الروائي والقاص السيد نجم، في حديثه عن أدب المقاومة “أدب المقاومة، أدب الحياة، وليس أدب المناسبات”

حاوره: عـادل عطيـة
السيد نجم، قصاص مُخضرم، وروائي عتيق في العقد الثامن من عمره، تخصص في الطب البيطري، ثم ألحق به الآداب والفلسفة. دأب على نشر عشرات لمجموعات القصصية والروايات منذ الثمانينيات، وركزعلى جربته في أدب الحرب، ثم الكتابة للأطفال والأشبال. قدم من خلال كل ذلك مادة غنية شهية تغري طلاب الدراسات العليا بالبحث منذ روايته الشهيرة “أيام يوسف المنسى، لكنه بالرغم من كل ذلك، يعطيك انطباعاً بأنه من “مظاليم الأدب”، إذ لم يقفز إلى الصفوف الأولى، ربما لعزوفه ن المنافسة الشرسة، واكتفائه بما قسم له من جوائز وتكريمات محلية! التقيت به، وقلت له بلهجة مصرية شعبية: أهلاً يا نجم!
وكان هذا الحوار!

- كطبيب بين الأدباء، وأديب بين الأطباء، هل الأدب إبداعي أم نفعي؟
دراستي الطب البيطرى بدت الوسيلة المناسبة لمواجهة متطلبات الحياة التقليدية، أو بلغة أخرى هى البديل عن اقتحام عالم الأدب المجهول. وفى الستينيات من القرن الماضي غلبت ممارسة المهن والحرف على الشعراء والروائيين، وﺇن مارس البعض مهنة الصحافة للارتزاق.
- مهنة الطب البيطري، من أصعب المهن الطبية؛ فالحيوان لا يستطيع التعبير عن مناطق آلامه، وبالتالي صعوبة التشخيص… فهل وضحت لنا كيف يكتشف الطبيب علة الحيوان، لكي يعالجها؟
التكوين البيولوجى للكائن الحي، هو الخط المشترك بين الطب البشري والبيطري. وهذا الفهم البيولوجي وسيلة الطبيب البيطرى لفحص وتشخيص وعلاج الحالات المرضية فى الحيوان، ولتقريب الصورة أن الخصاص التنفسية، مثلاً، تتميز بعدد من الخصائص مثل سرعة التنفس وسهولته، ووجود افرازات حول الأنف من عدمه، وطبيعة ولون تلك اﻹفرازات. ومن هذه الخصائص يمكن تشخيص الحالة المرضية من عدمه.
- لاحظت أنك لا تضع حرف الدال قبل اسمك على أعمالك الأدبية، فهل من تفسير؟!
يرتبط حرف الدال بظنى بمن حصل على درجة الدكتوراة فى أي تخصص ولا أحد غيره، والشائع معى هو أسمي مجردا مع الأعمال الأدبية ولا داع لوضعها، أما أيام ممارسة العمل قبل الستين سنة كنت أكتبها على كل حال فى كل المكاتبات الوظيفية.

- هل أثرت دراستك للفلسفة في تكوين إبداعاتك؟
للفلسفة دورها فى المعرفة الفكرية والتنظيرية لجوهر وبناء الفكر اﻹنسانى. وقد مررت معها بتجربة الرغبة في الانتحار بعد قراءة بعض الكتب الفلسفية على غير فهم ولا أساس علمى، لذلك أرى أهمية معرفة من يرغب القراءة فى الفلسفة أن يقرأها حسب المنهج التاريخى. ومن المناسب اﻹشارة الى أننى طوال سنوات دراسة الفلسفة لم أكتب سوي قصتين قصيرتين. وأظن أن السبب يرجع لطبيعة التفكير الفلسفى القائم على التحليل، بينما التفكير الابداعى السردى قائم عل التركيب أو الوصل بين شتات الظواهر والأفكار.
- ما هي الرؤية التي تريد أن توصلها للقارئ؟
بعد حوالي 50 سنة من نشر أول قصة لى بمجلة روزاليوسف، ونشر 8 مجموعات قصصية، و13رواية، فضلا عن كتابات أدب الطفل (23كتابا)، ودراسات فى أدب المقاومة (8 كتابا) وغيره، أؤكد أننى مارست الأدب من باب رؤية نقدية والرغبة في الإصلاح أو الرؤية الطموحة لما هو أفضل للجماعة التي أعيش بينها.

- ما هي الصور الدالة والمؤثرة في الأدب عامة؟
علمتنى التجربة التى عشتها، أننا نعيش قسوة الحياة حتى أثناء ممارسة الحياة اليومية، وقد لا ننتبه إلى تلك القسوة، بل وقد نظن أننا نعيش الجانب الطبيعى والممكن من الحياة، حتى يجىء صاحب قلم وقلب متفاعل وعقل ناقد ليكتب قصيدة أو قصة أو مقال. فننتبه أننا نعيش القسوة، كما نعيش المظالم وربما بعض نبضات من الحب بمعناه الخاص والعام دون أن ندرى. وهنا تتعدد الصور في الأدب بتعدد وجهات النظر، وزاوية رؤية صاحب القلم.
- حدثنا عن الحداثة والقدم، وأثر في الإبداع؟
لقد انتبهنا فى العالم العربى لما يعرف بالحداثة والقدم مع آواخر القرن الـ 19 وبدايات القرن الـ 20ـ وهي الفترة التى بدأت فيها البلدان العربية التواصل مع البلدان الغربية فى أوروبا ـ على تناقض الحياة اليومية ومجمل أفكار الجماعتين. ولعل أبرز صور الفكر القديم قبل الاحتكاك بالغرب فى العالم الاسلامى والعربى هو هيمنة فكرة الله والقوة العليا، والتى عاشتها النظم السياسية من خلال شيخ القبيلة والدول مجتمعة فى خلافة ثم جماعات أصغر لدولة مملوكية أو عثمانية وهكذا… بينما بدت صور الحداثة متمردة على تلك التجمعات وإعطاء الكيانات الأصغر خصوصية وكانت فكرة الدول، بل وفكرة اﻹنسان الفرد الحر الذي يشكل بنيان كامل وحده!
ولا شك أن هذا الفهم التصورى انعكس على اﻹبداع، مثلما تلاحظ مع شعراء الجاهلية حيث ذاب الفرد فى كيان الجماعة أو القبيلة، بينما وضحت الرؤية الأسطورية ونشأت الدراما فى بلاد الاغريق وغيره. فيما قدمت الحداثة صورة لمحاولة اﻹنسان وصراعه من أجل التحرر، بل وهناك المذاهب الفلسفية التى تمجد الفردية.
- كنت جندياً على الجبهة بمدينة السويس، وقد عشت الانتصار وشاركت فيه، فهل أثر ذلك باهتمامك المعروف بأدب المقاومة، وهل تراهن على استمراريته؟
خوض هذه التجربة، جعلني أهتم بهذا النوع من الأدب. وأدب المقاومة يبدأ مع لحظة انتباه صاحب القلم بالورطة التى يعيشها، سوى على المستوى الشخصى (المدير الظالم) أو المستوى العام (العدو المتربص). وهو أدب الحياة وليس أدب مناسبات، ويلزم فهم أن المقاومة سلبية وايجابية، وليس بالضرورة أن تكون كلها حروب. وهنا أرى ان أدب المقاومة مناسب فى كل الاوقات وأمام كل تحديات الحياة.
- ما هو تقييمك لما يسمى بالإبداع الرقمي، أو الأدب الافتراضي؟
بداية أرفض النظرة المتعالية على ابداع ما، فاﻹبداع الرقمى محاولة بشرية وليدة ولا ندرى ﺇلى أين؟ لكننا على ثقة أن الذهنية البشرية الطموحة تسعى لتزكية مهاراتها. ولذلك شاركت فى تأسيس اتحاد كتاب الانترنت العرب عام 2005م لمواكبة تلك القفزة البشرية فى عالمنا العربى.
- ما هو تأثير الانترنت على الأدب العربي؟
لا شك أن الانترنت طغى وفاض علينا صغيرا وكبيرا، للجد أو للعب، للتواصل وغيره. هو العطاء المتميز من العقل البشرى مؤخرا، وقد دخل فى المهام العملية للوظائف والابداعات مثل فنون السينما وغيره، وفى التواصل الانسانى. وقد حاول البعض من الأدباء اقتفاء أثره وتوظيف خصائصه فى بعض الأعمال اﻹبداعية من خلال الشكل والمضمون أيضا، انظر إلى رواج القصة الفيسبوكية والقصة الومضة وهي أشكال لم تعرفها القريحة العربية من قبل.
- البعض يقول: ان الانترنت جعل من الشهرة والانتشار قرينة بالنشاط والإلمام التقني، وليس الإنجاز الإبداعي، حتى راجت اسماء بلا إنتاج جاد، أو على الأقل يتناسب مع رواج الاسم، فهل من تفسير؟
لقد نجح الرئيس الامريكى أوباما بفضل توظيف الانترنت فى الانتخابات لأول مرة فى التاريخ، فليس بمستغرب أن ينال البعض الشهرة والشيوع عن غير حق بفضل الانترنت!
أما عن الرواج والشهرة بصرف النظر عن جودة اﻹبداع، فهى ظاهرة قديمة جديدة، ولا حيلة لنا ولا عزاء الا القول إن البقاء للافضل دوما، وهذا ما سجلته كتب النقد الأدبية.
- كيف وُلدت فكرة سلسلة الكتاب الفضي التي ستصدر عن نادي القصة المصري، ولماذا فضي وليس ذهبي؟
سلسلة “الكتاب الفضى” بدأت عام 1957م على يد يوسف السباعى واحسان عبد القدوس، ضمن نشاط نادى القصة الذي أنشىء قبل ذلك بسنوات برياسة د. طه حسين. فالسلسلة عريقة عراقة نادى القصة وهو أول ناد للقصة فى العالم العربى.
حدث أن تعثرت السلسلة لأسباب مالية، أما وقد تعثر النادى نفسه وتم طردنا من المقر التاريخى بحكم المحكمة، فنحاول الآن ﺇعادة ترميم ما تهدم، بعد عودة مجلة القصة والكتاب الفضى فضلا عن الندوات والمسابقات وغيره.
أما لماذا ليس بالكتاب الذهبى، لأن مؤسسة روزاليوسف كانت تنشر سلسلة الكتاب الذهبى فى تلك الفترة!

مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي


