الرئيسية / الأعداد / جمالية الإيقاع الشعري في “حاءات متمردة ” للمرحوم الشاعر عبد السلام مصباح – ابراهيم قهوايجي

جمالية الإيقاع الشعري في “حاءات متمردة ” للمرحوم الشاعر عبد السلام مصباح – ابراهيم قهوايجي

جمالية الإيقاع الشعري في “حاءات متمردة ” للمرحوم الشاعر عبد السلام مصباح

ابراهيم قهوايجي*

استهلال:

” كي تحافظ على وهج الأشياء دائمة الاشتعال فَارْقَ وأنت في عز اللقاء.. في عز وهجك وامتلاكك لسحر اللحظة. لا تتمسك بحب التملك البليد ذاك الذي يطفئ السحر بملاحقته وطلبه وامتلاكه والإسراف في نُشدانه، غادر بمجرد أن تكتشف ولوعك، في الحرية تقبض على جمرة السحر دائمة الاشتعال”.

رجاء الطالبي من مجموعتها القصصية ” عين هاجر”

على سبيل التقديم:

تحتل الذات في الخطاب الشعري حيزا مهما منذ القديم من حيث كونها تُدير دفة تجربة الشاعر بمعناها الواسع؛ إذ تشكل نسقا عضويا تتداخل فيه العاطفة واللغة والخيال قصد تحقيق وجودها الواقعي أو على الأقل كينونتها المجازية.

وديوان ” حاءات متمردة ” للصديق المرحوم الشاعر المغربي عبد السلام مصباح لا يخرج عن أفق استكشاف الذات ونداء الأقاصي، وهو من الحجم المتوسط، صادر عن مطبعة دار القرويين بالدار البيضاء في طبعته الأولى أبريل1999، ويضم بين دفتيه ستة عشر قصيدة تهجس بإيقاع شعري سنحاول أن نلملم أشتاته من خلال هذه المقاربة التي لا تدعي الإحاطة الشاملة، لأن الديوان “يستدعي أكثر من قراءة ممكنة، بل إنه مكتوب من أجلها، لذلك سيكون من الخيانة الاكتفاء بالقراءة الأولى أو الأحادية.

إيقاع الذات والمرأة:

تتخذ المجموعة الشعرية “حاءات متمردة ” للشاعر المغربي عبد السلام مصباح من عنصر الذات موضوعا إشعاعيا لها، لأنه مجالها الحيوي الذي تتنفس به شعريا، وترتوي منه جماليا، بما تعيشه هذه الذات من انكسار وخيبة وأمل وتمرد وحب وأمل.. بحثا عن قيمة أو قيم مفقودة في الواقع الكائن مطموح إلى حيازتها وامتلاكها في الواقع الممكن.

إن الذات الشعرية في الديوان تحفر عميقا في أركيولوجيا النفس       الإنسانية حيث غياب الفرح في حياة الشاعر- الطائر:

“أبحر الطير

بعيدا،

غاب خلف الريح…”

……

” ثم عاد

حاملا

تحت جناحيه الألم

وبنى العش

على أشواك ورده”[1] .

      هكذا يستوطن ويزهر الحزن بأعماق الشاعر متطلعا إلى الأسمى والأبهى.

إن ذات الشاعر هي مركز وجوده الواقعي والمجازي، إنها ذات تعاني الانكسار واليأس والتعب والفقد والحرمان والخوف والحزن والصمت والموت والزمن الخشبي بسبب العزلة المفروضة عليه في طفولة مسجورة بالقسوة والوحدة:

” وحدي

أجلس وحدي

في آخر يوم

أجلس

وحدي

خرجوا…

تركوني…

تركوني في الغرفة وحدي…

تركوني وحدي…

وحدي…

ليس سوى الصمت السائب

يمرح حولي

يتغلغل في نفسي”  [2].

   وهنا ينتصب التكرار اللفظي بيانا شديد اللهجة لإدانة ثقل هذه الوحدة المفروضة، وبالتالي إحساس المتلقي بشراستها وزحفها داخل نفسية الشاعر/ الطفل، حتى ليستحيل الجسد نازفا بالألم وظامئا إلى مشاعر الحنان والحنو والحب، يقول الشاعر:

يقرأها الجسد الراكض بين تضاريس الكبت

 القهر

الصمت المعفون، وبين مفازات الخوف المتصاهل في لحم القبلات،” [3]

    إن الذات كما تتجلى في هذه المجموعة موسومة بكل ألوان القهر والحصار النفسي، لهذا تحتفي القصائد أشد ما يكون الاحتفاء بأوجاعها، والشاعر هنا ينزع لتعرية الجراح بصورة ضمنية تراهن على شعرية المضمر، ففي مقابل هيمنة الحقل الدال على الحب، تُضمر المجموعة الشعرية، وبالمنظور النفسي حرمانا وفقدا وفقدانا لهذه القيمة المرغوب فيها بشكل هستيري في الديوان، إنه المعادل الموضوعي لفقدانها في حياة الشاعر الذي غدا امتلاءً في كل قصائد الديوان، يتغنى بها تعويضا وارتواء مجازيا.

إن نصوص المجموعة تستحضر أوجاع الذات، لتغدو كتابة الذات عمقا تعويضيا أو تفريغيا لمعاناة واقعة في الزمن الماضي، لكنها أيضا ما زالت مستمرة في الحاضر: إنها معاناة تُعاش حاضرا عن طريق حلم مجسد في حب امرأة:

” أحلم…

أحلم بامرأة

….

محملة

بالصّبَوات

وبالعشق

وبالدفء

وتلبسني

ثوب الأُلفة

والرحمة.” [4]،

ومن هنا بوح شاعرنا بما هو خاص وحميمي كثيرا ما غيّبه الشعراء سابقا. وهو ما يشكل حساسية مفرطة للذات الشاعرة تجاه الآخر- المرأة التي تُلون متخيله الشعري في المجموعة، وتملؤه حضورا ملفتا على المستوى المادي والروحي، من هنا تنتصب كتابته الشعرية بتورطها في الجسد المنظور إليه من الجانب الروحي، وللجسد أواصر تشده إلى عوالم الحس، يقول الشاعر:

رؤيتك عارية – أيتها الصبية

 تجعلني أحلم باللحظات الصخابة…

بالكلمات الحبلى ونجوم تتفتت عشقا، تزرع بين خلايانا الأمواج المسجورة.” [5]

  وإن الجسد في الديوان ليست له إشراقات إيروتيكية بقدر ما هي اشراقات مفعمة بالحب، عابقة بعطر الروح، إنه المعادل الموضوعي لها أو هو الوجه الآخر للحياة المفتقدة، ولذلك يكثر بشكل جلي في المجموعة المعجم الشعري العفيف أو الطهراني:

“ما أسعدني

ما أسعدني

يا قطتي الشرسة

ما أسعدني

لو أراك

من شرفة الحلم

تطلين

مغسولة بالقرنفل

والنار

وفي روحي

أراك

وفي شراييني

تتدفقين

ونهرا أخضر

تنسابين

وتدخلين

حقول العشق

نخيلا

وينابيع دفيئة “[6].

    وكأن عبد السلام مصباح يستهويه أن تصبح المرأة، بالمواصفات المحلوم بها، مركز العالم، وهو يتأرجح بين النشوة الأعلى، وانكسار الذات المريرة، وهكذا ينصت الشاعر إلى ذبذبات نفسه صوتا شجيا أحيانا، أو غناء مبتهجا راقصا أحيانا أخرى، ولعل الشاعر يعبر عن ذاته منظورا إليها في علاقتها بالمرأة، من هنا قوة حضورها في المجموعة، ولعل ذلك راجع إلى تأثيرها على تجربته الحياتية في انعطافاتها بدء من الطفولة إلى الآن.

إيقاع الشعر والحلم:

أ – إيقاع الحلم:

يتجاوز الشاعر في خطابه الشعري موجودات الواقع، والإدراك الحسي للأشياء إلى خلخلة ما هو سائد ومألوف من أنساق ثقافية وفنية عن طريق اللغة الشعرية من أجل بناء رؤية شعرية قائمة على علاقة جديدة بين الشاعر وذاته من جهة، وبين الشاعر والعالم من جهة أخرى.

والحلم عند الشاعر عبد السلام مصباح سواء من خلال خطابه المضمر أو الصريح، المفرد أو المركب، أو بملامحه الدرامية والتراجيدية، أو بتجلياته الصورية والنفسية، يظل هاجسا ثابتا في شعره، لتتحول قصيدته إلى طقس شعري، تختلط فيه شتى إحساساته وهواجسه وحدوسه بهموم الإنسان وأحلامه في الحب والحرية والزمن الأبهى، يقول الشاعر:

” نطلب شايا

بعض الحلم

ونكتب

آخر لحن

يتغنى

بالزمن الخصب

بميلاد الشمس

ونمد أصابعنا

بالحب” [7].

    وكأني بالحلم مٍنخل دقيق ينخل الطبقات الأركيولوجية لذات الشاعر وجغرافيتها وتاريخها، من كل العناصر والشوائب المسببة للقهر والألم والقسوة ولكل ما هو سلبي لتتعرى الذات الشاعرة أمام حقيقتها الأولى، وتمتد فضاء مفتوحا على تخوم بدايات الطفولة ولا نهايات الأحلام، يقول الشاعر:

” ونمد أصابعنا

بالحب

إلى الحرف المثخن

نجمع نبضه

في الرئة المنذورة

للفجر

أو

في ضحكة طفل

أو في نقطة ضوء

تتلألأ

بين شفاه امرأة

تتمدد

تحت عباءات

الوردة

و

السيف

تعانق حلما

يتنامى

في جرح الشعراء

وفي

زفرات المسحوقين

البرره” [8].

     وتظل المرأة هي العنصر الجوهري في أحلام الشاعر عبد السلام مصباح، وكأنها هي سؤال وجوده الدائم، وهي أيضا سؤال لغته وقصيدته أيضا، لأنها تجعا نصوصه تنفتح على وعيه بذاته من خلالها، وعلى حقيقة وجوده وواقعه الإنساني عبرها، إنها خَلاصه الأبدي من حالة الانكسار والإحباط، يقول الشاعر:

“أحلم…

أحلم بامرأة

لا تشبهها واحدة

في السرب،

تسكنني جفنيها

تمسح

عن شَعري البيض

أزمنة الإحباط

وأتربة الخيبة،”.[9]

     إنه يحلم بامرأة طفولته، ومكانه الأول وزمنها الأبهى، باعتبارها حاضنة الفضاء الذي يلملم شتات روحه وجسده، ماضيه وحاضره، ويوحد بين المتناقضات في لغة حميمة وأليفة تصنعها القصيدة بطريقة حلولية صوفية، يقول الشاعر:

“وما أجمل

أن ننغرس

في بعضنا

ونعيش يوما

يوما واحد

يوما

بلا خوف

بلا حزن

بلا أقنعة..

يوما تنتفض فيه

نبضات قلبي

وقلبك

ويسكب الضوء الأحمر

علينا

حباته الثمله

فتركب أيادينا

خيول النار

وترحل

بين الأعشاب الناعمة

ونغيب

نغيب

نغيب..

فننسى المكان

وننسى الزمان

وفي خفقة

نبحر

نبحر

في زورق حلم

يجللنا

الحب

الدفء

والألفة..” [10].

      يستند الشاعر إذن على لغة الطفولة وجدار الحلم، إذن، حيث يمتزج فيها إيقاع السير ذاتي الحميمي الذي يتقاطع مع التجربة الإنسانية في كل أبعادها، لتتسم نصوصه الشعرية بالثراء الترميزي والتكثيف الدلالي، لأن اللغة التي تكون بها هي لغة الرغبة في تجاوز المألوف وارتياد آفاق الممكن وتعرف حقيقة الذات الباحثة عن الرغبة في المغايرة والتمرد، وبهذا يغدو الحلم في الديوان حلما متعددا: هو الحب، هو الجرح، هو الأمل، هو الفرح، هو القصيدة، هو الحياة.

ب -إيقاع الشعر:

إن جوهر الإيقاع في الشعر التفعيلي الذي يجترحه الشاعر عبد السلام مصباح في هذه المجموعة يستند إلى هذا التكرار الدوري الذي يضمن للكلام الشعري انسجامه وتناغمه، ليتحقق في الإيقاع الكمي بتكرار تفعيلة واحدة، وهو النسق الإيقاعي المتحكم في إيقاع الشعر التفعيلي عادة، لكن شاعرنا يراهن في نصوصه على إيقاع آخر هو الإيقاع الداخلي بما هو إيقاع اللغة التي تصنع إيقاع القصيدة على مستويات مختلفة منها: الصرفي التركيبي، ومنها الصوتي، ومنها الدلالي والمعجمي.

فالإيقاع الصرفي يتمثل في كون مقاطع كثيرة من القصائد تحقق انسجامها الإيقاعي بتواتر الأفعال وأزمنتها وضمائرها، ويكفي للتمثيل على ذلك ملاحظة حضور هذه الوظيفة الإيقاعية الصرفية في تلويناتها المختلفة كما يلي:

تتدفقين/ تنسابين – تدخلين (ص18)، ويسكب/ فيركب (ص 21) – وترحل/ننسى 22(ص)- نحرق/نخرج (ص24) – يصعد/ يحمل/ ينزف/ ص32و33- أحني / أخجل (ص93) – تورق/ تزهر/ تثمر (ص 101)

ومما يضفيه هذا الإيقاع الصرفي هو تلك التقفية الداخلية التي تزيد الإيقاع بعدا جماليا ونفسيا، ويلجأ الشاعر بين الحين والآخر إلى إيراد بعض الجمل المتجاورة متشاكلةً من حيث بنيتها التركيبية والدلالية، ومنها:

ورغم الألم الزاحف / ورغم الجرح النازف (ص71)

أو من حيث البنية المعجمية بالترادف والترديد، كمثل: نتأبط صمتا/ نتأبط أحلاما (ص104).

إن هذا التماثل الإيقاعي بكل أطيافه وألوانه يوازيه تماثل دلالي ينهض برؤيا الشاعر وهواجسه وعوالمه، هذا إضافة إلى شيوع إيقاع ظاهرتي التكرار والتوازي بشكل مكثف بتنويعاتهما المتعددة، وهما ظاهرتان يحسن أن تخصص لهما دراسة مفردة نظرا لاستفحال حضورهما اللافت بين ثنايا قصائد الديوان. ويجنح الشاعر أيضا إلى توظيف الجمل القصيرة والبسيطة في الغالب، وهذا ما يقربها من جمل البناء الشذري حفاظا على الإيقاع المتأرجح بين الحدة والهدوء وهو يتساوق مع إيقاع الذات بين الفقدان والامتلاء، الواقع والحلم، الكائن والممكن… ومن هنا يظل الإيقاع في النص الشعري المصباحي هو إيقاع النفس في قلقها وتوترها وهي تواجه ألم الذات وألم الواقع وألم الكتابة.

وهو إيقاع متأت من حركة الذات لا من هدير ترديد التفعيلة فقط، لهذا بات ممكنا رصد حركة ذات الشاعر من خلال رصد الحركة الإيقاعية الداخلية باعتبارها وعيا دراميا لعوالم الشاعر المتشظية فوق الورق وإبرازا لمشاعر الفقد والألم والحزن الذي تهجس بهما تجربته الشعرية.

على سبيل الختم:

تبدو هذه مجموعة “حاءات متمردة ” لصديقنا المرحوم الشاعر عبد السلام مصباح تُبئر شعرية الذات بما أنها تقدم نفسها للقارئ صوتا ذاتيا وبوحا أنينا ينبعث من الأعماق ويحلق في الأعالي، وهي لذلك تؤسس فضاء مرتبطا بالطهرانية والسمو والصفاء الإنساني، وشعرية إيقاعية عل اعتبار أن الإيقاع هو الذال الأكبر الباني للشعر كما في منظور هنري ميشونيك، والمجموعة أيضا تقترب من لغة البعد الصوفي، وهوما يجعلها تكرس كتابةً تتأمل ذاتها، وتهتم بالتعبير عن طقوسها وإيقاعاتها، ولا تُخفَى شجرة انتسابها إلى الشعرية الحديثة الشفافة.

 

ناقد من المغرب

 

  [1]عبد السلام مصباح، دار القرويين، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 1999، ص.7-9.

[2] عبد السلام مصباح، دار القرويين، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 1999، ص81.

[3]  المرجع نفسه، ص89

[4]  المرجع نفسه، ص.11-12.

[5] المرجع نفسه، ص88

[6]  [6] المرجع نفسه، ص18.

  [7] المرجع نفسه، ص43.

 [8] المرجع نفسه، صث.43-44.

 [9] المرجع نفسه، ص12.

  [10] المرجع نفسه، صص.20-21-22.

عن madarate

شاهد أيضاً

الجانب المظلم للبطل الحجري (نصوص هايكو) جورج سويد – ترجمة حسني التهامي

نصــــوص من الهايكـــــــــــو ترجمة: حسني التهامي* جورج سويد   نسيمٌ ربيعيٌّ دافئ – كلبُ صيدٍ …

اترك تعليقاً