الرئيسية / الأعداد / كتاب: في البدء كانت الحيلة لنعيمة بنعبدالعالي – تقديم إسماعيل محمد فال هموني

كتاب: في البدء كانت الحيلة لنعيمة بنعبدالعالي – تقديم إسماعيل محمد فال هموني

وخير جليس في الزمان كتاب

كتاب: في البدء كانت الحيلة لنعيمة بنعبدالعالي

اختيار وتقديم: إسماعيل فال محمد هموني*

 

صدر عن دار منشورات المتوسط بإيطاليا الطبعة الأولى 2023

هناك كتابات لا تفيدك في التراكم المعرفي لكنها تعلمك وجوه الحيلة والاحتيال في الفكر البشري. فجل المرويات الشعبية التي تأخذ بألبابنا وتذهلنا جوهرها السردي هو الحيلة أو الاحتيال . نذكر هنا مرويات جحا وألف ليلة وليلة وابن المقفع وحديدان الحرامي وسريسر ذهبو وغيرها الكثير من المروي والمكتوب أيضا.  وهي عملية للكشف عن درجة الوعي داخل الثقافات والحضارة الانسانية .

إن الشطار أو المحتالين هم صناع حكمة قبل أن يكون لصوصا أو مخادعين . فقد استطاع الانسان أن يوظف كل ذكائه وأساليب نبهاته في السعي للتملك أو الحيازة بناء على جودة أفخاخه وعبقرية حيله.

من قدمت الباحثة نعيمة بنعبد العالي في هذا السفر تحليلا لا يخلو من المكر والحيلة بمفهوميها الإيجابي أي ؛ القراءة الواعية لأنواع السرود المختلفة من خلال النوادر وما جاء في مصنفات الجاحظ ؛والبيهقي؛ والميداني؛ والتنوخي؛ ومقامات الحريري؛ والهمذاني.

فالحيلة كما تقول الباحثة [ طريقة أخرى لقراءة الواقع ؛ وتأويله ؛ وطريقة أخرى لتقديمه بقلبه وبلبلته].

1- المميزات:

–  الحيلة كالحياة ؛ هي مرونة واختراع متواصل وقدرة على التكيف والارتجال والصبر. [ ص: 11]

–  أما التحايل ؛ فلا يعترف به. مجال الخفاء والخيال والنوادر.

هو الذكاء عندما يتوارى ؛ عندما لا يعلن عن نفسه.[ص: 11]

 الحيلة والحكمة :

–  الحيلة لا تتكلم منطق الحق؛ ولكن منطق الفعالية دون احتراز العدالة دائما. [ ص: 13]

–  الحيلة ثائرة عاصية ؛ الحكمة فلسفية مبدئية. الحيلة طريقة إجرائية للخروج من مأزق ؛ مبنية على التبصر والاستنتاج. [ص: 14]

–  الحيلة ليست واعظة ؛ بل هي مشاكسة. لا يمكن أن تؤدي إلى الطريق الصالح؛ لأنها تفتح طرقا متشعبة ؛ فهي مبنية على المفارقات ؛ على الشيء وضده؛ على قلب الأمور ؛ وتخطي الواضح. [ص: 15]

–  أدب الاحتيال لا يدعي التربية أو تقويم اعوجاج المجتمع؛ هذا بالضبط ما يفسده لأنه مبني على الضحك من المظلوم؛ والتصفيق لنجاح الخدعة. الهدف التنويري والتوجيهي يخرجنا من مجال الحيلة .ليس المكر من جهة الخير أو الشر؛ هو ينزلق بينهما ويطوف حولهما. وإن أردنا أن نستخلص درسا ما ؛ فهو [ المكر] انتصار الحيلة على العنف.  [ص: 15]

–  الحيلة يحكمها قانون الرغبة؛ والشهوة ؛ والعشق ؛ في طلاقة ووقاحة. [ ص: 16]

–  فالدرس هو الحذر والاحتياط ؛ وليس هو العدل والاستقامة. والبقاء للأكثر مكرا .هذه هي لغة القناص والطريدة: لغة الانسان في البدء. [ ص: 16]

–  الإغواء … هو المنمق الأول للمكائد. [ ص: 17]

 الحيلة والفكاهة :

–  الحيلة كالنكتة والأحجية لصيقة بالخيال الشعبي ؛ من مكوناته ومقوماته الدفينة؛ فهي تستفز الذهن وتحركه . [ص: 18]

–  الحيلة هي كذلك تلمح أكثر مما تبين ؛ وتلعب على الغموض ؛ وتشعب المعاني. فالتوضيح يوقفها عند حدها؛ وهي تريد أن تكون تقويضا مستمرا؛ ولهذا تحذف الخاتمة والتفاصيل . [ص: 19]

–  فالحيلة قبل كل شيء إقناع؛ وإقناع الضحية بصدق ما ترويه؛ بالكلمات تنسج شبكة تحجب بها المصيدة.[ص: 20]

–  الحيلة لا تعترف بالعنف؛ كلام معسول ومرارة بعد الخيبة؛ عندما ينطبق الفخ .الضحية عندما تلوم نفسها أكثر مما تلوم الماكر .[ ص: 20]

–  الحيلة من نصيب العقل .[ ص: 23]

–  تصبح الخدعة وسيلة للحاكم والقاضي لحل مشكلات الناس؛ ولفض النزاع بين متخاصمين فرضيين ؛ في حين كانت وسيلة عامة للتهكم من الضغوط السلطوية ؛ وطريقة المهمشين للسخرية والاعتراض. [ص: 23]

 الحيلة والشيطان :

–  تجمع المحتال بالشيطان خصائص عديدة من المكر والدهاء إلى الازدواجية ؛ إلى التنكر؛ والتلبيس؛ والانقلاب المفاجئ ؛ إلى النزعة اللاأخلاقية ؛ وانعدام الضمير. [ ص: 25]

2-  تمجيد العقل :

 الحيلة والعجائبي :

–  الحيلة… قبل كل شيء لعبة العقل؛ في حين العجائبي مبني على تهميش العقل وإقصاء الذكاء. الحيلة تعوض هذا الخلل في ميزان الخيال المبدع . تملأ هذا الفراغ في الخرافات الشعبية ؛ وتعطي للذكاء قسطه. [ ص: 29]

–  الحيلة هي الوجه الآخر للسحر .[ ص: 29]

–  المتحايل لا ينتظر المصباح السحري ؛ بل يعتمد على عقله ومقدراته الشخصية ؛ هو شخص لا يتمتع بسند خارجي ؛ فالوحدانية من سماته؛ وعليه أن يدبر أمره ويحل مشكلاته بنفسه. [ ص: 30]

–  الحيلة هي الروح الأعرابية؛ والمكدي هو أعرابي المدينة؛ حسن المنطق والبيان وسرعة البديهة. الوجه الآخر للثقافة العربية الذي يحرف الحلاج ؛ وأباحنيفة ؛ ويصفق لإبليس ؛ ويسلك منطق جحا ؛ ويفجر المتحجرات عن طريق السخرية .

هو العقلانية عندما تأخذ شكلا أدبيا .[ص:33]

 

3︎- إعادة بناء الواقع :

الزيف :

–  الحيلة انحراف عن طريق الواقع؛ والخدعة هي إخفاء الواقع. المحتال مموه؛ دأبه البهتان والاصطناع والإنكار.[ ص: 39]

–  الحقيقة تنفلت ؛ يتعذر الإمساك بها وإدراكها . الزمان هو المتفلت والمحتال يداريه ويتلون معه. [ص: 40]

–  الحيلة طريقو أخرى لقراءة الواقع وتأويله؛ وطريقة أخرى لتقديمه بقلبه وبلبلته؛ عالم الحيلة عالم معكوس. [ص: 41]

–  الذكي هو ذلك الشخص الذي استطاع أن يفرض على الجميع نظرته؛ حقيقته.  هو الذي يستطيع قراءة ما وراء الحروف والعلامات والأثر. يستخرج المعاني من دلالات مبعثرة. يتنبأ أكثر مما يقرأ؛ ينظم وينسق؛ يخرج من الفوضى عالما له معنى؛ ويسمي الأشياء بأسمائها.

وهو بذكائه يجعل من المعنى الجديد مقبولا من الجميع. وقد يأتي انبهار السامعين أو القراء من كون القائف أو القاضي يعري تصوراتنا القديمة؛ ويكشف انخداعنا. وقد تستهوينا علاقتنا بالعالم الذي نعيش فيه؛ والخيلة تضع الأصبع على هذه الغرابة ؛ ويبقى السؤال القائم بعد هذا هو:

أين يوجد الواقع ؟[ص: 43]

اللغة :

–  الحيلة لغوية ؛ مادتها الكلمات والصور البلاغية.[ص: 44]

–  اللغة قناع وحجاب في المقامات. وهي وسيلة للإغراء والتلاعب بالكلمات وبنسيجها. الكلمات حبال وفخاخ؛ شباك يقتنص بها المكدي لب سامعيه؛ ليبهرهم ويصيد ما في جيوبهم . يصبغ الوقائع؛ يقدم واقعا مغريا؛ صورة ملونة ؛ يخضعها لرغباته ؛ ويجر الناس معه حتى يوصلهم إلى الطريق المؤدية لغايته المنشودة المستترة المغلفة بالبلاغة.

مكدي المقامات يستعمل اللغة كوسيلة للافتتان وجذب السامعين. فهو لا يصف حالته الضعيفة؛ الفقيرة المعوزة؛ ولا يحاول التأثير على قلوبهم وعواطفهم. بل هو يسلك طريقا آخر. طريق المتعة اللغوية؛ والتلاعب اللفظي؛ وغرائب الكلمات والمعاني؛ والترابط اللفظي المفاجئ حيث تصبح اللغة لعبة واللعبة لغة؛ من قلب والتواءات ومعان بعيدة قريبة .

هذا كله لأجل الانبهار المريح والتكسب بالألفاظ والبلاغة. في حضارة تقدس الكلمة والأجوبة المسكتة والبيان والمنطق .

قد تكون اللغة سلعة ؛ منبعا لا يشف. الجمال اللغوي المنتح الذي يتحول إلى رأسمال؛ إلى قيمة استبدالية.

اللغة كساء ؛ قناع ؛ لثام سحري يحجب ما يقول؛ ويخفي ما يعلن. جمال وافتتان لغوي؛ تمتمات صوتية تغطي صراخا عاليا ؛ وضحكات ويخرية تحطم بعض الموازين التقليدية في قالب البيان وضغط الألفاظ. زندقة كلامية يحجبها ستلر السجع وغريب القول. عذوبة ومرارة . الجميل في المقامة هو ما لا تقوله؛ هو الكاريكاتور الذي تسمح به الكلمات. الثروة اللغوية تمرر المكر التهديمي.

قراءة ممتعة

 

ناقد من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

صدور رواية في استنطاق المكان بعنون: “نفى مردوخ” للكاتب عبدالحسين بريسم

  عن دار “وتريات” للنشر والتوزيع، صدرت للكاتب والشاعر العراقي عبد الحسين بريسم رواية جديدة …

اترك تعليقاً