أخبار عاجلة
الرئيسية / الأعداد / مهرجان حلالة: الجلسة العلمية

مهرجان حلالة: الجلسة العلمية

مهرجان حلالة

كلمة رئيس الجلسة العلمية ناس الغيوان بين المعنى والمُغنّى  خالد قدروز

كلمة رئيس الجلسة العلمية ناس الغيوان بين المعنى والمُغنّى  خالد قدروز
بدايةً، يسعدني ويشرّفني أن أعبّر، بكل تقدير وامتنان، عن خالص شكري لإدارة مهرجان حلالة، ممثَّلة في مديره الشاعر عبد الرحمان فهمي، وإلى الإعلامي عبد الملك أبا تراب، عرفانًا بما بذلاه من جهود ثقافية وتنظيمية رصينة، أسهمت في إنجاح هذه التظاهرة، وترسيخها موعدًا فنيًا وفكريًا وازنًا في المشهد الثقافي. كما أتوجّه بالشكر الموصول إلى جميع المشاركين والمشاركات على حضورهم الفاعل ومساهماتهم القيّمة التي أغنت أشغال المهرجان ومنحته عمقه ودلالته.
ويُسعدني ويشرفني، بعد ذلك، أن أترأس هذه الجلسة العلمية، الموسومة بـ «ناس الغيوان بين المعنى والمُغنّى»، التي تجمع نخبة من النقاد والباحثين الأجلّاء، وهي جلسة تروم مقاربة واحدة من أبرز الظواهر الفنية–الثقافية في تاريخ المغرب المعاصر؛ ظاهرة تجاوزت حدود الإبداع الغنائي لتغدو مشروعًا ثقافيًا متكاملًا، تشكّل عند تقاطع الفن، والوعي الاجتماعي، والذاكرة الجماعية.
لقد ظهرت فرقة ناس الغيوان مطلع سبعينيات القرن الماضي من قلب الحيّ المحمدي بالدار البيضاء، متكوّنةً من أسماء وازنة صنعت هذا التحوّل الفني العميق، وفي مقدمتهم: بوجميع، الأب الروحي للمجموعة؛ والعربي باطما بصوته المرخّم وحسّه الزجلي العميق؛ وعلال يعلى بما أسّسه من صرامة إيقاعية وقيادة موسيقية واعية؛ وعمر السيد الذي جمع بين الإبداع الفني والتسيير؛ وعبد الرحمن قيروش (باكو) بما أدخله من روح كناوية أصيلة، إضافة إلى باقي الأسماء التي أسهمت في تشكّل هذا المشروع الفني الجماعي.
إن أهمية ناس الغيوان لا تكمن فقط في أسمائها، بل في الاختيار الجمالي والفكري الذي وحّد هذه الذوات في رؤية فنية جديدة، أعادت الاعتبار للتراث الموسيقي المغربي، والزجل الشعبي، والإحالات الصوفية، لا بوصفها بقايا ماضٍ منقضٍ، بل باعتبارها مخزونًا رمزيًا حيًّا صالحًا لإنتاج المعنى داخل سياق اجتماعي وسياسي دقيق.
وعند الحديث عن المعنى في التجربة الغيوانية، فإننا نواجه نصًا غنائيًا كثيفًا، متعدّد الطبقات، يقوم على الرمز والإيحاء، ويستثمر اللغة الصوفية بوصفها أفقًا معرفيًا للتعبير عن القلق الوجودي، والوجع الاجتماعي، والاحتجاج غير المباشر، في صيغة فنية تتجاوز المباشرة والتقرير.
أما المغنى، فقد شكّل بُعدًا تأسيسيًا في هذه التجربة، حيث تلاحمت الكلمة بالصوت، والإيقاع بالجسد، في أداء جماعي منسجم، حوّل الأغنية الغيوانية إلى تجربة تلقٍّ وجدانية وفكرية مشتركة، لا إلى منتج فني عابر، بل إلى فعل ثقافي حيّ ومؤثّر.
ولئن جرى في بعض القراءات اختزال ناس الغيوان في خانة الغناء السياسي، فإن هذا التصنيف، على وجاهته الظرفية، لا يستوعب عمق التجربة؛ إذ لم تنتج الغيوان خطابًا أيديولوجيًا مباشرًا، بقدر ما بلورت وعيًا فنيًا نقديًا، استثمر الرمز الشعبي والصوفي لقول ما لا يُقال، ولتفكيك المسكوت عنه في البنية الاجتماعية، دون الوقوع في المباشرة أو الشعاراتية.
وتكمن القيمة الكبرى لتجربة ناس الغيوان في قدرتها على تحويل الهامش الاجتماعي إلى مركز دلالي، وعلى جعل الأغنية فضاءً للتفكير، ووسيطًا لإعادة بناء العلاقة بين الفن والإنسان والمجتمع، وهو ما يفسّر استمرارية حضورها في الذاكرة الثقافية المغربية، وتحولها من تجربة زمنية محددة إلى مرجع فني وثقافي عابر للأجيال.

وانطلاقًا من هذه الخلفية، تفتح هذه الجلسة العلمية إمكانات متعددة للتحليل والمساءلة من زوايا مختلفة، بما يسمح بإعادة قراءة تجربة ناس الغيوان قراءة علمية نقدية تُنصف عمقها وتعقيدها. ويزداد هذا الأفق التحليلي ثراءً من خلال مداخلات رصينة يقدّمها كلٌّ من الدكتور محمد رمصيص، والدكتور عبد الإله رابحي، والناقد مصطفى بن سلطانطنة، الذين سيسهمون، كلٌّ من موقعه المعرفي والمنهجي، في تعميق النقاش وتوسيع أفق النظر في هذه التجربة الغيوانية الفريدة.

 

إدريس الصغير إنسان يسمي الأشياء بأسمائها

مصطفى يعلى

بداية، أود قبل حديثي عن الصديق إدريس الصغير، بأن أعبر عن سعادتي بالمشاركة للمرة الثانية، بشهادتي الخالصة، في حفل تكريمه. كما لا أنسى أن أوجه شكري، في شخص الأخ عبد الرحمن فهمي، إلى كل الجهات المنظمة لهذا الحفل الثقافي الرصين.

لقد تعرفت شخصيا إلي صديقي إدريس الصغير، قبل خمسة عقود، أي زهاء أواسط سبعينيات القرن العشرين، بعد استقراري في مدينة القنيطرة 1968، وإن كان تعارفنا قد حصل قبلا في سياق رمزي، من خلال نشر وقراءة قصصنا منذ سنة 1966. وإنني لأستحضر كيف مضت صداقتنا تتمكن من خلال إحداثيات متوالية، حيث نشرنا على حساب كل منا في وقت واحد، مجموعتينا القصصيتين سنة 1976، فقد أصدرت مجموعتي (أنياب طويلة في وجه المدينة)، بينما نشر هو مجموعة (اللعنة والكلمات الزرقاء) مشتركة مع الراحل عبد الرحيم مودن، مع ما عانيناه من متاعب، خلال تعاوننا على توزيع المجموعتين، وكنا أيضا نوالي حينئذ في دأب ومثابرة، نشر نصوصنا السردية، في مختلف المنابر الوطنية والعربية. كما أننا التحقنا في وقت واحد باتحاد كتاب المغرب، وحضرنا معا والمرحوم عبد الرحيم مودن، لأول مرة مؤتمره الخامس سنة 1976، وتقاسمنا مطلع الثمانينيات، رفقة محمد بنطلحة والمرحومين عبد الرحيم مودن ومبارك الدريبي، تأسيس فرع اتحاد كتاب المغرب بالقنيطرة، ثم انطلقنا نَنْشط ثقافيا بالمدينة، وأنجزنا صحبة المرحوم عبد الرحيم مودن والأستاذ أحمد بطا، كثيرا من التظاهرات الثقافية الوازنة، التي تركت صدى طيبا في الساحة الثقافية الوطنية، طيلة عقد الثمانينيات، وأيضا شاركنا في عدد من التظاهرات الأدبية والقراءات القصصية، أهمها الأيام الثقافية السنوية لجمعية الإمام الأصيلي بمدينة أصيلة، أواخر سبعينيات القرن الماضي، وكذا الأسبوعان الثقافيان المنظمان من لدن اتحاد كتاب المغرب، برئاسة الأستاذ أحمد اليبوري، في كل من ليبيا والعراق سنة 1986.

ومما كان يلفت نظري، في الصديق إدريس الصغير، إبان هذا المسار الثقافي المشترك، سمةُ الصراحة المستمدة من صدقه مع ذاته. ولكي أكون دقيقا، أقول إنه كان دوما يسمي الأشياء بأسمائها، نظرا لتميزه في علائقه بالحياة وبالآخرين، بصراحة وصدق مخلصين، في زمن هيمن عليه الزيف والتفاهة والتطوس. ومهما كان الأمر، فهو ما كان يتأخر بحس بناء، عن الإدلاء بتحفظاته، إذا ما ثارت في ذهنه أسئلة استنكارية، عند إدراكه اعوجاجا في شخص أو مجموعة أو جمعية وما أشبه، تارة بتسديد التفنيد والمناقشة المباشرة، وتارة باقتراف الكتابة الانتقادية في الصحافة.

وبما أنه من بين مظاهر الصدق الفني، تقمص الكاتب للتجربة الإبداعية المعالجة، ومعايشة مواقفها وأبعادها، بعمق ووعي واستيعاب، فكذلك لم يكن في وسع إدريس الصغير، خلال مساره الإبداعي المديد، إلا أن يبوح بمخزون غضبه الغيور في كتاباته، بما لابسها من حرارة وتوتر، متوسلا بوجهات نظر متطلعة. وفي الإمكان تعزيز هذه الملاحظة نصيا، بالتقاط بصمات هذا التساوق، بل والتماهي، فيما فاضت به أولى رواياته (الزمن المقيت)، انطلاقا من عنوانها، إذ عالجت وضعية البطل المتأزمة، في خضم هيمنة القيم المنحطة على حساب بقايا القيم النبيلة. لذلك اعتلت فيها نبرة السخط والاحتجاج، وفوران الغضب على قتامة واقع مترد، تضيع فيه آدمية الإنسان، مما خلق جوا زاخرا بالتساؤلات المصيرية، والنقاشات السياسية بين البطل وباقي الشخصيات. وربما لهذا تم التركيز في الرواية على البطل الغاضب المحتج أساسا، وبضمير المتكلم، الحاسم في التعبير الاستبطاني عن الذات المأزومة، وإن تنوعت الضمائر في الرواية بين الغائب والمخاطب أحيانا. بينما لا تحضر باقي الشخصيات في فضاء الرواية إلا كذكريات، أو عبر لقاءات تحدث مصادفة، لكون معظمهم شخصيات روائية ثانوية، ولا نتعرف عليهم سوى من خلال عيني البطل، الذي ينتقل بينهم أو يتذكرهم من حين إلى آخر، عبر تقنيتي الاسترجاع والاستباق. وقد ساهمت فضاءات الرواية المغلقة والمفتوحة، المشحونة بشعور البطل بالاختناق والتوتر، والمعاناة، والتنفيس؛ في تجسيد جذوة الغضب على الواقع المختل، بينما قام فضاء طاميدوزا بدور المحفز للتأمل والشكوى والتذكر، واستحضار الماضي، حيث يندمج البطل في حوار صامت مع طاميدوزا، التي لم تكن برمزيتها في الحقيقة سوى مكون جمالي لاستبطان ذات البطل، فبدا الأمر كما لو أن بطل الرواية قد جرد من نفسه ذاتا أخرى، ليدخل معها في مونولوج داخلي دائم لا يهدأ.

وأنا أرى أنه من هذا الصدق مع الذات، تمخضت قابلية إدريس الصغير الوطيدة لعلاقة متينة بمدينته القنيطرة، التي ولد ونشأ بها ودرس واشتغل، فقد تشكلت من حب يومي متمكن، نما مع كل مراحل حياته، وجعله يتمتع بصفة الحاضر الغائب فيها، رغم اضطراره للعمل خارجها في بعض فترات عمله الماضية، مما يؤكد مقولة إن عروج الإنسان إلى محراب حب الوطن في إخلاص، ينطلق أولا من عتبة حبه لتراب مدينته أو قريته. ومن ثم يمكن القول بأنه إذا كان هناك من يغار على مدينته هذه بإخلاص وصدق بل وانفعال، فلن يوجد من يسبق إدريس الصغير إلى المقدمة.

وقد ترتب على ذلك الارتباط بالمدينة، عبور إدريس الصغير، إلى الانخراط في عدد من الجمعيات الثقافية بها، كما شارك بحيوية في كثير من التظاهرات الأدبية، التي تشرّف المدينة، وتثري شأنها الثقافي ومشهدها الحضاري، علما بأنه قد رأس فرع اتحاد كتاب المغرب بها، من أجل تنشيط الفعل الثقافي فيها على صورة مشرفة. ولعل أسوأ ما كان يثير المواطن إدريس الصغير، من متغيرات سلبية تجاه مدينته، ويجرح إحساسه بمصيرها، كونه يتابع مثل الكثيرين، ما طرأ عليها من مسخ لمظاهر الجمال فيها، بفعل غابة الإسمنت الكاسحة، التي طمست معظم معالمها الحضارية، ومسحت ساحاتها الخضراء الفواحة، ومسخت طابعها المعماري المميز.

ولا يمكن الحديث عن شخصية كاتبنا، من دون التوقف عند فعله الأدبي، ذلك أن إدريس الصغير مبدع موهوب، ومن النوع المثابر أدبيا، فعلى النقيض من كثير من مجايليه الذين ترحلوا عن الكتابة، لسبب أو لآخر، ظل هو يصارع الوقت، ويدأب على القراءة، ويعكف على الكتابة إلى الآن، بل إن إنتاجه قد تطور نوعيا وأجناسيا، بين القصة القصيرة والرواية والمسرحية، فضلا عن المقالات النقدية، مع إخلاصه الملحوظ للقصة القصيرة، وممارسة معالجتها طيلة عمره الأدبي الحافل، متعهدا إياها بالتجريب والوعي النظري لتقنياتها المعاصرة، وحتى إن انشغل بغيرها، فإن بصماتها تظل حاضرة فيها، بل إنه سرعان ما يعود إلى إبداعها.

وهكذا أمكن لمنجزه الأدبي، أن يصير مفعما بمزيد من التراكم الخصب، الذي تجلى خاصة في إصدارات مجموعاته القصصية (اللعنة والكلمات الزرقاء، عن الأطفال والوطن، وجوه مفزعة في شارع مرعب، معالي الوزير، حوار جيلين). وربما كان هذا هو السر الذي يقف وراء نوعية رواياته، التي يمكن تصنيفها ضمن الرواية القصيرة، هذا الجنس الذي أعتقد شخصيا أنه يعد أكثر الأنواع الروائية كثافة، وملاءمة للمقروئية، وهو مثل القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا، أكثر أحقية للتعبير عن واقع العصر، المتسم بضيق الوقت والسرعة المذهلة.

والحق، إن الوقوف عند حد ما بذله المحتفى به، الأستاذ والكاتب إدريس الصغير، خلال عمر أدبي طويل، من نشاط وتنشيط للفعل الثقافي المشرّف، مُدَعمَين بكم محترم من الإصدارات الإبداعية المميزة في القصة القصيرة والرواية والمسرح، وإن ما حرص على تحقيقه من مد للجسور الثقافية بين المغرب والقنيطرة بالذات، وبعض أقطار العالم العربي، يتقدمها العراق ومصر، قصد التعريف بالحركة الثقافية في المغرب، وفي هذه المدينة؛ أقول إن كل ذلك من شأنه أن يضفي على هذا الاحتفاء أحقية أكثر من لائقة، فلا أحد يمكن أن يجادل في أن الكاتب إدريس الصغير أجدر بكل اعتراف وتقدير وتكريم مستحق.

ناقد من المغرب

 

الغيوانية والشخصية المغربية. 

عبد الإله رابحي

 

” إذا ما شئنا اعداد نظرية أو وصف أو تأويل ذات صبغة علمية فلابد أن يكون بالإمكان البرهنة على خطئها” (كارل بوبر) 

 

النغمة الموسيقية، أو النبرة الموسيقية، أو الأذن الموسيقية، هي، في تقديري، تنشأ منذ الطفولة، منذ البدايات الأولي المبكّرة للطفل مع العالم، تبدأ منذ الترنيمة الأولى للأم وهي تغنّي لطفلها، (وقد أكّد أحد أعمدة المغنى الغيواني أن مصدر الكلمات والايقاعات كانت من أمهات أعضاء المجموعة)، ومن الايقاعات الصادرة عن مناسبات اجتماعية أو شعائرية، من أعراس الحي، وأناشيد العمل، أو البكائيات (التعداد) أو التراتيل الدينية، ومن الأصوات الصادرة من المذياع الشعبي … ومن مصادر شعبية عدة…. إذن فهي مسألة تنشئة، وبذا أيضا تبدأ الأذن في تخزين إيقاعات متعدّدة نابعة من الوسط الاجتماعي والطبيعي لها…. تماما كما الوجدان الشخصي والجماعي في علاقته بالوسط القيمي المحافظ والتقليدي الذي بالكاد يكابد نحو الانفتاح [التباين بين الظاهر والباطن: بين الحداثة والتقليد]   

وعليه ف” الغيوانية” كمغنى، قبل أن تصبح معنى، هي كامنة فينا بالنظر الى طبيعة المغاني والأهازيج، وأغاني الحصادين، وإيقاعات المواسم الفلاحية، ومردّدات الأضرحة والزوايا على طول التنشئة الاجتماعية…. ومن ثمّة ف” الغيوانية” ليست أولا ” تجربة”، لأن ” التجريب” مغامرة إبداعية قابلة للنجاح كما للفشل، وليست أيضا ” ظاهرة” لأن الظاهرة غالبا ما تكون طارئة، مستحدثة، أشبه بالغريبة على وسط ما، ومعرّضة للزوال والاندثار في كل حين، بينما ” الغيوانية”، كنغمة ونبرة، كامنة في اللاشعور الجمعي المغربي، حتى أنها أسّ من الأسس الأساسية المشكّلة للشخصية المغربية، حتى لا أقول الهوية المغربية، لدرجة أنّه يمكن أن أقول: من ليس غيواني ليس بمغربي“.  

صحيح أن هذه النبتة المبثوثة في اللاشعور الجمعي، كما كل الكائنات الحيّة، تنتظر شروطا خارجية لانبثاقها، لإيناعها، وهذا بالفعل ما حصل مع ” الغيوانية” كمحفل غنائي مغربي صميمي، محض، قادته زرافة مؤثثة بما تمليه هذه النبرة، وبما يستجيب، وينسجم بنبرتها.  

أقصد بهذه الشروط السياق التاريخي الذي كان محمّلا بحركات التحرّر العالمية، وشيوع النغمة الملتزمة، ومفهوم ” المثقف العضوي”، وتفتيت “سيكولوجية الانسان المقهور”، وانتشار أدبيات ” البلاغة المقموعة”، وما إلى ذلك مما يطول شرحه... أي خروج هذه الترسبات ” الغيوانية من عقالها…. 

غير أن هذه عوامل الانبثاق، ونظرا لخارجيتها لم تكن الا عوامل ساعدت النغمة على إيناعها في لحظة تاريخية معينة، حتى أن أحد أعمدة ” الأغنية الغيوانية” في إحدى حواراته، وفي خضم تأويل النغمة بهذه الشروط، نفى نفيا قاطعا أن يكون لها كلّ هذا التأويل الذي حضي باهتمام الأكاديميين وهم يعالجون هذه ” الغيوانية” بنقلها، مشكورين، من حالتها الغفل، حالتها الطبيعية، من حالتها اللاشعورية، الى عقلنتها، إلى حالتها الشعورية في المدرجات العالمة.  

وعلى ذكر ” العالمة” وسياقاتها المعرفية، أحيل الى كتاب ” جون جاك ناتي”، وهو بالمناسبة من أطلق على وظيفته “مهنة عالم الموسيقى “الموسيقولوجي”، وقد ميّز بين الموسيقى، أو بلغة الندوة، المغنى، المسماة “عالمة”، والأخرى المسماة “شعبية”، وسمّى هذه الأخيرة ب «الموسيقى ذات التراث الشفوي الخارجة من أنغام الأجواء الاحتفالية “.  

تحت هذا المسمّى، في تقديري، يندرج الجوّ الغيواني بما هو معنى ومغنى:  

يأتي المغنى كتعبير، ويأتي المعنى، في صفة الشعبية، كتجربة حياتية جماعية، في حين أنّه في العالِم يأتي كتجربة فردية، ويمكن أن نعتمد هذا كمعيار للتمييز، (إن المسألة شبيهة، في تقديري، بالتمييز بين الشعر «الفصيح” المعرب، والشعر الزجلي العامي) (وسأعود الى هذه النقطة: أولوية التجربة على التعبير. 

المعنى والمغنى هو ما أسماه ستيفان هيرشي ب ” la cantologie” أي دراسة النغمة في شموليتها، وهو ما اعتمده أيضا الباحث ” عبد الحي صاديق” في دراسته ” ناس الغيوان: أربعون سنة للأغنية الاحتجاجية المغربية ” الصادر سنة ٢٠١٤ ، يقول: كانت ” الغيوانية تجمع بين القدرة الشعرية، والموسيقية، والمشهدية” ، هذه الصورة العامّة هي بالفعل الحصيلة المنسجمة لجماعة فوق الركح، بمعنى آخر كانت ” الغيوانية” جزء كبيرا من لا شعورنا الجمعي مشخّصا ، مجسّدا (incarné) فوق الخشبة، ولذلك كان طبيعيا أن تكون الانطلاقة من المسرح، الفن الأوّل ، وأن تبدأ الجماعة بإنشاد طفليتنا الأولى بأنشودة ” قطّتي صغيرة” ، وكأنّها تذكّرنا بطفولتنا الجماعية، في لقاء حميمي بين مردّدة الأمّ، والاكتساب الأول من المعلّم الأوّل داخل المحفظة الأولى…   

من هنا كان تشخيص الغيوانية لحما ودما، بروزها للعيان من خلال الملبس، والوقوف صفا واحدا على غرار الفرق الشعبية، وضفائر الشعر المنفوش والمشعث، وتمايل الأجساد بعيون ناعسة كناية عن تحليق خارج الحضور، عن وجد مستطاب داخل الغياب، وتجاوب الآلات الموسيقية الوترية والايقاعية، بروحانية خاصّة، وإلا كيف حصلت على هذا الإجماع السريع وسط جل الأوساط المغربية، فانتشرت يردّدها كل لسان مغربي… (سوسية عمر السيد، بوزيرية لعربي باطما، هوارية رودانية علال يعلا، وصويرية عبدالرحمان باكو) لينصهروا في مدينة عمّالية جاءت في مفترق الطرق).  

كان التعامل الغالب مع هذه “الغيوانية” أنّها جبهة ثورية تتغيى تغيير الوضع القائم، أي نُظر إليها في علاقتها بالخارج، وقلّما نُظر اليها أنّها دعوة لتحرير الداخل، البينذاتي الجماعي، أي تصفية الباطن من كدرات النفس، والارتقاء به من مقام الايمان الى مقام الاحسان على عقيدة التصوف السني، على طريقة الامام الجنيد البغدادي، لإنتاج أثر بعيد عن المنتوج، ممتد في الزمن، ليس فقط المادي الملموس، بل لحضور وجداني يعيشه الفرد في عزلته، كما قد يتقاسمه كقيمة مع جل أفراد جماعته، تقول الغيوانية في أشهر مغانيها:   

” بحر الغيوان ما دخلتو بلعاني 

تانعيط لشيخي ما تضيق بيا  

غرض الله بوعلام الجيلالي” 

(هنا استحضار الشيخ والمريد في بعدهما الصوفي) 

وتقول الغيوانية أيضا:  

” لله يا هلي اهل الحال” بكل مفهوم الحال كانقطاع عن ملذات الدنيا الزائلة… لتقول: ” ما بقات رغبة تلهيني…” كدعوة لتأمّل الوجود والكينونة والمصير الإنساني، وهو ما يبرّر هذه النفحة الروحانية التي هيمنت على جلّ المغاني، فحتى تلك التي كانت أكثر خارجية، وأكثر توصيفا للواقع المأزوم استُهلت ب “سبحان الله”، وفي مغنى “غير خذوني” تقول الغيوانية: ” بابا وحجّ المقدس… بابا مشتاق نشوفو…بابا نداه فكبادي…” لتقول أيضا: ” ما تخمّم ف ضيق الحال…رحمة ربّي ما وسع” لتقول أيضا: هاذ الدنيا ما تدوم ألغوايك شكاها” لتقول أيضا: 

برفاكة الروح  

بحق النطق  

بحكمة لميازن نكافح  

ونكتب نطقي عن اللوح”  

ولتقول أيضا في خطاب صريح للموت، للحقيقة الوحيدة فوق هذا العالم:  

” تكاديهم تحت التراب…. حفرة وكفن ألالّة…. لقبر والظلام المهياب …. والنفس الكوالة” لتقول أيضا:  

” ما يدوم حال  

ما يدوم حال يا مجذوب الغيوان”  

هذا غيض من فيض ما تزخر به هذه الغيوانية المغربية من بعد روحاني، ولا أقول ديني، ونفحة وجدانية ترجّح كل تأويل داخلي ضاع في التأويلات الخارجية المستهلكة والمؤقتة المحكومة بظرفية زائلة.   

بهذا المعنى تصبح ” الغيوانية” المغربية هذه النزعة الروحانية المتسمة بالتواضع، البساطة، بذمّ الشجع، بالقناعة، بالسلم، بنبذ الخلاف، بالجْماعة، النية، المشورة، ما يصطلح عليه بشكل عام ب “الصَلاح، ومنه مفهوم الصُلّاح، أو بلاد الأولياء، أو ما نطلق عليه عادة ” ولاد باب الله”…. وما إليه من قيم داخلية تؤطّر الروحانية المغربية، وتشكّل بعضا من ثوابت الشخصية المغربية المتفرّدة. من جهة، وتصبغ على المعنى الغيواني الطابع الوعظي من جهة أخرى…. حتى أن بعض الشذرات الغيوانية تسير مسرى المثل السيّار منذ الغيوانية الأولى، أقصد “الصينية” مثل قولهم ” عهدي بلوزيعة فلغنم” أو ” شمس الحيين ما تدفي الموتى” أو ” ماشي بصياح لغراب كتجي شتا”…..    

وتعود استمرارية تجذر هذه ا”لغيوانية” لثلاث سمات كبرى:  

  • أولوية التجربة على التعبيروهي سمة تطبع كل الابداعات الشعبية الانطباعية، أيالارتباط بالواقع المعيش وبالوسط الطبيعي والجغرافي… بالتجربة الاجتماعية الى حدّ الالتصاق بها كانعكاسية تكاد تكون مطلقة… ليأتي بعدها التعبير لصيقا بها. لذلك قال قرينه” “جيل جيلالة ” ناديتك بالغنة” ….. فالنداء (أو العيطة) معنى، والغنّة تعبير….   
  • المبدأ الحواري:الذي يحكم حتى تجاوب الآلات الموسيقية بغناء جماعي أفقي يتجاوز الغناء الفردي ذي البطل الواحد بتعددية أصوات بوليفونية (Polyphonie) دالّة (استحضار الجوقة والحلقة وفرجة الشارع)، ومشاركة الجمهور في الإلقاء بتجاوز للمغنى الأحادي ذي الطبيعة العموديةويظهر ذلك في تداخل الايقاعات وتناوبها داخل المغنى الواحد (التشبث بما أسماه جون جاك ناتي ” العلبة العفنة” التي كانت تشمئزّ منها الموسيقى الغربية الكلاسيكية]   
  • تذويت المنتوج: داخلية التجربة كمكوّن،وكمونها في اللاشعور الجماعي. لذلك تجد كل المغاربة يتجاوبون بتلقائية مع كل الايقاعات الصميمية التي لها علاقة بالتربة المغربية حتى في المحاولات التجديدية الشبابية التي نلاحظها مؤخرا….. ويظهر ذلك فيما يمكن أن نسمّيه ” المعنى المحايد المتعدّد: تقول الغيوانية ” حالي شمعة بالليل، خلّيني نبكي ونّوح “: إسقاط المعنى على كل الحالات الذاتية. 

 

بذا وبغيره، وفي هذا السياق تتأسس ” الغيوانية” كأسّ أساسي في تشكيل ما نسمّيه اليوم، عبر وعي، للأسف، متأخر، بالذات، بتمغربيت في محلّيتها القصوى التي أثارت الاهتمام العالمي، ب ” الغيوانية ” المغربية…. ضمن مااصطلح عليه في” معجم مصطلحات فن الملحون ب ” شيخ السجية أو شيخ الكريحة”. 

ناقد من المغرب

تجربة ناس الغيوان بين التعاطف الغفل والتقييم الموضوعي.

محمد رمصيص

 

ثمت عدة عقبات تعترض الباحث وهو يقارب تجربة ناس الغيوان شعريا ونغميا منها: أن وجدانه تربى على ألحانها، ووعيه الجمالي تشكل في جزء كبير منه على أشعارها.. ولأنها شديدة القرب منه يصعب عليه تقييم التجربة بموضوعية. ف”شدة القرب تعمي” كما يقول المتصوفة.

ثانيا: هناك عائق ثان كون التجربة لازالت ممتدة في الزمان وأخذت امتدادات عدة منها حالة التشظي التي تعيشها التجربة فهناك: فرقة عمر السيد، وفرقة علال يعلى.. وفرق أخرى تعتبر نفسها الوريث الشرعي للتجربة.. وامتداد التجربة في الزمان والمكان يجعلها غير مكتملة؛ الأمر الذي يجعل الحكم عليها مبتورا بالضرورة.

لكل هذه الاعتبارات أرى لزاما رفع الكثير من اللبس والتعمية التي أحاطت بالتجربة حتى نسقط عنها البعد الأسطوري الذي أضفاه بعض المحبين، ربما دون قصد منهم.. فصاحب الحاجة أعمى كما يقال. وإن كانت الملاحظات التي سنبدي لا تنتقص من كون فرقة ناس الغيوان خلقت ملحمة شعبية أصيلة.. فالغناء المغربي في مطلع السبعينات كان أمام خيارين: إما استنساخ الأغنية الشرقية، أو التماثل مع التجربة الغربية. وهنا تكمن فرادتنا في اجتراحها طريقا ثالثا هو مغربة الغناء. أما الملاحظات فهي كالتالي:

أولا: هناك لبس على مستوى تاريخ تشكل المجموعات الغنائية بالمغرب؛ بحيث يبدأ وفرة من الباحثين بفرقة ناس الغيوان والحال أن هناك فرق غنائية سبقتها للوجود أقلها فرقة “الإخوان مكري”. صحيح جدا أن فرقة ناس الغيوان تأسست سنة 1971 بعد أن غنت بمسرح الطيب الصديقي قطعة “الصينية” سنة 1968فضلا عن قطعة “قطتي صغيرة”. لكن فرقة “الاخوان مكري” بدأت تسجيل أغانيها بالإذاعة الوطنية في مطلع الستينات في شكل ثنائي )حسن ومحمود(وسنة 1965التحقت بهم الأخت الصغرى جليلة، فيونس مكري بعد ذلك وهو الحائز على الأسطوانة الذهبية سنة 1972 بأغنية “ليلي طويل”. هنا أتجاوز الاصطفاف المجاني نحو جناح وصف تجربة “فرقة مكري” ب”تغريب” الأغنية المغربية وتبعات صراع من كان يمثل الأغنية الرسمية مع كل شكل غنائي مختلف عنها!!

ثانيا: جغرافية التأسيس. هناك من يجعل تجربة ناس الغيوان رهينة بالحي المحمدي والحال أن مولاي عبد العزيز الطاهري مراكشي المنشأ ملحوني الهوى. كما أن عبد الرحمان باكو صويري الزيادة وكناوي المنزع. بل حتى العربي باطما الذي يحسب على الحي المحمدي التحق بناس الغيوان ووجدانه مشحون بصوت الشاوية ومعجمها الرعوي يكفي العودة لديوانه” حوض النعاع” لنتلمس ذلك. وقس على ذلك همر السيد السوسي الخلفية وبوجميع الصحراوي المنشا.

ثالثا: هناك أسطورة الأمهات اللواتي كتبن قصائد الفرقة والواقع غير ذلك، صحيح أنهن قدمن مطلع أو مطلعين للأبناء دون أن يتعدون ذلك.. وهو حال الأم حادة التي أمدت العربي باطما بمطلع “حلاب بويا الحليب” و”راه يحوم أهاه” ومطلع “أخي ما بقى حد يسول في حد” الذي قدمته الأم خديجة لابنها بوجميع.. لكن دون كتابتهن لقصائد كاملة.. وبصرف النظر عن هذا الزعم، وبالاحتكام للمنطق لا يعقل أن تكتب الأم-وهي واهبة الحياة للابن الذي يعتبر امتدادا وجوديا ووجدانيا لها-أن تمده بنص يؤذي به إلى السجن. ويلزمنا في هذا السياق استحضار قصيدة “ما هموني غير الرجال إلا ضعوا///الحيوط إلا رابوا كلها يبني دار” دون أن ننسى القصيدة التي سخرت من السلطة وهي على كل حال للشيخ بن علي المسفوي المراكشي يقول فيها:

“سبحان الله صيفنا ولى شتوى

ورجع فصل الربيع ف البللدان خريف.

(…) إلى أن يقول

جور الحكــام زادنا تعـــــب وقســـوة

لا راحة والعباد ف نكد وتعسيــــــف

والحاكم كا يصول كايقبط الرشـــــــوة

والشاهد كايدير ف الشهادة تحريــف”

واللافت للانتباه أن هذه الفترة التي عرفت بالخوف والتوجس أنتجت أجرأ القصائد المتغنى بها.

رابعا: الموت الغامض لبوجميع وربطه بالعميلة شامة التي حسبت على المخابرات المغربية.. والحال أن بوجميع كان ضئيل البنية الجسدية؛ بنية لم تتحمل تناوله لمواد معلومة أصابته بقرحة في المعدة الأمر الذي كان خلف وفاته.

خامسا: موقف ناس الغيوان السلبي من التغني بالحب.. والأجدر بها أن تحتج على جعله الموضوع الوحيد للأغنية الرسمية. أما الحب في حد ذاته فهو من القيم النبيلة التي جعلت الإنسان يخرج من طور الشهوة إلى حالة الرغبة. ومن الجنس إلى الحب.

سادسا: بعض المقارنات المغرضة التي كانت توضع فيها فرقة ناس الغيوان مع فرق أخرى أقلها مقارنتها ب”جيل جيلالة” التي صورت-حينها- بأنها صنيعة المخزن وجاءت فقط لتشوش على فرقة “ناس الغيوان”. والحال أنها ولدت باقتراح من حميد الزوغي على عبد العزيز الطاهري ذات يوم في نهاية سنة 1972 كما صرح الزوغي بذلك ذات حوار.

سابعا: تصوير كل القصائد المغناة من طرف ناس الغيوان أنها مرت بالضرورة عبر مخافر الشرطة والحال أن تغيير كلمتين بالتحديد هو الذي وقع حسب تصريح عمر السيد نفسه.

وكما سبقت الإشارة فهذه إضاءات لا تنتقص من قدر التجربة النغمية والشعرية لفرقة ناس الغيوان..

1-الأفاق النغمية لفرقة ناس الغيوان:

نغميا انفتحت هذه التجربة على ألحان “كناوة” و”عيساوة” و”العيطة” وما إليه.. وهذا يرجع لتعدد روافد أعضائها فهناك:)الخلفية الصوفية للحكايات الشعبية التي تشبع بها بوجميع في حلقات الحي المحمدي، تكناويت/باكو، الملحون/لطاهري، البصمة السوسية/عمر السيد، العمق الصحراوي/علال يعلى، الخلفية الشاوية/العربي باطما (وبسبب الهوية المركبة للفرقة حملت أغانيها بصمات الغناء العروبي، وعبيدات الرمى، والألحان الأمازيغية، والنغم الكناوي والعيساوي والحمدوشي والحوزي والعيطة وما شابه ذلك.. فرقة حرصت على عدم تسليع الفن؛ أقصد بذلك عدم شرائها للحن والقصيدة من شاعر أو ملحن آخر إلا لماما. فأشعار الأغنية عند هذه الفرقة تصدر عن أعضائها في الغالب وكذلك الألحان. وهذا التوجه جاء كرد فعل على تغول الأغاني الرسمية وما ساعد الفرقة على ترسيخ صوتها الضرف السياسي الخاص الذي عبره المغرب عقدي الستينات والسبعينات.

2-ناس الغيوان والشعر المغنى:

إن الأهم بالنسبة لأعضاء فرقة ناس الغيوان الذين وصفوا بالتلاميذ غير النجباء، والذين لم ينهوا دراستهم أنهم نبهوا الشعراء المغاربة وعموم الجمهور المغربي إلى الشعر المغربي الأصيل وهو الملحون.. في وقت انصرف أغلبية الشعراء لتقليد التجارب المشرقية.. إذ ليس صدفة أنه  في هذه الفترة بالذات سوف يكتب محمد بنيس وبنسالم حميش ديوانيهما بالخط المغربي. وتوجه فريد بلكاهية إلى الرسم على الجلد الطبيعي بالحناء وعمل سهيل بن بركة ومحمد الركاب على مغربة السينما.. واللائحة طويلة.

شعريا وعلى مستوى الأساليب الأكثر تداولا في تجربة ناس الغيوان حضور أسلوب الاستفهام الذي يروم تنسيب الحقائق وضرب الثقافة الإطلاقية. لنتوقف عند النموذجين التالين:

“فين غادي بي خويا وفين غادي بي؟”

“واش حنا هما حنا يا قلبي ولا موحال؟”

ونحن نعلم أن وظيفة السؤال هي تحفيز الذهن على التفكير النقدي والفضول، وفتح باب الحوار، وقياس مدى الفهم ومراجعة المسلمات. وإلى جانب أسلوب الاستفهام يحضر أسلوب السخرية وذلك بقلب المعنى وتقديم النقد اللاذع بصورة تستدعي الاستهزاء وهو ما صدفناه في القرينة النصية التالية:

من هو باز فالقفاز///يامن هو فروج علكندرا نشر جناحو

وبأسلوب السخرية أصبح الجمهور المغربي ما كان يقوله سرا يتغنى به جهرا.

3-أثر المسرح على أعضاء فرقة ناس الغيوان:

أدرك باكرا أعضاء فرقة ناس الغيوان صلة الشعر بالدراما من خلال اشتغالهم مع الطيب الصديقي على الرغم مما قيل عن توتر العلاقة بينهم.. أستحضر هنا التصريح الذي أعطاه الصديقي لمجلة فرنسة عندما قال إن الممثلين عنده ميدان تجارب.. تصريح جرح كبرياء أعضاء الفرقة التي فكرت في تأسيس فرقة مستقلة.. لكن مع ذلك تعلم أعضاء ناس الغيوان في حجر المسرح الانصات لصوت الآخر المختلف نغميا وعقائديا.. نستحضر هنا غناء بوجميع لأغنية “هكا ماما عطي لماما” وهي من التراث اليهودي الذي سبق لزهرة الفاسية أن غنته إبان ثلاثينات القرن العشرين. بل إن أعضاء الفرقة اكتشفوا أن المسرح يمكنه أن يتخلق من معطف الشعر وهو حال مسرية “الحراز” التي انحدرت من قصيدة شعرية للشاعر المكي القريشي. في المسرح ميز أعضاء الفرقة بين غنائية الشعر ودرامية المسرح.

في المسرح كذلك التقطوا قمة الحوار الدرامي الذي يطور الأحداث وتناميها. لنتوقف عند المثال التالي:

“قالت ليكم وقلنا ليكم

قالت ليكم بنت الغيوان

الله يا تل الزعتر

واش من والى يتوالى

غير ضربوا ولا هربوا

اللي تهرس راه الكرارس..”

وهذه القطعة تدخل في باب المرددات الشعبية التي كانت تتغنى بها “اللعبات” في الحواري والأزقة الشعبية زمن الاستعمار الفرنسي.

مشهديا انتصرت فرقة ناس الغيوان للمجموعة بدل المغني المفرد. كرد فعل على التفكيك العائلي التي مارسه الاستعمار الفرنسي. فلا غرابة أن الفرقة غنت أولا قطعة “الصينية” رمز اللمة العائلية. والمجموعة بهذا المعنى تشكل عزاء رمزيا لعري الفردانية.. تقول قصيدة “الصينية” والتي حازت بها الفرقة الأسطوانة الذهبية سنة 1973:

“ويا ندامتي ويا ندامتي

مال كاسي تايه تينين

زاد علي الحزان

مال كاسي باكي وحدو

مال كاسي نادب حظو

مال كاسي يا وعدو هذا نكدو

آه يا الصينية..”

مشهديا دائما حضر طقس الانشاد الجماعي والرقص على الركح لأعضاء الفرقة ضدا على الرزانة المزعومة للمغني المفرد. وهي أمور ترفع الكلفة بين الفرقة والجمهور.. فرقة تستثمر التهليل، والمناداة، والدعاء، والنداء.. وهي تقنيات وافدة للفرقة من طقوس الليلة الكناوية. وبالموازاة لهذا ظلت أشعار الفرقة مفتوحة على الذاكرة الجمعية. لنتأمل المقطع الشعري التالي:

فين غادي بي خويا”. لنتأمل المقطع التالي:

“أنا ما نسيت البندير، أنا ما نسيت القصبة

أنا ما نسيت الموسم والخيل سربة سربة

أنا ما نسيت الكور ولا مجمع الطلبة

أنا ما نسيت دواري يا بلاد القصبة

أنا ما نسيت العشرة ولا كمح الرحبة

أنا ما نسيت حياتي يا ناس المحبة

أنا ما نسيت ناسي خيت هذي نكبة.”

والفرقة تحاول استثمار التراث المغربي حرصت على توظيف القناع والرمز حيث حضر مثلا الحداد باعتباره خصما طبقيا للعامل في قصيدة غير خذوني:

” غير خذوني

قلبي جا بين

يدين الحداد

حداد ما يحن

ما يشفق عليه

ينزل ضربة

على ضربة

والى برد

زاد النار عليه.”

نخلص إلى أن فرقة ناس الغيوان حققت رصيدا محترما حازت به على جوائز أهمها جائزة فرسان الفنون والأدب في فرنسا. لكن أهم جائزة في اعتقادي الخاص هي جائزة حب الناس في العالم إبان عقد السبعينات وصعودا.. حب وثق له المخرج المغربي أحمد المعنوني بفيلم تحت عنوان “الحال” كما استثمر المخرج الأمريكي مارتن سكور تزي في فيلمه” الإغراء الأخير للمسيح”.

 باحث أكاديمي في التراث الشعبي. من المغرب

 

 

 

      

  

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

عِنَاقٌ بِطَعْمِ الانْتِظَارِ – محمد بن الظاهر

محمد بن الظاهر *   تحتَ صدركِ ظلالُ النّخيل عتمةٌ تنتظرُ الخائفين يُواري آدمُ سَوأته …

اترك تعليقاً