الرئيسية / ابداعات / وجع المحطات – أيمن الخراط

وجع المحطات – أيمن الخراط

وجع المحطات

أيمن الخراط

 

الميدان كعادته مزدحم، مرهق بالضجيج.. الخطوات دائما بطيئة والعيون صامتة صمت مدينة أثرية قديمة، ساعة الميدان كئيبة مملوءة بالأتربة وشلل العقارب وعيون الفتيات العابرات لامعة مثل مربعات السيراميك المزجج.. وانت أسفل لوحة الانتظار هارب من زمن قديم يطاردك، مصلوب خلف مشربية من عصر المماليك.. شيء فظيع أن تكون غير راض عن نفسك.. نعم النور الشحيح خلف مربعات الأرابيسك لا يكفي.. لابد أن تعلم نفسك كيف تلقى بها في قلب الضوء المواجه.

عسكرى المرور يلتقط شيئا لامعا من الأرض إثر عبور سيارة مخالفة تعبر الميدان فتحمر عيون الواقفين.. وأنت في طريقك المملوء بالشجن نحو المحطة مازلت محاصرا بين عقربي الساعة الكبيرة تحصى عدد الشعيرات البيض التي تناثرت في الشعر والوجه الغير الحليق.. والأوقات الثقيلة بجوار المكتب الأيديال الصدئ وأمام النافذة المجاورة لمنى الصم والبكم.. وأكواب الشاي التي يعدها عامل المكان.. وكم الأوامر وكم التأشيرات.. وصرخات الطفل الليلية وحكايات كل يوم عن مشاكل الأسرة مع أم الأولاد.. وأعداد ضحايا الإرهاب فى نشرات الأخبار المتوالية

الشارع طويل يوشك أن ينتهي والسماء تأبى الا أن تلقى بأول خيوطها مع بداية أيام دجنبر، قرب المحطة كان لابد من اللجوء الى رصيف مبنى قديم جدرانه صفراء مليئة بالشروخ.. للمطر وصوت فيروز القادم من مذياع بائع الكتب القديمة رائحة اشتهاء قديم وللمحطة الواسعة أمام العينين المتعبتين دفء الرماد المحترق (.. سامحينى إذا ما تجرأت على طهر عينيك فأنا أبحث عن نهر يغسلني من كل ذنوب الأيام.. في المساحات البعيدة تهرب عيناها، تشرق فوق حقول عباد الشمس على جانبي الطريق وحين تعود تخبئها في أوردة القلب المرسوم على الورق الشفاف..)

المطر يزداد والشرخ طويل وطلاء الجدران باهت وشيش النافذة قديم من زمن جميل.. وأنت عينان تائهتان من زمن الإنكشارية لم تعلم قلبك غير الحزن ولم تنبض بغير الوجع، لم تغير فيك السنين غير لون الشعر وايقاع الخطوات.

كان الأفق ينبئ بمزيد من السحابات الممطرة وسندريلا الطب مازالت تخرج من شرايين القلب المجوع لتضعك أمام الحقيقة المؤلمة (.. أنت عنيدة.. وانت متردد.. أنا نبت هذه الأيام المرة التي جعلت منى أجبن مخلوق على وجه الأرض. في صمت وأسى تهز رأسها فتهتز دمعتان وغمازتان وخصلتان من الشعر المسافر في بحر الليل..)

مع ازدياد المطر وازدياد مساحة الوجع كان لابد من المجازفة وعبور المسافة الباقية والا ندفع الى أول أتوبيس يدخل المحطة.. لكن دون رغبة في سؤال الكمسرى أو السائق الى أين يتجه.

 

قاص من مصر

 

عن madarate

شاهد أيضاً

صدور رواية في استنطاق المكان بعنون: “نفى مردوخ” للكاتب عبدالحسين بريسم

  عن دار “وتريات” للنشر والتوزيع، صدرت للكاتب والشاعر العراقي عبد الحسين بريسم رواية جديدة …

اترك تعليقاً