فصل من رواية
الخفاش رحلة قروي من السبحة إلى اللحية ( الجزء التاسع)
المصطفى اسدور*
مُولوعْ حكايةُ جُرحٍ مغروز في الذاكرة لا يندملُ، وهي على ما هي عليه، تعرف الله، وتعرف كيف تعبده، لا تصلي كما تصلي نساءُ الدُّوَّارْ “نْهارْ الفْقِيرَاتْ”، فلها طريقتها الخاصة في الصلاة؛ تقعد القرفصاء، تضع أمامها كومة صغيرة من الحجارة، ثم تبدأ في العَدِّ والصلاة:
- ݣْدَيْرْتي كْسِيكِيسِي، ݣْدَيْرْتِي كْسِيكِيسِي، ݣْدَيْرْتِي كْسِيكِيسِي، ݣْدَيْرْتي كْسِيكِيسِي.
هذه صلاتها، القِدْرُ والكَسْكَاسُ، وأي صلاة تلك التي تُتلى فيها “آية” القِدْرْ وآية الكسكاسْ؟، وفي أي كتاب من الكتب السماوية أُنزلت هذه الآيات ݣْدَيْرْتي كْسِيكِيسِي؟. مُولوعْ حين تُصلي بآيات الجوعِ تلك، تقوم بعدِّ وردها، فكانت تضع كدسا صغيرا من الحجارة على يسارها، وكلما تلت آية، نقلت قطعة حجارة من الكدس إلى يمينها، إلى أن تنهي صلاتها. وحين تسألها بعض النساء عن هذه الصلاة، وعن الحجارة، يأتي جوابها مُفحما مستفزَّا:
- الصْلَا يابْنَيْتي لِّي ما تْعَمَّرْ ݣْدَيْرْتي أو كْسِيكِيسِي، هاديكْ مَاشي صْلا، هاديكْ غيرْ التْكَهّينْ .
طَامُو التي رحلت مبكرا قبل مُولوعْ، هي شقيقتها الكبرى، وللأمانة نقول نصف شقيقة، تشترك معها في الأم فقط، وربما لهذا السبب تُرِكَتْ مُولوعْ لشأنها تُجاذِبها الهموم والمآسي، إلى أن أضحت على ما هي عليه من هرطقة وجنون. وحين تسأل بعض مُعَمِّري الدوار وكبار السن عن أصل مُولوع، لا يترددون في القول:
- مُولُوعْ مِنْ إيتْ الدْلَيْوْ.

وهي عائلة كبيرة تقطن في وسط الدوار، ولها حكايات دامية مع العْبِيدْ حول ملكية بعض الأراضي. الغريب في الأمر أن مُولوعْ – قبل أن تُصاب بالخَرَف وفساد العقل بفعل تقدمها في العمر- كانت دائما تقف في صف العبِيدْ كلما طُلبت منها الشهادة، ولم يفهم أهل الدُّوَّارْ هذا الموقف بالنظر إلى علاقتها بعائلة إيتْ ادْلَيْوْ بحسب ما يشاع، كانت مولوع تردد أمام النساء:
- اجْنَانْ من نَهارْ حلِّينَا عَيْنينا، لْݣِينا الناسْ يْݣُولُو جْنانْ إيتْ الرَّامي (كبير العبيد)، أو الدْنيَّا باتْ يَا بْنَيْتي أو لَاخْرَة بَاتْ.
تصمت، تستقرأ الأوجاع، وخُصومات من سبق، تُدَوِّر عينيها الغائرتين، تمسح بهما طولا وعرضا من يُخاطبها:
- أُو شْحَالْ ݣَاعْ بَايْنُوبْنا مَنْها (الدنيا)؟ شْبَرْ أو رْبْعَة اصْبَاعْ.
ترفع كفها اليمنى، تُباعدُ بين الإبهام والخنصر لتحدد بهما مسافة الشِّبرِ، وتطوي إبهام كفها اليسرى، وتبقي اصابعها الأربعة مضمومة، تقربهما من وجه السائلة مرددةً:
- شْبَرْ أو رْبَعْ صْباعْ.
حين ترفع مُولوعْ ذراعيها وقد تدلى الجلد منهما، تبدوان كأغصان زيتون يابسة تَفَسَّخ لِحَاؤها، وقد كستهمَا العروق الزرقاء والتجاعيد، وإن أمعن الناظرُ فيهمَا النظَرَ، تراءت له أودية سوس وروافده الجافة، التي هجرها الماء وأسماكْ الشَّابلْ، والخصب والحياة، صورة قاسية مؤلمة، تعكسها تجاعيد مُولُوعْ، هي كُنَّاشُ حياة وكُنَّاشَةُ وَجَعٍ، قد طوَتْ كل لحظات الحزن والفرح، اليأس والأمل، الحلم والإحباط؛ حياة مفعمة بالرغبة في الحياة، تنتهي إلى ما يشبه الأخاديد المحفورة في جبال الأطلس الصغير، تشهد على أن نعيما كان هنا، وأن خصبا كان هنا، وأن تلك الخدودُ وتلك الجذوع المجوفة المتناثر على جنباتها حتى لا نقول ضفافها، شاهدة على ذلك النعيم، الذي باغتته الآفات والمصائب والقحط والجفاف، ونوائب الدهر.
كبورة تحتفظ ببعض شذرات من تلك الأيام، التي تلت سنوات القحط، وهطلت فيها الأمطار أكثر مما تفعل في السنوات الأخرى، فاضت الأنهار والأودية، وجرفت معها أجزاءً كثيرة من بعض القرى، ولا تزال آثار أسس البنايات المُنْجَرفة قائمة على أعقابها، وتتذكر الأيام التي كانت فيها “مُولُوعْ” امرأة بكمالها وجمالها، قبل أن تتحول إلى ما يشبه “تَاغُنْجَا” التي يتقرب بها البسطاء من الله، لينزل عليهم ماءً مباركا من السَّماء، تقول كبُّورَة في سردية الوجع:
حين يئس أهل الدوار من عودتها إلى صوابها وعقلها، أهملوها، وتركوها عرضة للأطفال. في بداية الأمر، كان الكبار والأمهات ينهرون الأطفال، ويمنعونهم من الاعتداء عليها، لكن مع الوقت تعب الكبار ولم يتعب الصغار.
وحدهُ حَمِيدْ، ومنذ طفولته كان يدُودُ عنها، ويتعارك مع الأطفال المتنمرين ويطرحهم أرضا، فنشأت بينهما علاقة من نوع ما؛ كبُر حميدْ، وتقدمت مُولوعْ في السن وساءت حالتها العقلية، فصارت ترمي الحجارة على كل من يناديها بمُولوعْ، إلا حميد؛ لا أحد من أهل الدوار يفهم تلك العلاقة بينهما، حينما يأتيها بقطعة خبز أو فضلة طعام، كانت تُمسكه من ذراعه، وتُدخله إلى خربتها، فتبدأ بالتحدث، ولا تتوقف عن الكلام. وبقدر ما يقتضيه الوقتُ لتتناول قطعة الخبز تلك، يبقى حميد إلى جانبها، يسايرها في الكلام، ويجيبها على أسئلتها الغريبة التي لا علاقة لها بالواقع ولا بالدوَّارْ.
بعض الخبثاء من أهل القرية، ممن يناصبونه النفُور لكثرة تفلسفه، كانوا يختلقون حكايات عن علاقة حميمية بين حميد ومُولوع الشَّارفة الهَاتْرَة للنيل منه، كانت بعض تلك القصص تصل حميد الفيلسُوفْ كما يناديه أقرانه، يمتعض، يحرك رأسه يمينا ويسارا، ويستغرب لهذه الحثالة من البشر كما يسميهم، وكيف بهم يعاملون هذه العجوز بهذا القدر من القسوة والجفاء، كيف يطعنون في شرفها، صحيح أنها مصابة بالخرف، لكن من يعرف مُولوع في شبابها، وما تحكيه النساء في مجالسهن، وكيف كانت تواجه من تسول له نفسه الحديث معها في علاقات من هذا النوع، كان يومه أسودًا أغبرًا من سولت له نفسه أمرا كهذا.
استمرت مُولوعْ على هذا الحال، واستمرت نساء الدوار في الحديث عنها بمناسبة وغير مناسبة، يتناقلن تلك العبارات التي ترددها، لكن الذي كان يُجبر الجميع على الاستماع اليها هو حديثها الغريب والمُخيف عن أهوال يوم القيامة.
وكأنها قرأت قراطيس الأولين، وكأنهُ أوحي إليها من ربها، إلهُ الݣْدَيْرة والكْسِيكيسْ بتلك الأخبار، أو كأن شخصا ما يلقنها ما تقول، كانت تحكي كثيرا عن يوم الحشر، وتخص النساء بعذابات لا تخطر على بال بشر، ثم تروم آكلي أموال اليتامى، وتصف ما ينتظرهم من عذاب وأهوال تُذهل المرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها من شد الفزع.
بدأت هذه الحالة على شكل هلوسات تنتابها بين الفينة والأخرى، تماما كما حدث مع البَّيْشَة الشَّوَّافة في أيامها الأولى، حيث كانت تصاب بنوع من الصرع، ثم تغيب لتعود إلى وعيها وقد تغير صوتها واتخذ أشكالا غريبة، مُولُوعْ لم تصب بالصرع، لكنها تُصاب بنوع من الخذر يعتريها فجأة، أحيانا تصاب بقشعريرة يشعر بها من حولها، تنكمش وتربع ذراعيها على صدرها كمن يستدفئ من البرد القارس، تستمر تلك القشعريرة لفترة من الوقت، قبل أن تسرح في عالم الذكرى، تسرد حكاياتها الطفولية، وتكشف بعض أسرارها الصغيرة، ومغامراتها الصبيانية، ثم تعرج على حكاية والدها الذي جرفه السيل في رواية، وَسقط من على ظهر حمارته وشُجَّ رأسه في رواية أخرى، ليستفرد ابن عمه وَلْدْ المَحْفُوظْ بما ترك من أرزاق وأولاد، وكيف تزوج ذلك الجِلْفِ -هكذا تسمي بنْ المحْفُوظْ- بأمها، وحرمها من حقها في نَاعُورْة الوادْ(حقل في الوادي)، تصمت، تلتفت، تُدَوِّر عينيها بحثا عن شخص ما، وحين تتأكد أنها لوحدها، أو مع من تأمنه أسرارها الصغيرة:
- واحْدْ النهارْ دِّيتْ دُوكْ نْعَيْجاتْ لِّي خلَّى المرحومْ، دِّيتْهُم جَنْبْ الوَادْ بَاشْ يْوَرْدُو فالسَّاݣية الكبيرة، كانْتْ الوَقْتْ ݣَايْلَة، النَّفْسْ مَݣُطوعَة فالوَادْ، أُو مَا عْرفتْ ياخَيْتي مْنِينْ طْلَعْ ليَّا كِي الجنْ الكْحَلْ.
تشرئب أسماع النساء لسماع القصة، وتسأل بعضها عن هذا الجَّنْ الكْحَلْ، ماذا يريد، ومن هو؟
- ويلي تَّانْتِي، شْكُونْ مَنْ غِيرُو، دَاكْ المجْحُومْ، مَا ݣَدَّتُّو النَّاعُورَة أو مُولَاتْهَا، بَايْدُوزْ ليَّا حْتَّانا.
ولد المحفوظ رجل صلف طماع بخيل، كانت تجمعه بابن عمه والدُ أم العِيدْ علاقة عمومة وخصومة ونفور، يُذكر أن مُولُوعْ هي بِكْرُ أبيها، أسماها أم العيد لأنها ولدت يوم عيد الأضحى، ومُولوعْ هو اسم تصغير للتحبب إليها في الصغر، لكنه رافقها في ما تبقى من أيامها، حملا معا كل الأوجاع، وسافرا معًا.
يُقال أن وَلْدْ المَحْفُوظْ تحايل على أمها، وعدها وعودا كثيرة، فتزوجها و”كَتَبَتْ” له نصيبها في الأرض، بعدها راود مُولُوعْ، ووعدها بالزواج هي الأخرى بعد أن يُطلق أمَّها، استهجنت مولوعْ وتمنعت، فسلك معها ولد المحفوظ مسلك الإكراه والإرغام والمساومة، لكنها ظلت على موقفها، فبعُدت بينهما الشقة واشتد الجفاء ونشأت العداوة بعدها، إلى أن قرر طردها من البيت، ويقال أنها هي من اختارت العيش في “دَارْ الحُفْرة” كما تسميها، كل ما تبقى لها من والدها، وهي الدَّار القديمة التي بناه جدها، وتحولت بعد أن جادت السماء وفاضت الأرض بخيراتها، إلى زريبة تبيت فيها الأغنام وبعض رؤوس البقر؛ فاعتزلت فيها مولوع. في البداية كانت تقضي النهار كله مع أمها تساعدها وتقوم بأعمال البيت، وفي نهاية اليوم، وقبل أن يعود غريمها وابن عمها وَلدْ المَحفوظْ، تعود هي إلى الدَّار لتقضيَّ فيها ليلها وحيدة مع أحزانها وهمومها، ثم شيئا فشيئا بدأت تقضي معظم وقتها وحيدة، وتغير الوضع فصارت الأم هي من تقوم بزيارتها بعدَ أنْ “”ݣَطْعَتْ ارْجَلْهَا” إلى أن وافاها الأجل المحتوم، ورحلت بهمومها وغصتها عن هذا العالم، ومنذ رحيلها رحلت مُولُوعْ الإنسانة التي ملأت حياة والديها مرحا وفرحا، لتحل محلها “مُولوعْ الهَاتْرَة” وقد هَتَرَها الْكِبَرُ، وأَفْقَدَهَا عَقْلَها وَصَيَّرَها خَرِفَةً.
الحقيقة أن أُمَّ العيدْ المعروفة بمُولُوعْ، لم تكن يوما حمقاء ولا ناقصة عقل، ولم يصبها الجنون، ولا أي شيء، فقط ولأن هذا المجتمع يقف دائما مع القوي، ويستخف بالضعيف، يهضمه حقه، ويحرمه من حقه في الدفاع عن حقه، انهارت تلك الفتاة، ولم تقوَ على تحمل حجم الظلم الذي تعرضت له بعد رحيل والدها الهَاشْمي. وصَبَّتْ جامَّ غضبها على هذا الرجل الذي حرمها من ميراث أبيها، نعم هي مجرد “نَاعُورَة” صغيرة لا تتجاوز مساحتها خدَّام أو خدَّامين، لكنها كل شيء، كل ما تملكه وكل ما كان يملكه والدها، كانت تشتم رائحته في عبق التراب، تغرف غرفة منه، تدنيها من خياشيمها، وتسرح بعيدا مع الذكرى والوجع.
حينما تراه متوجها إلى الجَّامع لصلاة العصر، تحاصره باللعن والشتيمة، ووابل من الدعوات المُدمرة:
- يا ولدْ الحْرامْ يا واكَلْ تاعْ ليتَامى، يالظالم الكافرْ بالله، آشْ بَيْتْ تْݣُولْ لْسِيدِي رْبِّي إلَا مْشِيتْ للجَّامْعْ؟ بِتْݣول لِيه رَاكْ دِّيتْ النَّاعُورَة دْيَالْ ابَّا، أو “مُولُوعْ” مَا تْسَالْ وَالُو ياكْ؟ ݣُولْ، ݣُولْ لِيهْ رَاكْ تْعَصَّبْتْ عْلَى وَلْدْ عَمَّكْ حِيتْ مَا عْطاهْ الله ادْرَارِي؟ يَاكْ، هَادْشِّي لِّي تْݣُولْ لْدُوكْ الظَّالِمِينْ بْحَالكْ(…)
ولد المحفوظ تعامل باستخفاف في بداية الأمر مع هستيريا مُولوعْ، وكان يضحك ويسخر وأحيانا يجيبها على بعض كلامها، لكن إصرارها وتشبتها بحقها، وترصدها له كلما هم بالخروج الى حقله أو إلى الجَّامع، جعله يغير الكثير من حركاته ويختار أوقاتا تكون فيها مُولوعْ غائبة، بدأ يغادر البيت في الفجر، وأحيانا يدركه نداء الصلاة في حقله، وقد أنزل عدته عن ظهر الحمارة. قضى بعض الوقت في أمان، ولما علمت بأمره، بدأت تكمنُ له عند عودته، وبنفس الموال تُجَابهه، إلى أن ضجر منها، فاهتدى إلى فكرة شيطانية، وبدأ يحرض الأطفال عليها، مقابل بعض “الفَانيدْ” أو قطعة نقدية. من وقتها تحولت حياة مُولوع إلى جحيم، ولم تعد تستطيع اعتراض طريقه لأن الأطفال يحاصرونها ويشدونها من ملابسها أحيانا وسط صيحات وضحك المارة. بعض النساء لا تُسَولُها نفسها السكوت على هذا المشهد، فتعمل على صرف الأطفال، وتُدخلها إلى بيتها، تُطيب خاطرَها ببضع كلمات، وتُؤَمِّنُ على دعواتها، وأحيانا تشاركها في الدعاء على وَلْدْ المحفوظْ:
– الله يْوَكُلوُ اجْحَمْ، اللهْ يْنَزْلُو فَرْكَابِيهْ، بْجَاه رْبِّي أو سِيدي مُوسَى الحَمْرِي.
روائي من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي