الأدب العربي المعاصر بين الإبداع الإنساني والإنتاج الاصطناعي مقاربة نقدية ثقافية

عبد العالي أغلايش*
يشهد الحقل الثقافي العالمي، ومن ضمنه الأدب العربي المعاصر، تحوّلات جذرية بفعل التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، التي لم تعد تقتصر على المجالات التقنية والعلمية، بل امتد تأثيرها إلى مجالات الإبداع الرمزي واللغوي، وقد أفرز هذا التحول أسئلة إشكالية تتصل بمفهوم الإبداع وحدود الفاعلية الإنسانية وطبيعة العلاقة بين الكاتب والخوارزمية، وهو ما يفرض على النقد الأدبي إعادة مساءلة أدواته ومفاهيمه.
وانطلاقًا من هذا السياق، يسعى هذا المقال إلى مقاربة التحولات التي عرفها الأدب العربي المعاصر في ظل الذكاء الاصطناعي، من منظور نقدي ثقافي يتجاوز المقاربة الجمالية الخالصة للكشف عن الأنساق الثقافية المضمرة التي تعيد تشكيل مفهوم الإبداع وسلطة النص ووظيفة الكاتب.
وشهد مفهوم الإبداع الأدبي في سياقه المعاصر، تحوّلًا لافتاً لم يعد مقتصراً على الانتقال من الفاعلية الإنسانية إلى الوساطة الخوارزمية فحسب، بل ارتبط كذلك بظاهرة التضخم الكمي في الإنتاج المعرفي والأكاديمي، ولا سيما ما يُلاحظ من كثرة المقالات المنشورة في المجلات العلمية خلال السنوات الأخيرة، في سياق رقمي متسارع تحكمه معايير النشر والفهرسة والتصنيف.
ومن منظور نقدي ثقافي، لا تُقرأ هذه الكثرة بوصفها مؤشراً إيجابياً على ازدهار البحث والإبداع بالضرورة، بل بوصفها نسقاً ثقافياً جديداً يعيد تشكيل معنى الإبداع نفسه، حيث باتت القيمة المعرفية للنص في كثير من الأحيان مرهونة بعدد المنشورات وسرعة إنتاجها، لا بعمقها التأويلي أو جدّتها المفهومية. وفي هذا السياق، أسهم الذكاء الاصطناعي التوليدي في تسريع وتيرة الكتابة، وتيسير إنتاج نصوص أكاديمية وأدبية تحاكي الخطاب العلمي شكلياً، دون أن تستند دائمًا إلى تجربة فكرية أو إشكالية حقيقية.
ويكشف هذا التحول عن انتقال الإبداع من كونه فعلاً إنسانياً قائماً على التأمل والتجربة، إلى كونه ممارسة إنتاجية خاضعة لمنطق الكمّ والتدوير المعرفي، حيث تُعاد صياغة الأفكار ذاتها داخل مقالات متعددة تحت ضغط النشر والترقية الأكاديمية، وهنا تتقاطع الوساطة الخوارزمية مع النسق المؤسساتي للنشر، لتُنتج خطاباً معرفياً متشابهاً يفتقد في كثير من الأحيان إلى التفرد والاختلاف.
وعليه، فإن كثرة المقالات المنشورة لا تعكس بالضرورة حيوية الإبداع، بل قد تُخفي خلفها أزمة في مفهوم الإبداع ذاته، تتحول فيها الكتابة إلى استجابة آلية لمتطلبات النشر، لا إلى فعل نقدي ثقافي يسائل الواقع والأنساق المهيمنة، ومن ثمّ يفرض هذا الوضع على النقد الثقافي مساءلة شروط الإنتاج المعرفي المعاصر والكشف عن الأنساق التي تحكمه، بدل الاكتفاء بتقويمه من زاوية شكلية أو إجرائية.
فالذكاء الاصطناعي يفرض نمطاً جديداً من السلطة داخل الحقل الأدبي، يمكن تسميته بـسلطة النص الخوارزمي، حيث لم يعد النص حكراً على الكاتب، بل أصبح قابلاً للإنتاج الآلي، وإعادة الصياغة والتعديل اللانهائي، ويُعد هذا التحول انعكاساً مباشراً لنسق ثقافي أوسع، قوامه السرعة والتراكم وهيمنة المنصات الرقمية.
من زاوية نقدية ثقافية، تتجلى هذه السلطة في إعادة تشكيل علاقة القارئ بالنص؛ إذ لم يعد القارئ يبحث عن المعنى العميق أو الرؤية الفكرية، بقدر ما يتفاعل مع نصوص قصيرة متشظية ومولَّدة وفق منطق الخوارزمية، وبهذا المعنى، يتحول النص الأدبي إلى خطاب وظيفي يخضع لقوانين السوق الرقمية، لا لقيم الإبداع النقدي.
كما يبرز نسق الهيمنة التقنية بوصفه نسقاً ثقافياً مضمَراً، يعيد إنتاج مركزية التكنولوجيا على حساب الإنسان، ويُقصي البعد الإنساني الوجداني والتجريبي من العملية الإبداعية، ويكشف النقد الثقافي أن هذه التحولات لا تُعد بريئة، بل ترتبط بمنظومة اقتصادية ومعرفية تسعى إلى تسليع الثقافة وتحويلها إلى بيانات قابلة للمعالجة.
أمام هذه التحولات، يجد النقد الثقافي العربي نفسه مطالبًا بتجديد أدواته، والانفتاح على أسئلة جديدة تتجاوز ثنائية الرفض أو القبول المطلق للذكاء الاصطناعي، فالمهمة النقدية لا تتمثل في الدفاع عن الإبداع الإنساني بوصفه قيمة رومانسية ثابتة، بل في تفكيك الأنساق الثقافية التي تحكم العلاقة بين الإنسان والتقنية.
ويقتضي هذا التجديد إعادة النظر في مفاهيم مثل: المؤلف، النص، التلقي، والسلطة الرمزية، في ضوء التحولات الرقمية، كما يفرض على النقد الثقافي الاشتغال على مستويات متعددة، تجمع بين التحليل النصي، والسياق الثقافي، والبعد الإيديولوجي للتكنولوجيا.
إن الرهان الحقيقي للنقد الثقافي العربي يتمثل في تحويل الذكاء الاصطناعي من تهديد للإبداع إلى موضوع للمساءلة الثقافية، عبر الكشف عن تمثلاته وحدوده، وآثاره في الوعي الجمعي، وبهذا المعنى يصبح النقد الثقافي أداة مقاومة رمزية، لا للتقنية ذاتها، بل للأنساق التي تسعى إلى إلغاء الفاعلية الإنسانية.
خلص المقال إلى أن العلاقة بين الأدب العربي المعاصر والذكاء الاصطناعي ليست علاقة تقنية فحسب، بل هي علاقة ثقافية عميقة، تعكس تحولات النسق الإبداعي وسلطة النص ووظيفة الكاتب، وقد بيّن أن الإنتاج الاصطناعي يعيد مساءلة مفهوم الإبداع، ويفرض على النقد الثقافي العربي أفقاً جديداً للاشتغال، يقوم على التفكيك والمساءلة بدل الرفض أو الانبهار.
وعليه، يظل الأدب رغم التحولات التقنية، فضاءً للمقاومة الثقافية، شرط أن يُعاد توظيف الذكاء الاصطناعي ضمن رؤية إنسانية نقدية تحافظ على جوهر الإبداع بوصفه فعلًا ثقافيًا واعيًا.
باحث من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي