الرئيسية / الأعداد / مفهوم تصنيف العلوم في تراثنا الفلسفي (المقاربة الإبستمولوجية للتعريف بالعلوم لدى أبي نصر الفرابي نموذجا) (الجزء الأول) – عبد الله الطني

مفهوم تصنيف العلوم في تراثنا الفلسفي (المقاربة الإبستمولوجية للتعريف بالعلوم لدى أبي نصر الفرابي نموذجا) (الجزء الأول) – عبد الله الطني

مفاهيم وأسماء

مفهوم تصنيف العلوم في تراثنا الفلسفي (المقاربة الإبستمولوجية للتعريف بالعلوم لدى أبي نصر الفرابي نموذجا) (الجزء الأول)

عبد الله الطني *

1- الإطار العام لمفهوم تصنيف العلوم لدى الفارابي

المفهوم الذي أزفه إليكم اليوم هو مفهوم إبستمولوجي، وأقصد به مفهوم العلوم وتصنيفها وترتيبها؛ أما الاسم الذي جلَّى وبنى هذا المفهوم فلم يكن سوى المؤسس الأول لهذه الصناعة في تراثنا الفلسفي، وهو أبو نصر الفرابي (870م- 950م)  الملقب بأبي نصر (المعلم الثاني) بعد أرسطو (المعلم الأول). وفيلسوف السعادة بامتياز ونستحضره ها هنا رائداً للفلسفة العربية الإسلامية، وبالذات لفلسفة العلوم والمعارف في دلالتها الإبستمولوجية المبكرة. والحديث عن الفارابي هو في العمق حديث عن صانع الجهاز المفاهيمي لتلك الفلسفة[1]، وفيلسوف المسلمين بالحقيقة[2]، وأفْهَمُ فلاسفة الإسلام وأذكرهم للعلوم القديمة[3]، والذي لم يكن فيهم من بلغ رتبته في فنون حتى قيل عنه بأنه الفيلسوف فيها لا غير[4]، وأنه الفيلسوف الذي مات وهو مدرك[5]، حتى وصفت منزلته في تاريخ الفلسفة بأنها المنزلة الثانية بعد منزلة المعلم الأول أرسطو، حيث لقب بالمعلم الثاني، وتألق فكره إلى أن وُصف بأنه فكر حي خليق بأعظم الاهتمام، وأعمق العطف وأشد الانجذاب[6]، وطَال باعُه إلى أن وُسِمَ بالمؤسس الحقيقي للدراسات الفلسفية في العالم الإسلامي […] والذي أقام صرحها ووضع الأسس لكل فروعها[7]، ووضع أصولها ومبادئها[8]. ونظرا لهذا كله “وجب أن يعظم فيه الاعتقاد […]، إذ يكاد أن يكون الفيلسوف الذي نقلت كتبه إلى العديد من اللغات، قديمها وحديثها، مثل العبرية، والتركية، والفارسية، والإسبانية، والإنجليزية، وقد بلغ عدد ما تُرْجِم من مؤلفاته إلى هذه اللغات حوالي خمسة وستين كتابا، ولم يسبق لفيلسوف عربي أنْ نُقلت مؤلفاته إلى كُل هذه اللغات”[9].

وهو المعروف بغزارة وتنوع منجزاته التي يصل عددها حوالي مائتي كتابا ورسالة، موزعة بين المنطق وعلم اللسان وفلسفة اللغة وعلم الطبيعة بكل فروعه، وما بعد الطبيعة بكل مستوياتها، وعلم الفلك والسياسة المدنية بكل مراقيها، وعلم الأخلاق، والموسيقى تنظيرا وتطبيقا، والشعر، وعلوم الأحياء، وغيرها من المجالات، فضلا عن العديد من كتبه التي لازالت مخطوطة في أهم المَكْتبات العربية والعالمية.[10]

أما فيما يتعلق بريادة أبي نَصْر الفارابي لفلسفة المعارف والعلوم في تراثنا العربي الإسلامي، بل وتراث الإنسانية ككل فلا يمكن فهم حجمها ودلالاتها إلا في إطار سياقها العام والخاص. فعلى المستوى العام يمكن القول إن مسألة إحصاء العلوم و تصنيفها و الكشف عن العلاقة فيما بينها كانت و لا تزال من الانشغالات المتميزة في تاريخ الفكر الإنساني، و اتخذت دلالات متعددة و متنوعة بتعدد وتنوع دوافعها و خلفياتها و سياقاتها المعرفية و الثقافية، منذ أن كانت تلك العلوم المتداخلة في كيان “الفلسفة / الحكمة” إلى مرحلة استقلالها عنها، و عن بعضها البعض، بالموازاة مع تطورها و نزوعها أكثر  فأكثر نحو التخصص و التدقيق، ورغم هذا الاستقلال فقد ظلت موضوع تأمل ومساءلة من طرف الفلسفة عبر منظار “الابستمولوجيا”، بمعناه الشمولي.

لكننا، على المستوى الخاص، إذا نحن ركزنا على عملية إحصاء وتصنيف العلوم في تراثنا العربي الإسلامي، فإننا سنجدها مطبوعة بالتنوع في المقاربة، وبالشمولية من حيث تصورها لمفهوم “العلم” الذي يتسع ليشمل التجربة المعرفية للإنسان في شتى مجالاتها واهتماماتها، أي لكل المعارف التي تحركها أسئلة الوجود والمعرفة والتواصل والقيم الاجتماعية والسياسية والدينية والأخلاقية والجمالية. وباختصار كل ما يدخل في التدبير النظري للكينونة البشرية، وتفسير خصوصيتها التعبيرية والثقافية والعقائدية، انطلاقا من مرجعيتين أساسيتين: مرجعية المنظور الفلسفي اليوناني لمفهوم العلم، ومرجعية المنظور الديني الإسلامي للكون، وما أفرزه من علوم ومعارف مؤطرة لذلك المنظور.

وعموما يمكن التمييز بين نمطين من إحصاء وتصنيف العلوم والمعارف بهذا المعنى، في تراثنا العربي الإسلامي الوسطوي:

  • نمط تَأْريخي وصفي يقوم على الجرد الإحصائي الببليوغرافي للمعارف والعلوم، مقرونة بأسماء المؤلفات التي انتظمت ضمها، وكذا أسماء مؤلفيها، ويمثله كل من ابن النديم[11]، وابن أبي أصيبعة[12]، والقفطي [13]،وصاعد الأندلسي[14]، والبيهقي[15]، ومن حدا حدوهم.
  • نمط ابستمولوجي تجريدي، يقوم على تصنيف العلوم وترتيبها مجردة من أسماء المؤلفات والمؤلفين؛ ويمكن التمييز في اطاره بين أربع محطات:_ محطة ما قبل-فارابية، يمثلها كل من جابر بن حيان وأبو إسحاق الكندي، محطة الفارابي، محطة الخوارزمي، ومحطة ابن خلدون.

وتعتبر محطة أبي نصر الفارابي المحطة الأساس في هذه الدارسة، وأيضا في تاريخ اهتمام تراثنا بإحصاء العلوم وتصنيفها ورصد مفاهيمها وقضاياها، لاسيما وهي محطة تُطَوِّرُ ما قبلها وتؤسس لما بعدها.

في هذا الإطار لا يمكن إنكار أهمية المحطة السابقة على المعلم الثاني، من حيث التأسيس التاريخي للاهتمام بالفكر العلمي في الثقافة العربية الإسلامية، بحيث تعتبر “رسالة في الحدود”[16] التي أشاد بها “بول كراوس” ضمن “المختار في رسائل جابر بن حيان”[17]، و صرح بأهميتها مؤلفُها نفسه قائلا: “إن منزلة هذا الكتاب من الشرف كمنزلة العلوم التي اختصت بها هذه الكتب” [18]، و أضاف في سياق آخر متحدثا عن رصيده في الاهتمام بتلك العلوم: “اِعلم أن لنا كتبا في الحدود، ذوات أفانين و متصرفات متباينة بحسب طبقات العلوم التي قصد بها قصدها، و أم بها نحوها”[19] لدى الجهة التي تحصل تلك العلوم[20]. ومن جهة أخرى تعتبر رسالة الكندي “في حدود الأشياء ورسومها”، من الإبداعات الأولى في قائمة الاهتمامات بالمعرفة العلمية القديمة، كما وردت عبر الترجمات المتعددة في عصره؛ وهي رسالة ثَمّنَ قيمتها في هذا المجال العديد من المهتمين بتاريخ العلوم في الثقافة العربية الإسلامية، سواء منهم القدماء[21] أو المحدثون أمثال عبد الهادي أبو ريدة[22]، وأحمد فؤاد الأهواني[23]، ومصطفى عبد الرزاق[24]، وعبد الأمير الأعسم[25]، وجماعة المركز الوطني للبحث العلمي (CNRS) بفرنسا[26]، وأنطوان سيف[27]، وجعفر آل ياسين[28]

غير أن هذه المحطة السابقة على أبي نصر الفارابي، رغم اهتمام أصحابها بالمصطلحات والمفاهيم العلمية، فإنها ظلت دون الاهتمام بمراتبها وعلاقاتها فيما بينها، ودون مقاربتها وفق تصور واضح يحدد أسس ومنطلقات إحصائها ومعايير تصنيفها، سواء لدى جابر بن حيان أو الكندي.

أما المحطتان اللاحقتان عن محطة الفارابي، و أقصد بهما محطة الخوارزمي صاحب كتاب “مفاتيح العلوم” [29]، و ابن سينا صاحب كتاب “الشفاء” [30]، وإخوان الصفا[31]، و ابن رشد[32]، و محطة عبد الرحمان ابن خلدون [33]، فقد تراوح فيهما اهتمام هؤلاء بين الاعتماد على إنتاجات أبي نصر الفارابي في هذا المجال، مع الاختزال أو التوسع، كما هو الشأن بالنسبة للمرحلتين السابقتين على بن خلدون، أو اعتماد التركيب كما هو الشأن بالنسبة لهذا الأخير، في باب من مقدمته بعنوان ” في العلوم و أصنافها و التعليم و طرقه و سائر وجوهه و ما يعرض في ذلك كله من الأحوال”[34]، بناء على منطلقات أربع، أولها تعليمي مفاده ” أن الفهم و التعليم طبيعي في العمران” و ثانيها صناعي أساسه ” أن التعلم للعلم من جملة الصنائع”، و ثالثها عمراني حضاري قاعدته “أن العلوم إنما تكثر حيث يكثر العمران و تعظم الحضارة”، و رابعها تركيبي يصنفها صنفين، أولهما عقلي طبيعي للإنسان يهتدي إليه بفكره (العلوم)، و ثانيهما نقلي يأخذه عن واضعه ( العلوم المستندة الى الخبر والواضع الشرعي). غير ان اللافت للنظر في تصنيف ابن خلدون هو أنه يعتبر علم اللسان علما شرعيا؛ ويشمل علوم أخرى لم ترد في تصنيف الفارابي، مثل علم الطب وعلم الفلاحة.

إذا كان الأمر كذلك، فما هي خصوصيات ومنطلقات المقاربة الإبستمولوجية الفارابية لمعجم المعارف والعلوم.

في البداية لا بد من التوقف عند خصوصيات ومنطلقات المقاربة الفارابية لمعجم المعارف السائدة في زمن أبي نصر، في علاقة مع العلوم الإغريقية  الوافدة إلى رحم الثقافة العربية الإسلامية عبر الترجمات، سواء منها المؤسسية، مثل بيت الحكمة، الذي أمر بإنشائه هارون الرشيد، مستثمرا ومطورا في ذلك التراكم الحاصل في مجال العناية بالثقافة والعلوم من طرف الخليفة أبو جعفر المنصور، والذي سيتم توسيعه على يد الخليفة المامون، إلى أن أصبح مؤسسة أو معهدا دوليا تدرس فيه العديد من العلوم مثل الطب وعلم الفلك بكل فروعها العددية والهندسية والعلوم الإنسانية مثل التاريخ والجغرافيا والآداب بكل تفرعاتها[35]، وهي مؤسسة سيمتد إشعاعها عبر مراحل تاريخية لاحقه من ثقافتنا العربية الإسلامية[36]

في هذا الإطار يمكن اعتبار الفارابي اول من قدم معجما “ابستمولوجيا”، عرف من خلاله ب “العلوم الحكمية”، و بمجموعة من العلوم المتعالقة معها تداوليا، و بشكل منظم و مؤسس، انطلاقا من معايير محددة و واضحة، بالمقارنة  مع محاولة الكندي، و التي كانت ناقصة و لم تتجاوز التصنيف التقليدي الموروث عن ارسطو، فالكندي لا يذكر من العلوم سوى العلم الطبيعي، و العلم  الرياضي في وسط الترتيب، و علم الربوبية، و تحت العلم الرياضي لم يصنف سوى العدد و الهندسة و التنجيم، أما المنطق فلم يتطرق إليه باعتباره علما بل باعتباره مجرد أداة للعلوم، تابعا في ذلك أرسطو[37].

قبل الدخول في تفاصيل تعريف أبي نصر بكل علم من العلوم التي تضمنها تصنيفه، نود التطرق الى خصوصيات ذلك التصنيف وإبراز الأسس المنهجية، والاعتبارات المضمونية التي قام عليها، والأهداف المتوخاة من إنجازه لهذا المعجم، بحيث يمكن التمييز معه على الأقل بين ثلاثة أنواع من تصنيف العلوم وترتيبها: ـ أولها تعليمي ـ ثانيها تقليدي ـ وثالثها تركيبي.

