جسدي جرح يقاوم

إسماعيل محمد فال هموني*
1
لم يبق من توتري سوى ما طفا على ماء المستحيل؛ أشاكس المدى؛ وظل النخيل بسعف السؤال ومواقيد الجرح في الموال.
ما يكون الفجر الذي يفلق الكون كل يوم؛ إن لم يكن شبيه السؤال؟ دمي أصرفه عني؛ وأدحرج صخرتي على أعتاب الأبد؛ لا أخاف أن ينكأ جرحي؛ فقد أطبقت كلمات تقيم في الأفق على أستار الظلمات.
يا أشيائي التي تطوف العالم وتلامس الغيم في كف مسافرة؛ متى استدارت زهرة في الحناء ورقصت نحلة؛ على أفنان السر؛ كانت بالجوار ؟ لا أعرف سوى أن البحر يتوسد موجه وينتعل الحياة نشوة نقية تتأجج في أعشاش اللغة لا الظن يوسوس لي؛ ولا بياض الفراغ يذيب سمرتي.
فاتحت جسدي؛ وأدركت أن لليقين مثولا خفيفا في نبض المجاز؛ وأن أجراس الخيال تستضيفني حين تغمرني نسمات الخيال..
إليك أفتح أوصال الأرض تمائم؛ وأنشئ للنسرين محرابا؛ منارة للرقص؛ وعيدا للفيروز على أوشام الأرض جدي استواء أفق مفتوح على الهبوب العاري؛ لا أنام سوى على وسائد الحنين.
دكتور تخصص البلاغة والتواصل، مفتش ممتاز لمادة اللغة العربية جهة كلميم واد نون – المغرب كاتب وشاعر، من مؤلفاته: ندوب الضلال، تخيل بابل، إشراقات، رسائل الحب، هذا أنا (نصوص).
من أول المقاومة هددت دروبي بالاحتماء بالحدس؛ وملأت موجي برحابة الاطمئنان؛ كأن صعودي وحيدا في تاريخ العطر ؛ هبوطي؛ أشتاتا؛ في عين الفراغ.
لن تصدأ دروبي من صداي؛ وإن جابت المهامه تعالي وأفراس مداي؛ فقد أسلمت جرحي إلى مدائن الفرح واطمأنت صبواتي الذاتي ….
2
أسير في صباحي مستقلا عن جسدي أعرف مسالك الطريق؛ بابا بابا؛ أنظر إلى الشمس وأعلم أن القصيدة تتوارى خلف الضباب.
يقودني شرودي إلى محبتها؛ رأيتها نائمة مستلقية شبه عارية.
لم أشأ أن تستيقظ ذاهلة؛ غطيتها بغيمة؛ وتمت على التل مرت بقربي الأشجار سرعة تمشي على رؤوس الأصابع ؛ غطتني بظلها؛ ومالت بي إلى كوخ صغير.
لم تسرع الشمس فالبحر مازال يحدق في العابرين؛ ويهيئ الرمل للعبور.
لا أحفظ الدندنات؛ كلمت نفسي في نومي فهمس لي النهر أني مازالت على كتفه؛ هو من يحملني إلى سر قريب من دالية شبه عارية.
طال بنا السير؛ حتى عادت إلينا الطيور جذلى بالرقص؛ كأنها ورود على أرض لا حرف المطر.
طريق لم أستطع الكلام، ونايت الإشارة في عرف المقام؛ سميت أشيائي يقينا؛ وكلماتي عطر الطريق.
تكلست اللغة؛ ومشينا نشد على حروف من ضوء.
مشى الحب من دمه؛ وليس اللهاث مفرداته الباقية في جعبة السهو.
كل يعرفنا لغرابتنا وغرابتنا حراك خارج اللغة كأنه ليل تنكره الكلمات.
مشيت لدقائق متبقيات من أمسي ورفعت غدي من إفلاس عنيد؛ وجئت بوقت بصير.
أربكت الريح، وزلزلت فكرة السكون وتشرد الاطمئنان في عربه؛ ثم سألت الطريق أن يتسع أكثر.
لم ألتفت خلفي كان أمامي خلفي أراه في تماه عميق.
تخليت عن ليلي؛ ولبست الطريق وناصرت الأرض للمطالبة بحقوق الديمومة.
خاتني اللغة؛ وتبدد المجاز فراشات منتحرة؛ وتخيلت الريح سيفا أقايض به نهاية السير.
لم أتذكر أن الطير سبقتني إلى معطن الماء؛ شربت واستحمت وتركت من ريشها ما حازته من سبق.
على الرمل خطت الغزالة صورة لي وافترشت روحها وزوجتني عيونها وباعتني على فرو أيل كان سيد القبيلة.
لم أنس ما قالته لي الغزالة: انتبه لليل؛ واحذر سجوفه المخاتلة.
ولا تنس سيرة الضوء في قفا الماء”.
كأنها تمدني بآخر الطلقات على خوفي؛ وتقتلع عنب فتاة من دواخلي.
تذكر رصاص الصياد؛ تقول لي؛ في جوف الليل؛ فقد ترشدك خطاك عكس ما تريد؛ فاحذر ضياع الخطو بين موعد فائت؛ وخيال مفتوح على الزحام.
على الجسر عبرت ظلالنا؛ وغرقنا في الغناء؛ تجمع حولنا الرعاة؛ وجيء بالغيم مرشدا لنا؛ على عرشه استوى الناي؛ وفتح ثقوبه للريح؛ حتى هاجت فتوة النهار.
3
ما زلت مبللا بعطر الأرض؛ وعلى وجهي نداوة الفجر؛ خرجت أبحث عن ماء بددني في كل الطرقات؛ صرت كالمعاني تعرفني كل الجهات.
أحنو على ظلي؛ وأسهو في خلوتي عن تلاسن المجاز وجرح المسافات.
لم يسعفني الماء في رفع أوزار الشرح عن تمرين الخيال؛ فقد نسيت أن أروض العطش على منطق الاحتمالات؛ وأن أدع التحريض الهمس الجمرات.
لم أكن أدرك أن ضراوة المعلوم أقسى من حطام المجهول في كثير من المفردات.
لم أكن وحيدا أبدا؛ فقد رافقني إخوتي كي أكون فاكهة غيابات الجب؛ وما زج بيكيدهم؛ ولا رأيت منهم أنياب إخوة يوسف؛ فقد مشينا؛ سويا؛ على عتباب الماء حتى أدركني الشرود؛ وتخلوا عني في مجاهل الريح.
ولم يغادرني عطر الأرض قط؛ كان لي صراطا؛ وشارفت أول الاجتراح حتى رأيت جرحي سرير الماء.
جرحي؛ هذا الذي أسلمت فيئه لإخوتي وسرت أمحص ضوء الطرقات على إيقاع سبحة أبي؛ ثم أرفع عن الأرض تعبها الرحيب؛ كأني أصابع فجر تفصص غيم الشوق حتى يشقق منه العطر فواحا.
أصابعي على مفترق الضوء؛ لا تحجب نوره عن الوجود؛ تتيح للماء أن يغير ظنه؛ كي يلج الكلام ما تدثر في نبيذ الجمرات.
وتولى يهدهد الغيم بأنامله حتى يشرب العطر من دبيب الشغف.
ناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي