الرئيسية / الأعداد / رقصة الحياة على حافة الغياب قراءة في ديوان حسني التهامي – تغريد نديم عمران

رقصة الحياة على حافة الغياب قراءة في ديوان حسني التهامي – تغريد نديم عمران

رقصة الحياة على حافة الغياب قراءة في ديوان حسني التهامي

 تغريد نديم عمران *

رقصة الحياة على حافة الغياب قراءة في ديوان حسني التهامي  ​

في ديوان «محفل راقص في ساحة المقبرة» لا يقدم الهايجن المصري حسني التهامي مجرد قصائد قصيرة مختزلة، إنما تكتنز تلك المجموعة بالمفارقات التي تحدث توترات شعورية وجمالية وتؤول بنا إلى عالم غرائبي مفعم بالدهشة. يتبدى ذلك منذ البداية في غلاف الكتاب يتركنا الهايكيست في مواجهة مع عنوان يحتوي على مفارقة صارخة؛ فالمحفل والرقص يرمزان إلى عالم مليء بالحيوية والتوهج، والمقبرة توحي بالسكون والخوف. بيد أن التهامي لا يرى تناقضاً بين الحياة والموت، فكلاهما يتبادلان الأدوار في كل لحظة​ من منظور جمالي يعرف ب “السابي-وابي” الذي يرى الجمال في كل شيء حتى في عدم الاكتمال.  ​يعد عنوان المجموعة العتبة التأويلية التي تضعنا مباشرة في الحدث. فعند قراءة ” ​دوامة هوائية محفل راقص في ساحة المقبرة” ​ندرك أن الشاعر لا يتحدث عن أشباح ترقص، بل عن تلك “الريح” التي تحرك أوراق الشجر الجافة فوق القبور. هكذا يصور العنوان الوجود كحركة مستمرة لا تتوقف حتى في حضرة الفناء. هنا يتخلى التهامي عن دور “المفسر” ليصبح “مشاهداً” يكتفي بالإشارة، تاركاً لنا دهشة الاكتشاف.

 وعندما نتابع رحلتنا في صفحات الديوان نجد أن بطله الخفي هو الريح ​فالريح عند التهامي كائن حي، تارة تكون ثرثارة كما في قوله:

الطريق إلى المقبرة

ثرثرة

الريح والشجر

وتارة تكون محرضاً كقوة تفكيك للسكون :

نسمات خريفية

عكس الاتجاه تتحرك

ريشة المروحة

​ ​يلتقط التهامي تفاصيل بصرية مذهلة تعبر عن فلسفة عميقة دون تعقيد. ففي مشهد “ظل رمسيس”، نجد أنفسنا أمام مواجهة غير متكافئة: ​

تقاطع

ظل رمسيس الضخم

على جسدي النحيل ​

تلك الصورة ليست مجرد وصف لمعلم سياحي عريق، لكنه تعبير عن ثقل التاريخ والإرث والسلطة التي تسحق الفرد الصغير المعاصر. هنا يصبح الظل وحشاً يبتلع الجسد الهش، وهي التفاتة ذكية تحول “الهايكو” من لحظة تأملية للعالم الطبيعي إلى لحظة مراقبة واعية في المصير الإنساني.

في عدد من النصوص التي تحمل عنوان “هايكو الحرب يبرع الهايجن  حسني التهامي في التقاط صور معبرة عن الوجع الإنساني، حيث يسقط القناع الخطابي تماماً، فلا نكاد نسمع صوت رصاصة، في حين نرى تفاصيل هشة تعكس مأساة الحرب : ​

قصاصات قماش

دمية طفلة

نجت من الحرب ​

كل ما قدم النص في الصورة الحسية مجرد قصاصات قماش لدمية وفعل النجاة هنا للدمية ، فيما يضل مصير الطفلة معلقا في الفراغ. إن غياب الطفلة وحضور دميتها الممزقة هو أبلغ تعبير عن وحشية الحرب ودمويتها.  في هايكو الحرب يستوقفنا أيضا ذلك النص:

لوحة بالرصاص

مدينة تحت القصف

بلا سماء!

إنه مشهد مأساوي مكتمل بثلاثة أسطر .

تحمل بعض نصوص مجموعة ” محفل راقص في ساحة المقبرة” عبق الشارع، حيث الروح المصرية الخالصة ، إنها نصوص سنريو ذات الملمح الإنساني المفعم بالمشاعر والأحاسيس عبر الصور الماخوذة من بيئة الهايجن وتفاصيل الحياة اليومية. فمثلا يصور لنا مغتربا يسترق نظرة لياسمينة في مكتب التصاريح:

مكتب تصاريح العمل

يقطف مغترب

ياسمينة بناظريه

وحتى قبر الفقير يفتقد “الشاهدة:

ساحة المقبرة –

وحده فقير الحي

بلا شاهدة

هنا تتحول القصيدة إلى صرخة اجتماعية هادئة، تدين الفوارق الطبقية التي تلاحق الإنسان حتى في “ساحة المقبرة”.

و أخيراً تفاجئنا مجموعة “محفل راقص في ساحة المقبرة”، حيث يقحم التهامي في جرأة التكنولوجيا في عالم الهايكو التقليدي في محاولة لترويضها شعريا. إنه يتساءل بذكاء: هل يمكن للروبوت أن يعيش دهشة اللحظة، ويتذوق جمالها؟:

الهايجن الروبوت

على مرتين

يقرأ الهايكو

هنا تتمثل التقنية كتعبير عن الوعي والقراءة والتمثيل، في محاولة لتحديث بنية الهايكو دون الاستغناء عن الروح التي هي أساس هذا الفن الوافد في العالم العربي.

هكذا تعد مجموعة «محفل راقص في ساحة المقبرة» دعوة للنظر إلى العالم بعين طفل وقلب فيلسوف. حسني التهامي لم يكتب هايكو على غرار النمط الياباني، بل كتب هايكو يشبهنا، يحمل عبق ريحنا، وفقرنا، وتاريخنا، وقلقنا المعاصر. إنه محفل شعري يدعوك للرقص، حتى لو كان المسرح… مقبرة.

ناقدة من سورية

عن madarate

شاهد أيضاً

القلق الوجودي في شعر ياسين بُعبسلام – بدر متشو

بدر متشو*   تقديم: يسعى هذا المقال إلى بيان ثيمة القلق الوجودي في شعر الشاعر …

اترك تعليقاً