الرئيسية / الأعداد / قراءات في خصائص بنية الهايكو (الجزء الثالث) – توفيق أبوخميس

قراءات في خصائص بنية الهايكو (الجزء الثالث) – توفيق أبوخميس

إضاءات على الهايكـــــــــــو

قراءات في خصائص بنية الهايكو (الجزء الثالث)

توفيق أبوخميس*

“إن الشعر صناعة، وضرب من النسج، وجنس من التصوير.”

-الجاحظ

 

سواء ولد الشعر من رحم المسرح، أو ولد المسرح من رحم الشعر، فالعلاقة بينهما علاقة قديمة راسخة ووطيدة حتى إنّ قراءة الشاعر في الأمسية الشعرية هي شكل من أشكال المسرح، فذلك الشاعر الذي يقف أمام جمهوره ويلقي نظم قصيدته إلقاءً خاصّاً تتباين فيه طبقات الصّوت مع حركة اليدين، وتبديلاً لملامح الوجه أثناء الإلقاء بما يتناسب مع مفردات نسج أبياته الشعرية، إنّما هي شيء من عمل أداء تمثيلي مسرحي يقوم به هذا الشاعر.
تعتبر خاصية المشهدية أحدى أهم الخصائص الملتصقة بقصيدة الهايكو، حيث أصبحت المشهدية مرتكزاً ومحوراً أساسياً لكتابة الهايكو، وهو سعي ومنظور صحيح حيث أن هذا المفهوم يعتبر كأوّل إطار بنيوي يحكم تجنيس قصيدة الهايكو ويمنحها الشرط اللازم لأن تكون ذلك.
ولكن علينا أن نعي بأن هناك خصوصية محددة لمفهوم المشهدية في نص الهايكو فهي مشهدية ذات صفات خاصة وشروط يمليها الجذر الفلسفي الذي صدر عنه شعر الهايكو منذ نشأته ..
من المعروف عند الدارسين والباحثين في شؤون الشعر بأن الصورة المشهدية والصورة البلاغية والصورة المباشرة والصورة المركبة هي من قضايا قصيدة النثر التي اعتنى بها النقاد منذ فترة طويلة، حيث اعتبروا أن أي كتابة نثرية شعرية تخلو من أساليب عرض الصورة هذه تُسقط عن هذه الكتابة النثرية صفة الشعرية وفي كتب نقد قصيدة النثر مدلولات كثيرة وبحوث تطرقت إلى هذه القضية بكل إسهاب وتوضيح
وعلى هذا لنا أن نتساءل ما هي تلك المشهدية التي يجب توافرها في نص الهايكو بالذات، وما هي تلك الخصائص المطلوبة فيها.. وبأي الأساليب تمتاز .. ؟!

فالمشهدية أو التصوير الشعري هو الإسم الذي يُطلق على العناصر الموجودة في القصيدة والتي تُثير الحواس، ورغم أن كلمة “صورة” مرادفة لكلمة “رسم”، إلا أن الصورة لا تقتصر فقط على الجانب البصري، إذ يمكن لأي من الحواس الخمس (السمع، والبصر، واللمس، والتذوق، والشم) أن تكون ضمن تفاعل ما يكتبه الشاعر.
ولما لعنصر المشهدية من الأهمية القصوى في نص الهايكو سيكون لنا مع هذا الموضوع وقفة طويلة نتبين فيها عن علاقته بالشعر قديماً وحديثاً وذلك للوصول إلى القدر الأكبر من الفائدة المرجوة لتستدل به الأقلام الأدبية العربية الواعدة والتي تشق طريقها إلى فضاءات الهايكو خاصة.

ففي تتبع تاريخي لنشأة الهايكو نجد أن الشاعر (تشيكي ماسوكا)هو أول من صرّح بطلاقة ووضع حجر أساس المشهدية في الهايكو وجعل منها جوهر شعرية الهايكو وأساسه الذي لا يمكن أن يمس أو أن يتم استبعاده وسنلاحظ في قابل الأيام أن النقض مس جميع أركان الهايكو ولكنه لم يستطع أحد أن ينقض قضية المشهدية بل ركز عليها ومكنها لتصبح روح الهايكو وبدونها لا يكون تجنيس النص بهايكو.

ولوعدنا لجذور التمثيل والتصوير فهي موجودة في الشعر وضاربة منذ القدم، فالصورة الشعرية والتخييل هما الأساس الذي قامت وارتكزت عليه المشهدية الشعرية، وكذلك إهتمام المدارس الشعرية الحديثة بكافة اتجاهاتها بالصورة وتشكيلها، وسبغها بالرؤية الفنية لهذه المدرسة أو تلك، فمثلا الرومانسيون ارتكزوا في تشكيل صورهم الشعرية على التشخيص والأنسنة (إضفاء صفات إنسانية على عناصر الطبيعة) حيث أعتبروا الطبيعة مصدر النقاء والفطرة، أما الرمزيون فقد اتجهوا إلى خلق طابع رمزي على الصورة الشعرية، وجاء الشعراء التصويرون في إنجلترا وأمريكا في منتصف العقد الثاني من القرن العشرين الماضي، ونعتوا أنفسهم بهذا الإسم نظراً لاهتمامهم بالصورة الشعرية التي تتميز بالوضوح وبقدرتها على الإيحاء بصور مرئية تفيض بالحياة، أما أتباع المدرسة السريالية (السرياليون) فقد انتهجوا طريق الغرابة على الصورة الشعرية، والتباعد بين طرفيها عن المألوف للعقل والحواس.

وهكذا كان للتصوير الشعري(المشهدية) دوراً محورياً في كل المدارس والتوجهات الشعرية قديماً وحديثاً، والتصوير باللغة الواصفة المشخِّصة ذات الطابع الإنحرافي والبعيد كل البعد عن معايير بناء اللغة المألوفة، هو الأساس الذى ارتكزت عليه أغلب المدارس الشعرية المعاصرة، التى استعارت المشهدية من حقل السينما والمسرح لتضفي عليها طابعاً شعرياً، فأصبحت القصيدة عبارة عن مشهد كلي دال يتكون بالعادة من عدة مشاهد جزئية، وكل مشهد من مكون من لقطات، والرابط بين هذه اللقطات والمشاهد التمثيلية هو السرد الشعري الذي يقوم بنفس الدور الذي يقوم به ما يسمى بالمونتاج في الأفلام السينمائية وذلك بإنتقاء اللقطات والمشاهد ذات الإيحاء والمؤثرة والربط بينها.

يتبع

شاعر وناقد من الأردن

عن madarate

شاهد أيضاً

 رحلة الضوء في مسيرة الفنان مهند الشاوي

box type=”shadow” align=”aligncenter” class=”” width=””] رحلة الضوء في مسيرة الفنان مهند الشاوي[/box]  رحلة الضوء في …

اترك تعليقاً