“شوكة الآلهة” للروائي علي شنينات رواية فلسفية بامتياز

منال العبادي*
“شوكة الآلهة” للروائي علي شنينات رواية فلسفية بامتياز، لكنها ليست فلسفة تجريدية، بل فلسفة وجودية تنبثق من صميم التجربة الإنسانية.
تعددت الأبعاد الفلسفية في الرواية منها الفلسفة الوجودية وطرح سؤال الهوية من أنا بعد فقدان كل شيء؟ البحث عن معنى في عالم قاسٍ( العبثية ) وترسيخ فكرة الحرية والمسؤولية وصناعة المصير رغم القيود “كيف لرجل فقد رجولته منذ أول شبابه أن يبهَ بالحياة، أو تستقر له نفس؟” تطرقت الرواية للعديد من أبواب الفلسفة منها فلسفة الجسد ،الجسد كسجن وكان الخصاء كاستعارة للعجز الوجودي كما أن الجسد كرمز للهوية و العلاقة بين الجسد والذات هي تلك الهوية وجعل الجسد كموقع للصراع من خلال السلطة والسيطرة على الجسد هذه فلسفة طرحها الكاتب بروايته لكنه لم يتوقف عندها فقط لقد عرج أيضا على فلسفة الألم

فالألم كشرط للوجود لا خلاص بلا معاناة والألم كطريق للوعي: المعاناة تدفع للتأمل وتحويل الألم إلى قوة كصناعة السيف من رحم المعاناة.
تطرق شنينات الى عدة أسئلة فلسفية وهذه الأسئلة الفلسفية المركزية سؤال المعنى، ما معنى الحياة بعد فقدان الكرامة؟ هل يمكن العثور على المعنى في قلب المعاناة؟ هل المصير محتوم أم يمكن تغييره؟ وسؤال الحرية مثل هل الإنسان حر رغم كل القيود؟ كيف نصنع حريتنا في ظل الاستبداد؟ هل الحرية حالة داخلية أم خارجية أما سؤال الأخلاق ، ما العدالة في عالم ظالم؟ هل الغاية تبرر الوسيلة؟ أين يقع الخيط بين الشر والحاجة؟ نلمس من كل ما سبق المذاهب الفلسفية المتجسدة كالعبثية (الوجودية)، آسيبناز الذي يبحث عن معنى في عالم فقد معناه و الصراع بين رغبة الحياة وعدم جدواها و الإرادة من (شوبنهاور) فالإرادة العمياء ورغبة أماندو الجامحة فالمعاناة نتاج صراع الإرادات وأخذ القوة من (نيتشه) ف إرادة القوة تجسد في سيرا والوالي أماند والتحول من الضعف إلى القوة “علينا أن نهزم ما بنا من خوف، عنده نستطيع فك القيد” فالتجليات الفلسفية في الشخصيات آسيبناز (الفيلسوف المعذب)فهو يجسد الإنسان الذي يفقد كل شيء ثم يبدأ رحلة البحث عن المعنى ويمثل الصراع بين القبول والتمرد /سيرا (الفيلسوفة الفاعلة) فهي تطرح سؤال المرأة عن هويتها خارج الأطر التقليدية وتمثل إرادة الحياة رغم كل الصعوبات /الراهب المسن (الحكيم) يمثل الحكمة التقليدية وعجزها ويجسد محدودية المعرفة البشرية. تجلت المواقف الفلسفية في الحوارات كحوار آسيبناز مع نفسه: “كيف للمقتول أن يحيا من لسعة الجمر؟” وسؤال عن إمكانية الحياة بعد الموت الرمزي وحوار سيرا مع أبيها: “العدالة مهما توارت، فإنها هي الباقية” فالإيمان بالمبادئ حتما رغم غيابها الواقعي وحوار آنيولا مع نفسها:” في الحقيقة منذورون للموت بأشكال متعددة” ففيه تأمل في حتمية الموت واختيار طريقة الموت.
الرواية تطرح أسئلة وجودية أساسية وتعيد التفكير في المفاهيم التقليدية وتقدم تأملات عميقة في Condition humana كما تدمج الفلسفة في نسيج السرد وتترك القارئ مع أسئلة، وليس إجابات فالرواية لا تروي قصة فحسب، بل تدعو القارئ إلى التفلسف مع شخصياتها، إلى مشاركتها في التساؤل والحيرة والبحث. هذا ما يجعلها عملاً فلسفياً بامتياز، لكن بطريقة أدبية لا تجبر القارئ على الفلسفة، بل تغريه بها.
عمل شنينات على دمج الفلسفة مع نسيج السرد في “شوكة الآلهة” من خلال تقنيات فنية متميزة فالفلسفة كانت من خلال التحولات الدرامية وكانت المعاناة كمدخل فلسفي فالخصاء ليس مجرد حدث درامي، بل تحول وجودي يفتح أسئلة عن الهوية والكرامة أما الحرق (آنيولا) يصبح استعارة للتطهير والتضحية “كيف يتم قتل الإنسان داخل الإنسان؟” – هنا يتحول السرد إلى سؤال فلسفي ،كما كانت الرحلة في الرواية كاستعارة فلسفية:· رحلة آسيبناز من بابل إلى مؤاب = رحلة من العبودية إلى البحث عن الذات والبحث عن “شوكة الآلهة” = البحث عن المعنى في عالم عبثي وكانت الحوارات كمساحات للتأمل الفلسفي من خلال الحوارات الداخلية فالمونولوجات الطويلة التي تكشف الصراع الوجودي والأسئلة التي تطرحها الشخصيات على نفسها” ما معنى الحياة بعد فقدان كل شيء يجعل الحياة ذات معنى؟” أما دور الحوارات بين الشخصيات مثل حوارات آسيبناز وسيرا حول الحب والعلاقة ومناقشات الراهب مع آسيبناز حول الشفاء والمصير .
وكانت الرموز كحوامل فلسفية فالرموز تحمل طبقات فلسفية مثلا الشوكة تدل على الألم والشفاء، القمع والتحرر أما السيف يدل على القوة والضعف، الذكورة والأنوثة ودلالة النار التدمير والتطهير، المعرفة والجهل ثم اتجهت الرواية نحو التحول الرمزي: الشوكة تتحول من أداة قمع إلى أمل خلاص والسيف يتحول من سلاح حرب إلى وسيلة كرامة ، وامتلأت الرواية بتعددية الأصوات حيث أن تعدد الأصوات كتعدد الرؤى الفلسفية فكل شخصية تمثل رؤية فلسفية آسيبناز يعكس الوجودية، العبثية، البحث عن المعنى وسيرا ا تعكس الإرادة، التحدي، وإعادة تعريف الهوية وكان الوالي أماندو يمثل القوة، الشهوة، السلطة لكن آنيولا كانت النقاء، المقاومة السلبية، التضحية.
انتج ذلك الحوار بين الفلسفات بأنه لا توجد وجهة نظر واحدة مهيمنة فكل صوت يحمل جزءاً من الحقيقة” أصبحت كومة من البرود هي الأخرى، فما عادت تدخل عليه الغرفة في الليل “فالبرود هنا ليس مجرد وصف، بل حالة وجودية تميزت الرواية بعدة بنى سردية منها البنية الدائرية فكانت البداية والنهاية بالبحث عن الخلاص تعكس فكرة العودة الأبدية والبنية المتوازية عرضت قصصا متعددة تعكس تجارب إنسانية مختلفة تخلق حواراً بين التجارب والرؤى أما النهاية المفتوحة كانت لا تقديم للحلول الجاهزة بل تركت القارئ مع الأسئلة .
إن التوازن بين الفلسفة والسرد وتجنب التقريرية جعل الفلسفة لا تقدم كخطابات مباشرة بل تتخلل النسيج السردي الحفاظ على التشويق فالأحداث الدرامية تدفع القارئ للأمام والأسئلة الفلسفية تدفع القارئ للداخل والربط بين المستويين فكل تطور درامي يفتح سؤالاً فلسفياً فكل سؤال فلسفي يدفع التطور الدرامي ونجد هنا بأن الكاتب نجح في الدمج من خلال تحويل الأحداث إلى استعارات وجودية وخلق حوارات تطرح أسئلة ولا تقدم إجابات كما استخدام الرموز كجسور بين المادي والميتافيزيقي مع الحفاظ على التوازن بين العمق الفلسفي والتشويق السردي وجعل الفلسفة تنبثق من صميم التجربة الإنسانية للشخصيات هذا الدمج يجعل الفلسفة عضوية في النص، وليست غريبة عليه، مما يخلق تجربة قراءة فريدة حيث القارئ يتفلسف دون أن يشعر أنه يقرأ نصاً فلسفياً، بل يشارك الشخصيات في رحلتها الوجودية. الرواية تثبت أن الفلسفة الحقيقية لا توجد في الكتب الأكاديمية فقط، بل في صميم الحياة اليومية، في المعاناة، في الحب، في البحث عن الذات – وهذا بالضبط ما استطاع الكاتب تجسيده ببراعة.
ناقدة من الأردن
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي