دراسة سيميائية لقصيدة “أبريل… ارحل” و”أبريل يتوسل” للشاعر محمد دخيسي
فاطمة الزهراء بنفطيش*
مقدمة
من المعلوم أن أبرز أسباب الدعوة إلى اعتماد المناهج العلمية في تحليل الأعمال الفنية والإبداعية هو تحقيق الموضوعية والابتعاد عن الذاتية أثناء الدراسة. لكن وأنا أختار موضوع الدراسة التي سأعرضها أدركت أن تحقيق الموضوعية الخالصة أمر صعب، فالذاتية تسيطر على صاحبها رغما عنه وأكبر مثال على هذا هو سبب اختياري لهذه القصيدة، لقد مرت على مسامعي قصائد عدة لقدماء ومحدثين ولم تفتح شهيتي للتحليل وممارسة التنقيب عن الدلالة إحداها من قبل، إلا أن حدث وقرأت هاتين القصيدتين على وجه الصدفة وأنا واقفة في مطبخي أستعد لتحضير وجبة اعتيادية، والسبب أن موضوعهما أحدث جرحا غائرا فور القراءة وصدمةً من هول الصدفة وحجم المعاناة، فقررت أنهما ستكونان موضوع دراسة سيميائية لطالبة مبتدئة في التحليل تسعى جاهدة إلى إيجاد طريق يناسبها في دراسة النصوص وتأويلها، لذلك فالغرض من هذه الدراسة أولا، اختبار مكتسباتي السابقة مما حصلته خلال دراستي الجامعية في وحدة السيميائيات بالفصل السادس والتي مرت عليها سنتان، و ثانيا، هو أنني وجدتها فرصة مناسبة خاصة أني سأترك تقويم هذا العمل وتقييمه لصاحب النص المدروس، وهذه فرصة لا تتاح كثيرا بالنسبة لي، ولكل هذا فأنا لا أضمن أن يكون عملي موضوعيا بصفة نهائية، فجانب من ذاتي سيكون حاضرا خلال كل مراحل الدراسة، وقبل الشروع في تحليلي هاتين القصيدتين لابد من الإشارة إلى المقاربة التي سأعتمدها، وهي مقاربة مارتين جولي التي تعتمد بالدرجة الأولى على ركيزتين أساسيتين هما: التعيين والتضمين. فالتعيين يقتضي منا رصد مكونات المادة المدروسة ووصفها كما هي دون منحها أي تفسير أو حمولة دلالية، وهو ما يعني تحديد البنية السطحية، أما التضمين فيستوجب منا إضفاء صبغة دلالية على كل مكون من المكونات المحددة وذلك بالاعتماد على كل المشيرات التي ستقربنا من تحديد المقصود والدلالة بدقة بما في ذلك السياق التاريخي والاجتماعي والنفسي الذي يؤطر المادة المدروسة، والمقصود به الوقوف على البنية العميقة.
ولعل أول ما نفتتح به دراستنا هو عنوان القصيدة الأولى، إذ سنحدد البنية السطحية ، ثم سنقف عند بنيته العميقة فالقصيدة تحمل عنوان” أبريل… ارحل” يتكون من كلمتين الأولى اسم لشهر من شهور السنة والثانية فعل أمر مبني على السكون و فاعله ضمير مستتر وجوبا تقديره أنت، و بين الكلمتين هناك ثلاث نقاط للحذف، هذا في ما يخص البنية السطحية، أما بخصوص البنية العميقة، فكلمة أبريل بما هي اسم لشهر من أشهر السنة تذهب بنا مباشرة إلى شهر يُعرف باضطراب مناخه، وربما هو نفسه الاضطراب الشعوري الذي يعانيه الشاعر، أما لفظة “ارحل” فتعبر عن رغبة الشاعر في طرد الشهر و ربما دون أن تكون له فرصة ليعاد مرة أخرى في قادم السنوات، لما له من أثر سلبي على حياة الشاعر وقد يكون السبب في طرد هذا الشهر أكبر من أن تصفه العبارات والألفاظ لذلك تم التعبير عنه بنقاط الحذف الثلاث التي يعتبرها الشاعر معبرة أكثر من أي تعبير آخر.
وبعد العنوان ننتقل إلى التواريخ التي جاءت أسفل العنوان مباشرة وهي خمسة تواريخ تختلف في اليوم والسنة وتتفق كلها في الشهر وهو “أبريل”. التاريخ الأول هو السادس عشر من أبريل سنة ثمان وستين وتسعمائة وألف، والتاريخ الثاني هو الواحد والعشرون من أبريل سنة واحد وألفين، التاريخ الثالث هو الثالث من أبريل سنة عشرين وألفين والرابع هو السابع من أبريل سنة ست وعشرين وألفين أما الأخير فهو الرابع عشر من أبريل سنة ست وعشرين وألفين. جاءت هذه التواريخ مرتبة من الأقدم إلى الأحدث، وكل تاريخ منها كتب في سطر منفرد. وإذا كان التعيين يقتضي منا وصف هذه التواريخ دون التعليق عليها، فالتضمين يتطلب منا الوقوف معمقا عند كل تاريخ من هذه التواريخ والغوص في دلالاته إلى أبعد ما يمكن، فالتاريخ الأول (السادس عشر من أبريل سنة ثمان وستين وتسعمائة وألفين) هو تاريخ ميلاد الشاعر، هو يوم أول صرخة في حياة الشاعر، لكن تلك الصرخة كانت صرخة إعلان بالوجود صرخة تتعالى بعدها أصوات الزغاريد، وهمسات الفرح كيف لا وهي صرخة تأكيد الحضور.
التاريخ الثاني الواحد والعشرون من أبريل سنة واحد وألفين هو تاريخ بداية صرخات الحزن، فإذا كان التاريخ الأول يعني ميلادا حياة جديدة، فالتاريخ الثاني إعلان لنهاية حياة، وهنا بدأ أبريل في ممارسة عنفه الرمزي على ذات الشاعر، لكنه لن يتوقف عند هذا الحد، بل سيتمادى لكي يفاقم معاناته ولكي يترك بصمته الغائرة في فؤاده وهذا ما سيشهد عليه يوم جديد في عام جديد ولكن في نفس الشهر، وتحديدا الثالث من “أبريل” سنة عشرين وألفين، حيث سيتكفل الشهر نفسه بإذاقته مرارة الفقد مجددا، وأي فقد؟! فقد الأب، فقد السند، فقد إحدى الأعين التي رأى من خلالها الشاعر الحياة أول مرة! وهل سيكتفي هذا الشهر بهذا؟! طبعا لا، لأنه سيعود بعد التئام الجرح ليفتحه من جديد لكن هذه المرة بشكل أعمق، وتحديدا في السابع من أبريل سنة ست وعشرين وألفين، إذ سيعود لأخذ العين الأخرى، وقبل أن يلتئم الجرح هذه المرة سيعود لهدم ما تبقى منه بعد أسبوع وتحديدا في الرابع عشر من نفس الشهر ومن نفس السنة لتكون هذه ضربة أبريل القاضية.
إن ما توصلنا إليه من دلالات لهذه التواريخ يدفع بنا إلى الغوص في عمق القصيدة أكثر لربط الأرقام بالألفاظ والعبارات ولعل ما سنركز عليه هو مضمون القصيدة والأساليب والصور المستعملة في التعبير عنه، فبالنظر إلى البنية السطحية للقصيدة نجد أن الشاعر يحصي لنا المآسي والأحداث المؤلمة التي تعرض لها خلال شهر أبريل وما خلفته فيه من ضرر نفسي.
مستعملا في التعبير عن ذلك مجموعة من الأساليب أبرزها النفي في قوله: (لم يعد في أجندة تاريخي ملجأ) والأمر كقوله (ارحل) بالإضافة إلى التكرار ويتجلى في تكراره لفظة (ارحل) في أكثر من موضع في القصيدة، موظفا لغة خالية من التعقيد على المستوى اللفظي وهذا ما نلاحظه في بعض الألفاظ من قبيل (يواري التراب/ سيقان أزهار/ ميلاد/ ممات..) .
أما بالنظر إلى البنية العميقة وما تتضمنه هذه المكونات من دلالات فهذا يستدعي منا تحليل كل مكون على حدة. وأول ما نبدأ به قول الشاعر (لم يعد في أجندة تاريخي ملجأ أشكوه مرارة أبريل) فالشاعر هنا يصرح بشكل واضح أن شهر أبريل استنزف كل ما فيه من أيام، ولم يبق هناك مجال لإضافة جرح جديد فوق الجراح التي خلفها، فكلما مر الشهر في سنة من السنوات أخذ منه روحا عزيزة وخلف مكانها كدمة لا تبرأ، حتى أصبح الشاعر يتمنى رحيله وبدأ يأمره بالرحيل فعلا، لذلك فتوظيف الشاعر لأسلوب الأمر في هذه القصيدة جاء في البداية على شكل رجاء وهذا ما نخلص إليه من قوله (ندعوه بقلب بلل ارحل ارحل) رغم أن الصيغة آمرة إلا أن المعنى يحيل إلى الاستسلام أمام نكسات هذا الشهر وما حمله طيلة سنوات حياة الشاعر، لذلك يمكننا القول بأن هذا الأمر هو تصريح ضمني بأن الشاعر يقول للشهر: ارحل فقد خارت قواي أمام جبروتك و قسوتك أيها الشهر اللعين، وقوله (كاذب أبريل أبريل يكذب ما لم يقل) يؤكد على أن الشهر حتى وإن بدأ أول ذكراه في حياة الشاعر بحدث سعيد فقد كانت تلك السعادة كاذبة وأصبح حال الشهر في حياة الشاعر كحال مناخه، وهو ما نجد له تأكيدا في قوله: تتفتح سيقان أزهار لم تزل، فهو يؤكد على أن الأمل الذي تبعته أزهار أبريل وهي تتفتح هو أمل كاذب لا يؤتمن له، فكيف لشهر يحمل كل هذه الألوان أن يجمع كل هذا الألم وأن يخلف كل هذا الدمار إلا إذا كان كاذبا، ولعل هذا ما دفع بالشاعر تكرار أمر الرحيل موجها إياه لأبريل، لا سيما أنه في كل مرة يتذكر فيها أن هذا الشهر جمع بين الميلاد بوصفه ذكرى جميلة وبين الممات بوصفه آفة تترك علة فيمن ابتلي بها، يجد نفسه أمام أسطر يدونها ويستنطقها فيجدها جميعها تطالب أبريل بالرحيل.
وإذا خرجنا من دراستنا لقصيدة “أبريل… ارحل” بخلاصة مفادها أن أسطرها تحمل حديث ألم الشاعر ومعاناته بسبب فقد كل الأحبة في أبريل، فإنها عبرت عن وجه واحد فقط لأبريل ونحن ذكرنا في موضع سابق من هذه الدراسة أن أبريل شهر متقلب المناخ ولا يمكن التنبؤ بما يحمله، فأغلب تلك الوقائع حدثت في النصف الأول من الشهر خاصة حدث وفاة الوالد ثم الوالدة، ما يعني أن الشهر مازال في جعبته الكثير لشاعرنا وكأنه أقسم على اختزال مسار حياته في شقين، ولعل هذا هو ما جعل الشاعر يرى أن قصيدة واحدة في أبريل لا تكفي الأمر الذي ألهمه نظم قصيدة أخرى بعنوان “أبريل يتوسل” ومشاركتها نهاية نفس الشهر وهي القصيدة التي سنخصص لها الجزء الثاني من هذه الدراسة ولن نقتصر في دراستنا لهذه القصيدة على التحليل السيميائي فقط، فسياق تخصيصها بالدراسة يفرض علينا عقد مقارنة بينها وبين القصيدة الأولى على اعتبار أن القصيدة الثانية تكمل وترد في الآن نفسه على الأولى.
وإذا كان عنوان القصيدة الأولى يتكون من كلمتين بينهما ثلاث نقاط للحذف فعنوان القصيدة الثانية يحمل كلمتين فقط لا نقاط ولا فاصل بينهما، الكلمة الأولى “أبريل” وهي نفسها الكلمة الأولى في العنوان الأول أما الكلمة الثانية في هذه القصيدة هي “يتوسل”، وقد جاءت فعلا مضارعا مرفوعا عكس الكلمة الثانية في القصيدة الأولى التي جاءت فعل أمر (ارحل)، والبنية السطحية للعنوان تدفعنا مباشرة إلى تحليل بنيته العميقة، إذ إن الجملة تحمل دلالة تشكل مفارقة بين كل نصف من الشهر، وهو ما يظهر جليا في مسألتين؛ أولهما: صيغة الفعل “يتوسل”، فزمن المضارع يعني الاستمرارية، وهو ما يحيل إلى أن توسل أبريل سيستمر، ربما طيلة أيامه، وربما لأيامه في السنوات المقبلة. أما المسألة الثانية، فهي تتجلى في رفض أبريل الانصياع وراء أمر الشاعر له بالرحيل، وأنه أبى أن يغادر قبل أن يطلب الصفح، كأنه مجرم يطلب المغفرة من ضحيته بعد أن سلبها الحياة؛ لا لشيء إلا لأنها طالبت بالعدل، فالرحيل الذي طالب به الشاعر أبريل بمثابة طلب لتحقيق الإنصاف، حتى إن كانت العقوبة رحيلًا فقط. ورغم بساطتها، إلى أن المجرم استصعبها وطلب الصفح، فماذا سيقدم أبريل لضحيته مقابل المغفرة؟! هذا ما يجيب عنه الشاعر في نهاية القصيدة.
أما عن مضمون القصيدة، فيتمحور حول عودة أبريل لطلب المغفرة، وتردد الشاعر في مسامحته بسبب عمق الألم الذي سببه له. وقد عبر الشاعر عن هذا بالطريقة نفسها التي عبر بها عن مشاعره في القصيدة الأولى، معتمدا على أسلوب التشخيص؛ حيث نجده يمنح أبريل صفة العاقل.
إضافة إلى هذا، وظف الشاعر -أيضا- مجموعة من الأساليب الإنشائية كالأمر في قوله: “تمهل” والاستفهام في قوله: “هل أسامح أبريل؟”.
ولا ننسى صورة الموت التي تطبع القصيدتين معا، لهذا كله دلالات سنتحدث عنها في مستوى التضمين.
وإذا كان المتلقي العادي ينظر إلى القصيدة في سطحيتها، وما تحمله من خصائص فنية فإن المتلقي الشغوفَ بتحليل الدلالات وتأويلها سيجد في هذه القصيدة أرضا خصبة لاستنطاقها، وتحميلها دلالات ربما قد لا تخطر على بال صاحبها نفسه. ونحن في هذه الدراسة نحاول وضع اليد على إحداها.
بعد أن نربط موضوع القصيدة بحياة الشاعر، والأحداث التي شهدها خلال مختلف محطات حياته، في الشهر الذي نظم فيه قصيدة أبريل خاصة؛ يتوسل يمكننا القول إن شهر أبريل حمل في آخر أيامه من هذه السنة أحداثا فاجأ بها الشاعر محمد دخيسي وكانت بمثابة اعتذار يقدمه له عما أحدثه في أيامه الأولى (أيام شهر أبريل الأولى من سنة ست وعشرين وألفين)، وعما أحدثه في سابق السنوات، وكأنه يطلب منه منحه فرصة لتعويضه. لكن في الأسطر التي جاءت بعد الأبيات التي ذكرناها، نجد الشاعر يقابل هذا الاعتذار بحزن أشد، وأن هذا الاعتذار يزيد من مرارة الألم؛ الأمر الذي نستشفه من قوله: “سرت أنوي مقلة أو مقلتين دامعتين”، وهذا ما جعله يرفض مسامحته، فهو يقول: “هل أسامح أبريل قد سبا والدا ووالدين من بين موات وموات لوعة أو حسرتين”
فمجرد أن أبريل الذي يطلب الصفح هو نفسه أبريل الذي رحل فيه الوالدان، مسألة تجعل أمر المغفرة مستحيلا، حتى وإن قدم أبريل كل القرابين من أجل حدوث هذا الأمر.
وتحليلنا للأساليب المستعملة في هذه القصيدة يؤكد تأويلنا لهذه المعاني، فاستعمال أسلوب الأمر في قوله ” تمهل” بلسان شهر أبريل يحمل وجوها عدة، أبرزها أن زمن الأمر يفيد الطلب وليس الاستعلاء. والمفارقة هنا أن فعل الاستعطاف بعدما كان صادرا من الشاعر مخاطبا به أبريل في القصيدة الأولى، انتقل إلى أبريل الذي يخاطب به الشاعر في القصيدة الثانية، وفي هذا معنى آخر يمكننا إضافته وهو أن الشاعر يوجه رسالة إلى أبريل مفادها: (إيلامك لي زادني قوة وزادك ضعفا).
وبعده مباشرة، نجد أبريل يطلب منه فرصة التعبير عن الأسف، والتعويض، وتحديدا بعض لحظتين من الألم ويقصد ب”لحظتين” أيام قليلة تفصل بين وفاة أحد الأحبة وبين أول قربان سيقدمه الشهر طالبا المغفرة وبالعودة إلى التواريخ المرفقة في نهاية هذه القصيدة ومقارنتها مع التواريخ في القصيدة السابقة يتضح الأمر أكثر، ففي السابع تحديدا من أبريل سنة ست وعشرين وألفين سلب منه والدته، وبعدها بأسبوعين تحديدا قدم له الشهر أول مناسبة سعيدة؛ تتجلى في مشاركته في لقاء شعري، ذلك أن الشعر ملاذ من لا ملاذ له. ثم بعدها بستة أيام جاء ليقدم هديته الثانية وهو طلب ثان للغفران، حيث قدم الشاعر محاضرة بعنوان: “تأريخ الرواية ورواية التاريخ سلطة الماضي، وصهوة المستقبل”؛ وهو نتاج علمي قدم بمختبر التراث الثقافي والتنمية. ليأتي بعدها الحدث الثالث، الذي يُعتبر أن أبريل هو من جاد به، وهو مشاركة الشاعر في ندوة نقدية ضمن فعاليات ملتقى السرد (دورة محمد مباركي) نظمها النادي الأدبي بالكلية المتعددة التخصصات بالناظور، بتاريخ الخامس والعشرين من أبريل سنة ست وعشرين وألفين؛ إذ تلقى محمد دخيسي دعوته من رئيس النادي.
ولم تكن هذه هدية أبريل الأخيرة، بل كان لا بد من إضافة هدية أخرى تحرك مشاعر صاحبه، لذلك قدم له هديه قبيل الرحيل تتجلى في صدور كتاب “هوامش روائية عربية” وذلك يوم السابع والعشرين من الشهر والسنة نفسيهما.
وبالنظر إلى هذه التواريخ المتقاربة، نفهم المقصود من التوسل الذي يتجلى في تتابع الهدايا والعطاءات، بعد تتابع الضربات والنكسات التي أحدثها من قبل.
أما الشاعر، فعبر عن رفضه السماح والمغفرة، رغم كل هذه العطاءات؛ وهو ما يؤكده توظيف أسلوب الاستفهام في قوله “هل أسامح أبريل؟”، فهو استفهام استنكاري لا يرجو منه صاحبه الجواب، بقدر ما يُسمعه لطالب المغفرة، كأنه يصيح في وجهه قائلا: كيف أسامح من أخذ أمي وأبي، وتركني أتخبط بين لوعة الحنين وحسرة الانكسار؛ أبعد هدية أو هديتين أسامحك! لا وألف لا. وصورة الموت التي لازمته في القصيدتين معا أكبر دليل على أن الجريمة أكبر من أن تنسى وتغتفر.
خاتمة:
في الختام يمكننا القول إن الشاعر عبر عن حزنه ومعاناته من مخلفات الأحداث الحزينة التي توالت عليه في شهر أبريل، في قالب شعري يعتمد على التشخيص بالدرجة الأولى، مصورا شهر أبريل في صورة وحش كاسر يظفر بكل جميل ذي قيمة في حياة الشاعر، ويسلبه إياه ليجعله في عجز تام على قدرة مواجهة هذا الدمار. ثم يعود بعد ذلك للاعتذار بهدية أو هديتين، كأن ما سلب يعوض بما سيُمنح بعد مرور أويقات عن الفجع الأكبر. جاعلا من اللغة وسيلة لبلوغ غاية أسمى، تتجلى في ملامسة قلوب المتلقين، والاقتراب منهم وتقريبهم منه. ولعل ما جعل هاتين القصيدتين تتميزان بحمولة دلالية وفيرة هو تضافر الصدف، رغم أن الأمر لا يكاد يكون صدفا أكثر من كونه أقدارا مرتبة ومدبرة من قوى لا يمكن للإنسان تفسيرها. وبين ما قدمه أبريل في البداية منذ أول لحظة من حياة الشاعر، وما سلبه إياه بعدها، وما عاد ليقدمه من جديد نلمس خلاصة مسار خفي وقصة حياة إنسان عاش حياة متأرجحة بين مرارة الفقد، ولذة الإنجازات، وحب العطاء رغم كل الظروف”.
لذلك، فإن هذه الدراسة تعد قراءة من قراءات متعددة محتملة. وإن حملت بعضا من الصحة؛ فستبقى مجرد تأويلات ناتجة عن الربط بين عدة عوامل.
ولا يسعنا إلا أن نقول في هذا العمل الإبداعي: من صمت الجراح تصرخ الأقلام معلنة صمود أصحابها.
كاتبة من المغرب
القصيدة: أبريل يتوسلْ
محمد دخيسي أبو أسامة
قال: تمهَّلْ
فعلى بعد لحظةٍ
أو لحظتينْ
مالَ
يتوسلْ
أنْ أمهلني
كيْ أعوّضكَ
بابا أو دفَّتَيْنْ
سرتُ أنوي
مقلةَ
أو مقلتينْ
دامعتينْ
حركتُ وريقاتي
صفحةً
ثم صفحتينْ
هل أسامحُ أبريلْ؟؟
قد سبا والداً
ووالدينْ
من بينِ مواتٍ
ومواتٍ
لوعةً
أو حسرتينْ
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي