوايا العذاب والتشكّل

تكررت مفردة «الثلاثة» في أكثر من عشرين موضع متلاحقة أذكر منها ثلاثة:

الثلاثة الأعوام: «كانت الأعوام الثلاثة أشد قسوة في حياة الأب.» (ص.19)

تشير إلى مرحلة تكوّن الألم، تشبه قاعدة المثلث، حيث تُبنى شخصية الأب على الصلابة والحرمان.

 

الثلاثة الأطفال: «جمعه بهم ابن الشيخ، لم يكتفِ بمنحه أسماله، بل ألحقه بالأطفال الثلاثة لتعلم القراءة والكتابة.» (ص.20)

هذه الزاوية تمثل التعليم، التهذيب الاجتماعي، ومحاولة منح الأب (طفلًا حينها) مكانة جديدة، لكنها تأتي منقوصة، كأنما المثلث يظل معتلًّا بغياب العدالة الطبقية.

 

الأشهر الثلاثة: «وعد الطبل الآخر الأب بتسليم راتب الطفل له كل ثلاثة أشهر.» (ص.20)

هنا تتحول الزاوية إلى زمن انتظار، تعبير عن الديون العاطفية والاقتصادية المؤجلة، وعن سلطة الآخرين على مصائر الفقراء.

 

دلالة الرقم ثلاثة: بنية إيقاعية وسرية في الرواية

إذا جمعنا هذه العناصر الثلاثة، نرى كيف تشكّل رمز المثلث في الرواية ليس فقط بوصفه بنية هندسية، بل كمعمار نفسي واجتماعي. الأعوام الثلاثة قاعدة الألم، الأطفال الثلاثة زاوية التعلم الطبقي، الأشهر الثلاثة زاوية الانتظار والاستغلال. كأن القسوة، التعليم، والزمن، هي أضلاع شخصية الأب، التي يرثها الجيل التالي (صبحية)، وتنعكس في سردية الحكاية.

هكذا، تتشابك الرموز لتمنح القارئ مفاتيح غير مرئية، تجعل كل طبلة، وكل ثلاثة، وكل خطوة عبور، صدى لما سبق أن أسسته الكاتبة في العتبات الأولى: المثلث المائل، الانقسام الطبقي، وقسوة الأب كظل متجذّر في الحكاية.

يبرز الرقم ثلاثة في رواية «هذه ليست حكاية عبده سعيد» كثابت رمزي عميق، يتجاوز مجرد كونه رقمًا عدديًّا إلى كونه مفتاحًا تشكيليًّا وروحيًّا ينسج بنية السرد ويخلق إيقاعه الخاص. حضور هذا الرقم المتواتر يكشف عن رؤية داخلية دقيقة، تقوم على فلسفة التدرّج، والتوازن، والاكتمال.

فنحن نلمح هذا الرقم في نداء ربة المنزل على بناتها الثلاث (ص21)، وفي حنان الست الذي يشبه حنان ثلاث نساء مررن في حياة عبده (ص22): الأم، راعية الغنم، والخالة هايلة. هنا تتشكل صورة الأمومة المثلثة، كجذور ثابتة في ذاكرته الوجدانية، تمثل ضلوعه العاطفية الأولى.

في التحاقه بالصف الثالث الابتدائي (ص23)، يطل الرقم كعتبة معرفية، مثل خطوة حاسمة في سلّم الصعود نحو وعي أكبر. أما العمارات التي لا تتجاوز ثلاثة أدوار (ص27)، فهي تعكس تدرّجًا ماديًّا واجتماعيًّا يوازي تدرّجه النفسي، وكأن الأدوار الثلاثة تحاكي طبقاته الروحية المتراكبة.

في إشارته إلى السنوات الثلاث اللاحقة التي استمر فيها الوضع ذاته (ص32)، نجد الرقم يشيع طابع الرسوخ والدوام، في حين تتحول أشغاله الثلاثة — عمله في المطبعة، العمل في بيت الست، والدراسة — إلى مثلث يوازن حياته، يمثل كل ضلع فيه ركيزة ضرورية لبقائه.

وفي موضع آخر، حين لم تنم الأم ثلاثة أيام من شدة الألم (ص35)، يتجسد الرقم في صورة زمنية مكثفة، أشبه بطقس من الألم الطاهر، يرمز إلى الصبر والخوف والانتظار.

أما في جملته: «داهمني هذا الوضع ثلاث مرات، مع ثلاث نساء، في ثلاث مدن» (ص38)، فإننا أمام ثلاثية مركبة، تعيدنا إلى فكرة الدوائر المغلقة، والتكرار القدري، وكأن عبده يعيش في حلقة لا يخرج منها مهما حاول التنقل أو التبدّل.

ويأتي التكرار ثلاث مرات (ص39) كنوعٍ من التوكيد الطقوسي، أشبه بتعاويذ لفظية لحماية الذات أو تثبيت الحدث في الذاكرة، في حين تختتم الجدة دورة حياتها برقم ثلاثة، إذ تموت بعد ثلاثة أعوام (ص46)، لتُغلق دائرة حنانها بشكل شبه مقدّس.

حضور الرقم ثلاثة في كل هذه المواضع لا يمكن النظر إليه كصدفة عابرة، بل هو خيط سري يشدُّ جسد الحكاية من أطرافه، ويخلق إيقاعًا داخليًّا مميزًا. إنه رقم الاكتمال في التراث الإنساني، ورمز الاتزان في الفلسفة، ومفتاح التحولات في الروح. في هذه الرواية، يصير الرقم ثلاثة بمثابة «طبل» خفي يقرع في الأعماق، يرافق عبده في رحلته، ويحمي هشاشته عبر إيقاع خفي، لا يسمعه إلا القارئ الحميمي الذي يملك أذن القلب.

 

جمال اللغة وتوظيف العامية

جاءت لغة الرواية انسيابية وعذبة، قادرة على المزج بين الفصحى والعامية اليمنية بسلاسة، ما يعكس أصالة المكان ويُقرّب النص من المتلقي. من الأمثلة على المفردات العامية التي تجذّر النص في بيئته: «المَصرّ النازلي»، و «المصرّ الطالعي»، وغيرها الكثير أوردته “نادية” في سياقاتٍ متعددة.

 

الفلسفة في ثنايا الرسائل

حملتْ الرواية رؤى فلسفية موزعة في تضاعيف الحكاية، تُعبّر عن تأملات عميقة في الحياة والدين والعلاقات. من ذلك قول الأب:

«وربما شعرت بأن إسعاد نسائي هو إسعاد لأمي التي أساء لها أبي كثيراً» (ص 38)،

وكذلك:

«عندما تؤمن بأن جوهر الدين هو سلامك الداخلي وتعاملك الخارجي مع الآخر، لن تجد ضيراً في اعتناق أكثر من ديانة تمنحك السكينة والرضا.» (ص 55).

 

شاعرية المشهد السردي

اتكأت الكاتبة على صور شعرية مكثفة لتطعيم المشهد السردي بطاقة وجدانية عالية. مثال ذلك:

«لف عناقنا النوم في أعطافه حتى الفجر.» (ص 66).

كما جاءت بعض افتتاحيات الفصول قصيرة، تشبه شذرات حكمة:

«شوق المحب لحبيبه له وجهان: مُر بغيابه، وحلو بحضوره.» (ص 71)،

«الحياة لا تمنح كل شيء، ومن الحكمة التكيف مع ما تحرمنا منه بالقدر الذي نفرح بما منحتنا إياه.» (ص 74).

 

التعايش الديني والتسامح

عكس الباب الأول من الرواية روح عدن المنفتحة، التي احتضنت مختلف الأديان والمعتقدات في زمن الاحتلال الإنجليزي. جاء هذا التعايش بوصفه حالة مثالية نفتقدها اليوم، وتجلّى في تفاصيل يومية، وفي تعامل الشخصيات مع بعضها، كأنَّ المدينة كانت معبدًا مفتوحًا للجميع، دون تمييزٍ أو إقصاء.

 

البعد التاريخي والإنساني

الرواية تاريخية بامتياز، لكنها لا تقتصر على السرد الوقائعي، بل تمزج التاريخ بالحب، والفقد، والحنان، والأبوة الصالحة والطالحة، بالقحط والشبع، بالنضال والمقاومة. سردت الكاتبة ما لم يجرؤ أحد قبها على كتابته، ولامست جوانب النفس اليمنية في لحظاتها الأكثر هشاشة والأكثر قوة في آن واحد.

 

نفحة ختامية

«هذه ليست حكاية عبده سعيد» ليست مجرد رواية، بل نسيج غنيّ من الطبقات السردية، الفلسفية، والرمزية. نصّ يضرب في عمق الوجدان، ويعيد رسم اليمن كجسد روحي متعدد الطبقات.

هي ليست حكاية عبده سعيد، بل هي حكاية اليمن، النساء، الرجال، المدن، والأرواح المعلّقة في الفراغات، الباحثة دومًا عن الانتماء. حكايتي أنا.

ناقد من اليمن

عن madarate

شاهد أيضاً

عِنَاقٌ بِطَعْمِ الانْتِظَارِ – محمد بن الظاهر

محمد بن الظاهر *   تحتَ صدركِ ظلالُ النّخيل عتمةٌ تنتظرُ الخائفين يُواري آدمُ سَوأته …

اترك تعليقاً