فالترتيب التعليمي يجيب عن أسئلة أساسية من قبيل: من أين يجب أن يبدأ متعلم الفلسفة والعلوم التي تتضمنها؟ وإلى أين ينتهي؟ وما هي المحطات العلمية التي يجب ان تتدرج سيرتهُ المعرفية عبرها؟

وهو ترتيب من الضروري، تعليميا، أن يتحدد كلُّ عِلْم فيه بسابقه، ويتأسس   عليه لاحقه، وقد أشار الفارابي إلى أهمية هذا النوع من الترتيب في أماكن متعددة من متنه الفلسفي، ونورد مثالا على ذلك، من رسالته التعليمية الطريفة المسماة فيما ينبغي ان يُقَدّم قبل تَعَلُّم الفلسفة، هذه الرسالة التي صاغ فيها عددا من المقدمات التوجيهية الضرورية لكل من يريد الشروع في تعلم الفلسفة، يتعلق بعضها بمعرفة الغاية من تعلمها، وهي غاية مزدوجة تجمع بين غايتين، إحداهما معرفية والأخرى سلوكية. و بعضها يتعلق بالمنهج الملائم لهذا التعليم، و بعضها يرتبط بإدراك الطابع الإشكالي لعملية التفلسف و علة “الغموض” في التعليم الفلسفي بحكم طابعه “الأرستقراطي”، إذ لا يستطيع الوصول الى الفلسفة إلا من يستحقها ممن يصبر على “ترويض الفكر بالتعب في الطلب” [38]، و بعضها يتعلق بضرورة استيعاب تاريخ الفلسفة و الإحاطة بمختلف اتجاهاته و رواده، و التركيز على النموذج الأبرز في هذا التاريخ، و يقصد به أرسطو بالنسبة للمرحلة السابقة عليه، و أخيرا معرفة مسالك التدرج في تعلم العلوم الحكمية، و هنا يستعرض الفارابي ويناقش مجموعة من وجهات النظر المرتبطة بالموضوع، حيث يميز بين موقف أفلاطون القائل بضرورة الابتداء بعلم الهندسة، نظرا لوثاقة براهينه، وموقف “اتوفرسطس” القائل بضرورة الابتداء بعلم الأخلاق، لأن صحة السلوك شرط أساسي لمقتضيات الحكمة، و موقف “بواتيس” القائل بضرورة الابتداء بعلم “طبائع الأشياء” أي بعلم الطبيعة، و موقف “رونيقوس” تلميذ أرسطو بضرورة الابتداء بالمنطق لأنه الآلة التي يمتحن بها الحق من الباطل في جميع الأشياء … و ينتهي إلى أن الابتداء بأي علم من هذه العلوم وحده لا يكفي، لذلك ينبغي، حسب أبي نصر، أن تكون كل هذه العلوم مراحل متكاملة لولوج عقد الفلسفة أم العلوم، فالرياضيات والمنطق يسددان العقل لبلوغ الفضيلة، و علم الطبيعة، باعتباره علم العلل المباشرة للموجودات الطبيعية، يسدد الإنسان لمعرفة تلك العلل على مستوى أنواعها و تراتبها.

أما الترتيب التقليدي: فهو الترتيب الأرسطي المشهور لعلوم الحكمة الذي سار على منواله الكندي وبعده ابن رشد وهو تصنيف لخصه الفارابي في كتابه “فلسفة ارسطوطاليس وأجزاء فلسفته ومراتب أجزائها، والموضع الذي منه ابتدأ وإليه انتهى”[39]، وهو كتاب، حسب صاحب “طبقات الأمم”، من كتبه الهامة ” يشهد له بالبراعة في صناعة الفلسفة والتحقق بفنون الحكمة. وهو أكبر عون على تعلم طريق النظر وتعرف وجه الطلب، اطلع فيه على أسرار العلوم وثمارها علما، ثم بين كيفية التدرج من بعضها إلى بعض […] فلا أعلم كتابا أجدى على طلب الفلسفة منه، فإنه يعرف بالمعاني المشتركة لجميع العلوم والمعاني المختصة بعلم علم منها”[40]، وقد تدرج في تصنيفه هذا لعلوم أرسطو من علم المنطق بكل أجرائه الى علم الرياضيات بكل فروعه، إلى علم الطبيعة وعلم ما بعد الطبيعة، فالعلم المدني أو “الفلسفة الإنسانية”. وهو تصنيف ردده في مؤلفات له عديدة، انطلاقا من مداخل ومقدمات مختلفة باختلاف سياقاتها. فقد ردده في كتاب تحصيل السعادة انطلاقا من نظريته في تصنيف الفضائل التي ينال بها الإنسان السعادة. ويقصد بها الفضائل الأربعة: الفضيلة النظرية والفضيلة الفكرية، والفضيلة الخلقية والفضيلة العملية. وكل فضيلة من هذه تُنال بضرب من العلوم[41]؛ كما ردده في رسالة له تحمل عنوان: “المدخل”[42]، وفي رسالة أخرى لديه معروفة ب “التوطئة”[43]، لكن انطلاقا من معيارين أحدهما منطقي قياسي، والآخر ابستمولوجي خطابي. فبمقتضى المعيار الأول تكون العلوم أو الصنائع إما صنائع قياسية (أي تقوم على مقتضيات القياس المنطقي)، أو صنائع غير قياسية (أي لا تقوم عليه بشكل جوهري). والصنائع القياسية التي تستعمل القياس في حالة نضجها واكتمالها تنقسم إلى خمسة أقسام متراتبة بحسب تراتبها في كمال استخدام القياس، وهي: الفلسفة، صناعة الجدل، صناعة السفسطة، صناعة الخَطابة، صناعة الشعر[44].

و بمقتضى المعيار الثاني فقد تم تصنيف هذه العلوم انطلاقا من أن كلا منها يشكل نوعا من أنواع المخاطبات: فالفلسفة “مخاطبة برهانية” هدفها تعليم الحق و بيانه بما من شأنه أن يوقع “العلم اليقين بالشيء” [45]، و صناعة الجدل “مخاطبة جدلية” ، “يلتمس بها مغالبة المُخَاطَبْ بالأشياء المعروفة المشهورة[46]، و صناعة السفسطة “مُخاطَبة سوفسطائية” يقصد بها مغالبة المخاطب “وتمويهه و تَوْهِيمُهُ، و هي تستهدف المغالبة شأنها في ذلك المخاطبة الجدلية، إلا أنها مغالبة مظنونة؛ لذلك سميت بالحكمة المموهة المظنون بها أنها حكمة من غير  أن تكون كذلك”[47]، و هذا بيّنُ من اسمها، يقول الفارابي، و هو اسم مركب من كلمتين: “سوفيا” التي تعني الحكمة و “أسطس” وتعني التمويه”[48]، و “صناعة الخطابة” مخاطبة خطابية غرضها “اقناع السامع بما يسكن نفسه إليه سكونا من غير أن يبلغ اليقين” في حين تستضمر صناعة الشعر “مخاطبة شعرية” تقوم على المحاكاة و التخييل بالقول[49].

وإذ عدنا إلى صناعة الفلسفة، فإننا سنجد الفارابي، ضمن هذا التصنيف، يقسمها هي الأخرى الى أربعة أقسام أو علوم وهي: علم التعاليم، والعلم الطبيعي، والعلم الإلهي، والعلم المدني أو “الفلسفة الإنسانية” أو “الفلسفة العملية” [50]، مع لفته الانتباه إلى أنه رغم أن بعض أجزاء الصنائع غير القياسية هذه قد “تحتاج في استنباطها إلى قياس”[51]، فهي غير قياسية، لأن استخدام القياس فيها أمر عرضي.

أما التصنيف التركيبي للعلوم، فهو الذي أنجزه الفارابي وفق نظرة أكثر شمولية. وسميناه تركيبيا لأنه يجمع بين العلوم بمعناها الأرسطي التقليدي، ويجعل بدايتها ونهايتها مختلفة؛ بحيث أضاف إلى هذا التصنيف ثلاثة علوم اعتبرها مرجعية ونموذجية بالنسبة للثقافة العربية الإسلامية، ولها علاقة ما بالعلوم الحكمية المذكورة، وهي: علم اللغة باعتباره اساساً لكل تلك العلوم، وعلما الفقه والكلام، أولهما مكلف باستنباط قوعد الأحكام العملية للشريعة، وثانيهما مكلف بالدفاع عن ثوابتها العقائدية؛ وذلك في إطار تصوره للعلاقة المعرفية والتاريخية بين هذه العلوم.

لقد خصص الفارابي لهذا التصنيف التركيبي كتابا أصيلا و متميزا من كتبه المشهورة وهو كتاب “إحصاء العلوم”، الذي وُصف بأنه “طريف في بابه”[52]، وبابه طبعا هو إحصاء العلوم، وحصر دلالتها ومضامينها، وبيان الأهمية التعليمية لكل منها، كما سبق أن وصفه القدماء بأنه “كتاب شريف […] لم يسبَق إليه، و لا ذهب أحد مذهبه فيه، و لا يستغني طلاب العلوم كلها عن الاهتداء به و تقديم النظر فيه”[53]، و دليل أهميته ومكانته هذه، أنه قد ترجم في القرون الوسطى إلى اللاتينية والعبرية مرات عديدة، وفي العصر الحاضر إلى أهم لغات العالم[54]، وهناك من وصفه بأنه دائرة معارف. ويمكن أن نذكر من بين هؤلاء “ستينشنايدر”[55]، وديتريشي[56]، والبستاني[57]، وفريد وجدي[58]، ومصطفى عبد الرازق[59]، وقد أثار انتباهنا تساؤل محقق كتاب “الإحصاء” عن طبيعة هذا العمل الذي أنجزه أبو نصر الفارابي: هل هو تصنيف مؤسس للعلوم، أم أنه مجرد جرد وإحصاء لها؟ ويحسم في إجابته عن هذا التساؤل بقوله “إن الفارابي لم يقصد ان يكون الإحصاء بحثا في ترتيب العلوم وتصنيفها […] ولم يرد أن يتعرض لمذهبه هو في تصنيف العلوم”[60]، رغم أنه تراجع ليربط بين هذا الإحصاء ونظريته العامة في تقسيم العلوم، لكن الذي فات الدكتور عثمان أمين هو ان الفارابي لم يكن في ذلك منسجما مع نظريته العامة في تقسيم العلوم فحسب، وإنما، وفوق ذلك، كان منسجما مع نظريته الأعم حول نشأة هذه العلوم والمعارف وفق ترتيب تاريخي ومعرفي وثقافي محدد، كما سنعود إلى ذلك بالتوضيح في آخر هذه الدراسة.

فلماذا صنفنا هذا الكتاب إذن بأنه معجم للعلوم؟ وما المقصود بهذه العلوم؟

إنه معجم للعلوم لأنه يقوم أولا على منهج واضح لإحصائها، ولأنه يقدم ثانيا تعريفا لها انطلاقا من تحديد مضمونها، وحصر فروعها، وإبراز علاقة بعضها ببعض، وتوضيح أهدافها، وفوائدها، من خلال كل ذلك فهو يقدم قائمة محددة لها، ومعرفة بها، وقواعد للتمييز والمقارنة بينها منهجا وموضوعا، ومن ثمة فهو معجم، ما دام يتوخى بيان وتوضيح مادته رفعا لكل لبس أو خلط قد يقع للمهتمين بمعاني العلوم، لا سيما وهي جديدة في الوسط الثقافي العربي الإسلامي، وحتى المعروف منها يقدمه انطلاقا من معايير جديدة.

وهذا أمر بين من مقدمة إحصائه التي حدد فيها بوضوح قصده من إنجاز عمله هذا، ويتلخص في كونه أولا: إحصاءاً للعلوم المشهورة علما علما. وثانيا في إحاطته بأجزاء كل ما له منها أجزاء[61].

اما عن فوائد هذا المعجم فهي كثيرة بالنسبة إليه ومن أهمها: ـ إقدار المهتم على إدراك دلالة هذا العلم أو ذاك من العلوم التي يري الإقدام على تعلمها، ومعرفة الفائدة التي تنال منها، وتمكينه بمعايير دقيقة للمقايسة فيما بينها حتى يستطيع ترتيبها حسب

درجة نفعها وإتقانها ووثاقتها ورتبتها العلمية، وإكسابه القدرة على التمييز النقدي لمدى جدية أو تمويه الذي يدعي معرفة هذا العلم أو ذاك، وهل معرفته كلية أم جزئية؟[62].

[1] عبد الله الطني، الولادة الثانية، صناعة المفهوم في فلسفة الفارابي في عالم الكتب الحديث للنشر والتوزيع، الأردن، 2019.

[2] صاعد الأندلسي، طبقات الأمم، تحقيق لويس اشيخو، المطبعة الكاتوليكية، بيروت،1912، الصفحة 38.

[3]إبن سبعين، بد العارفين، نشرة جورج كتورة، دار الأندلس، طبعة واحد،1978، الصفحة 143.

[4] ابن سبعين،بد العرفين ، المرجع نفسه.

[5] ابن سبعين المرجع نفسه.

[6] روجيه ارنالديز، ما بعد الطبيعة والسياسة في تفكير الفارابي، ترجمة كروم فاضل، ضمن مجلة المورد، المجلد الرابع1975، الصفحة 42.

[7] سليم طه التكريتي، الحكم الصالح في نظر الفارابي، منشور ضمن مجلة المورد، المرجع السابق، الصفحة96/97.

[8] إبراهيم مذكور، دوربي في الفلسفة الإسلامية، مطبعة لجنة التألقة والتّرجمة والنشر، القاهرة1940، الصفحة 20، ووردت نفس الشهادة أيضا لدى ديتريشي في مقدمته لرسائل الفارابي، طبعة ليدن 1890، الصفحة 3.

[9] حسين محفوظ، مؤلفات الفارابي، مطبعة الأديب البغدادية، بغداد 1975 الصفحة 369/472.

[10] حسين محفوظ، في جرده لمؤلفات الفارابي، المرجع نفسه.

[11] ابن المديم (محمد بن إسحاق): الفهرست، نشرة دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت 1978.

[12] ابن أبي أصيبعة: عيون الانباء في طبقات الأطباء، تحقيق د/ نزار رضا، طبعة دار مكتبة الحياة: بيروت 1965.

[13] القفطي (جمال الدين علي): اخبار العلماء بأخبار الحكماء، تحقيق البرت لبسيك، مطبعة السعادة، القاهرة1903.

[14]  صاعد الأندلسي: طبقات الأمم، نشرة لويس شيخو، المطبعة الكاتوليكية، يروت سنة 1912.

[15]  البيهقي ( ظهير الدين): تاريخ حكماء الإسلام، تحقيق محمد كرد علي، مطبعة الترقي، دمشق 1946.

[16]  جابر بن حيان: رسالة في الحدود، تحقيق ونشر عبد الأمير الأعسم، ضمن كتابه “المصطلح الفلسفي عند العرب”، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1989.

[17]  P, Kraus : Ibn Hayan, Essai sur l’histoire des idees scientifiques dans l’islame, vol, 1, Textes choisis, Paris-cair 1935 ,p97.

[18]  جابر بن حيان: رسالة في الحدود، تحقيق ونشر عبد الأمير الأعسم، نفسه ص 164.

[19]  جابر بن حيان: رسالة في لحدود، نفسه، ص 170.

[20]  يقول زكي نجيب محمود بهذا الصدد: إنه” (جابر بن حيان) ينظر الى كل علم من زاويتين: تعريف العلم منظورا إليه من ناحية الطريقة التي يعلم بها، وتعريف آخر للعلم نفسه منظورا إليه من حيث هو علم قائم بذاته، سواء وُجد من يعلمه أو لم يوجد. وبعبارة أخرى ان التعريف الأول لكل علم هو تعريف له في علاقته بالإنسان الذي يحصله، والثاني تعريف للعلم المعين في حدوده الموضوعية المستقلة عن الإنسان”: من كتابه جابر بن حيان، سلسة أعلام العرب، العدد الثالث، دار مصر للطباعة والنشر – القاهرة 1961، ص90.

[21]  أمثال ابن النديم: الفهرست، مرجع سبق ذكره ص 365-366-367، وابن أبي أصيبعة: عيون الأنباء في طبقات الأطباء، مرجع سبق ذكره ص 185 وما بعدها، وابن القفطي: تاريخ الحكماء، مرجع سبق ذكره ص 386-372.

[22]  عبد الهادي أبو ريدة: رسائل الكندي الفلسفية، دار الفكر الغربي القاهرة، ط1، 1950ص21.

[23]  احمد فؤاد الاهواني: كتاب الكندي الى المعتصم بالله في الفلسفة الأولى، القاهرة، دارإحياء الكتب العربية 1948ص35.

[24]  مصطفى عبد الرزاق: خمسة اعلام في الفكر الإسلامي، دار الكتاب العربي، بدون تاريخ، ص 30.

[25]  عبد الأمير الأعسم: المصطلح الفلسفي، عند العربي، مرجع سبق ذكره ص37.

[26] Al Kindi : Cinq Epitres, Edit, du Centre National de la Recherche Scientifique, histoire des sciences et de la philosophie arabe, Paris 1976

[27]  أنطوان آل ياسين: فيلسوفان رائدان، الكندي والفارابي، دار الأندلس، بيروت ط1.

[28]  جعفر آل ياسين: فيلسوفان رائدان، الكندي والفارابي، دار الاندلس، بيروت ط1 1958، ص21.

[29]  وهو كتاب أشاد بقيمته لويس غارديه وقنواتي في: “فلسفة الفكر الديني بين الإسلام والمسيحية” ترجمة الدكتور صبحي الصالح والدكتور فريد جير – دار العلم للملايين – بيروت الجزء الأول ص 192 – 197 – 198.

[30]  والامر يتعلق برسالته في اقسام العلوم ضمن كتبه “الشفاء”، تحقيق الاب جورج قنواتي وسعيد زايد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1975.

[31]  رسائل اخوان الصفا وخلان الوفا، نشرة الدراسات الإسلامية للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت ط1، 1996.

[32]  اهتمام ابن رشد بالعلوم وتصنيفها وترتيبها بين في مختلف جوامعه وتلاخيصه وشروح الكبرى لكتب العلم الارسطي (جمال الدين العلوي: المتن الرشدي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء 1986).

[33] عبد الرحمان ابن خلدون، المقدمة، تقديم ودراسة أحمد الزعبي، دار الأرقم بن أبي الأرقم للطباعة والنشر، بيروت، 2001.

[34] إبن خلدون، المقدمة، نفسه، ص 474.

[35] عبد الله الطني، أطروحات فارابية من أجل تربية جامعية على القيم الفلسفية، دراسة منشورة بمجلة الأزمنة الحديثة، عدد مزدوج 19/20،

2021 ، ص 227.

[36] حيدر قاسم التميمي، بيت الحكمة العباسي، ودوره في ظهور مراكز الحكمة في العالم الإسلامي، الأردن، الطبعة الأولى 2011.

[37]  عن محمد أبو ريان في بحث له بعنوان “تصنيف العلوم بين الفارابي ابن خلدون، منشور بمجلة عالم المعرفة، عدد ابريل مايو – يونيو 1987، ص 99.

[38]  _ الفارابي، فيما ينبغي أن يقدم قبل تعلم الفلسفة، طبعة ديتريشي ضمن مجموع الثمرة المرضية في الرسائل الفارابية، ليدن 1980، ص 52.

[39]  الفارابي: فلسفة ارسطاطاليس وأجزاء فلسفته، ومراتب أجزائها، والموضع الذي منه ابتدا وإليه انتهى، تحقيق د. محسن مهدي، نشرة دار مجلة اشعر بيروت 1961.

[40] صاعد الاندلسي، طبقات الأمم، نشرة الآب لويس شيخو – بيروت 1912، ص:53-54.

[41] الفارابي: كتاب تحصيل السعادة، حققه وقدم له وعلق عليه د جعفر آل ياسين – نشرة دار الاندلس – بيروت ط 1 1981، ص 49 وما بعدها.

[42] الفارابي: في تفسير المدخل، تحقيق وتقديم د عمار الطالبي، منشور ضمن ” نصوص فلسفية ” الهيئة المصرية العامة للكتاب 1976، من ص :79 الى ص: 98.

[43] أبو نصر الفارابي: التوطئة، حققه وقدم له وعلق عليه د رفيق العجم، ضمن “المنطق عند الفارابي” الجزء الأول، دار المشرق، بيروت 1985.

[44] الفارابي: التوطئة، المصدر نفسه، ص: 56.

[45] الفارابي: التوطئة، نفسه، ص: 57.

[46] _ الفارابي: التوطئة، نفسه، ص: 57.

[47] _ الفارابي: التوطئة، نفسه، ص: 57.

[48]  _ الفارابي: التوطئة، نفسه، ص: 57.

[49]  _ الفارابي: التوطئة، نفسه، ص: 57.

[50]  _ الفارابي: التوطئة، نفسه، ص: 59.

[51]  _ الفارابي: التوطئة، نفسه، ص: 57.

[52]  _ د عثمان امين في مقدمة تحقيقه كتاب إحصاء العلوم للفارابي، مكتبة الأنجلو المصرية القاهرة، ط 3، 1968، ص:6.

[53]  _ صاعد الاندلس، طبقات الأمم، نشرة لويس شيخو، المطبعة الكاتولكية، بيروت سنة 1912،ص:53.

[54]  _ د عثمان أمين، في مقدمة تحقيقه لإحصاء العلوم للفارابي، مصدر سبق ذكره، ص:8.

[55]  _Steinshneider ،Al farabi, st petersbourg,1869,P38

[56]  _ ديتريشي: الثمرة المرضية في بعض الرسائل الفارابية ط ليون 1980،ص22.

[57]  _ البستاني: دائرة معارف، بيروت 1880، ص:501-503.

[58]  _ فريد وجدي: دائرة المعارف القرن العشرين، القاهرة 1924، ص:109.

[59]  _ د- مصطفى عبد الرازق: الفارابي فيلسوف العرب والمعلم الثاني، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، 1945، ص :72.

[60] _ د عثمان أمين، في مقدمة تحقيقه لإحصاء العلوم للفارابي، مصدر سبق ذكره، ص:72.

 

[61] _ الفارابي: كتاب إحصاء العلوم ، حققه وقدم له وعلق عليه لدكتور عثمان أمين ، مكتبة الأنجلو المصرية القاهرة، ط 3، 1968، ص:53.

[62]  _ الفارابي: كتاب ” إحصاء العلوم” مصدر سبق ذكره، ص: 53.

 

عن madarate

شاهد أيضاً

صدور رواية في استنطاق المكان بعنون: “نفى مردوخ” للكاتب عبدالحسين بريسم

  عن دار “وتريات” للنشر والتوزيع، صدرت للكاتب والشاعر العراقي عبد الحسين بريسم رواية جديدة …

اترك تعليقاً