الرئيسية / الأعداد /  غنائية الذات وابتكارية المعنى  في قصيدة المساء لمطران خليل مطران 

 غنائية الذات وابتكارية المعنى  في قصيدة المساء لمطران خليل مطران 

 غنائية الذات وابتكارية المعنى  في قصيدة المساء لمطران خليل مطران قراءة دلالية وجمالية 

جواد عامر*

 

عاش شاعر القطرين مطران خليل مطران (1872ـ 1949) حياة مترفة في كنف أسرة ثرية وكان لنبوغه في الصغر أثر كبير في توجيه مساره التعليمي منذ  التحاقه بالمدرسة البطريريكية  التي تلقى فيها مبادئ العربية على يد الشيخ إبراهيم اليازجي وتعلم الفرنسية وتفتقت موهبته الشعرية في هذه المرحلة ، لكن حادث انحراف أنفه غير مجرى حياته لما جعله يحس بالنقص لكنه سرعان ما تجاوزه، وانتقل بعد الحادث من بعلبك إلى مدرسة زحلة التي أثرت في نفسه كثيرا بجمالها الرائع ووادي العرائش الحالم فيها فتغنى بها في شعره محتفيا بحبها فقال:

في زحلة مولدي بالروح لا البـدن                   وزحلة برضى من أهلها وطني

إن يفتن بهواها من يلم بـــــــــــها                    فإنــــــــــــني بهواها أي مفتتن

ثم كان الانتقال إلى بيروت فولج الكلية البطريريكية التي عين فيها مدرسا بعد تخرجه. كان مطران مجبولا على حب الحرية والقومية العربية فأعلن في قصائده الوطنية والقومية عن حب العروبة ودعا فيها إلى التمسك بالثوابت والمبادئ والقيم ، وهي كلها قضايا موضوعية أفرزها سياق تاريخي مشحون بتوترات سياسية ووسمته هشاشة اجتماعية ، ولابد ان نقمة والي بيروت التركي ” علي باشا ” عليه بعدما كتب قصيدته التي يقول فيها :

بني العرب فيم الصبر والحال ما نرى                   ويأبى علينا الخشف تاريخــنا قدما

وحتام نطوي العمر والليل دامــــــــس                   ونحتمل الإجحاف والضيم والظلما

سيكون لها أكبر التأثير في حياته ، حيث سيبدأ عهد جديد في باريس التي سافر إليها فرارا من عقابه ، لتكون العودة بعدها للديار المصرية بعد عامين للاستمرار في الاشتغال في حقل العروبة والدفاع عن القومية العربية، ولا يعني هذا الكلام أن مطران اشتغل بما هو خارج الذات وجعله محور شعريته فحسب، وإنما كان للمد الرومانسي الجارف أثره الكبير في شعره ، فكانت قصائده تعبيرا وجدانيا عما يختلج في باطنه من أحاسيس الحب والجمال في إطار موضوعي ، فكانت الوحدة العضوية سمة مميزة لقصائده الذاتية حيث يتشكل نص شديد اللحمة بين أبيات تترابط عراها وتتصل كماء منساب من منبع الذات ، لايكاد القارئ يجد بينمها أدنى فجوة أو صدع فتصدح القصيدة بالغنائية مستدعية روح الرومانتيكية الغربية الملأى بالشجن والمثخنة بالجراح.

ولعل الناظر إلى قصيدة الأسد الباكي التي يقول فيها :

دعوتك أستشفي إليك فوافنـــــي               على غير علم منك أنــــــك لي آس

فإن ترني والحزن ملء جوانحي              أداريه فليغررك بشري وإينـــــاسي

وكم في فؤادي من جراح ثخينة                يحجبها برداي عن أعين النــــــاس

أنا الأسد الباكي أنا جبل الأسـى                 أنا الرمس يمشي داميا فوق أرماس

يجد هذا التغني الحزين المعبر عن الإحساس بالألم على عادة ما فعل الرومانسيون ، فالجراح ثخينة في الفؤاد والحزن يملأ الجوانح والألم يعصر قلب الشاعر الباكي ، وكذلك قصيدته ” الجنين الشهيد” وقصيدته ” في تشييع جنازة” وما تنقلانه من صور الأحزان والبكاء والجراحات الدامية وما تحسه الذات الشاعرة تجاه حكايات أبطال هاتين القصيدتين من ألم يعتصر في داخلها ، كما ستصنع قصيدة المساء التي أعدها أيقونة التجربة الشعرية لشاعر القطرين ، لا لأنها احتفت بالذات والوجود الإنساني في متن شعري مختنق الأنفاس صادق الإحساس ، وإنما لأنها قصيدة استطاعت أن تفجر عبر كل مفردة معاناة الإنسان مستدعية جمالا وجوديا رومانتيكيا غاية في الروعة والبداعة أكدت أتم ما يكون الـتأكيد شاعرية مطران في أعلى القمم ، فهي قصيدة كانت تخرج كلماتها من قلب الشاعر قبل فكره وتنطق الباطن المحترق بالداء بكل صدق وأمانة مستشعرة جمال الوجود وصانعة مخيالها الشعري الفاتن من أبهى صور الطبيعة وهو الغروب في لحظة زمنية شديدة الإيحاء على النهاية وهي المساء التي جعلها مطران عنوانا شديد التناغم مع الدلالة الشعرية ، مذكرة إيانا بقصيدة رحل النهار للسياب وهو يستحضر عنصر الزمان للدلالة هو الآخر على الرحيل واقتراب الأجل المحتوم ، لكن المساء لمطران أخذت بعدا جماليا آخر على مستوى طبيعة الاستحضار الزماني الذي يعلن عنه الشاعر في آواخر القصيدة لا في أولها ليحقق انسجاما بديعا مع طبيعة الزمان الذي اتخذه رمزا جميلا للانتهاء وتوديع الوجود.

ابتكارية المعنى في قصيدة المساء

عبر الشعراء عبر التاريخ عن المعاناة والضيق النفسي والألم، فبين شاعر ينقل صورة المكابدة عبر رمزية الليل الطويل الذي لا ينهي الصبح عند حلوله ثقل المعاناة وآخر يجده بطيء الكواكب مليئا بالهموم وشاعر يطلب من الحمامة أن تشاركه الهموم وآخر عانى من الحمى التي تشتد وطأتها ليلا، فعدها مصيبة من مصائب كثيرة وصلت إليه من الزحام، وشاعر عربي حديث صور معاناته من المرض العضال مستدعيا رمزية أيوب النبي عليه السلام وهي صور بديعة لا تخفى شعريتها العالية، غير أن قصيدة المساء تميزت بابتكاريتها الجديدة التي أجدها أكثر فرادة من قصائد استدعت الزمن النهاري في متنها الشعري للتعبير عن الزوال والانتهاء والرحيل كما في رحل النهار لبدر شاكر السياب، حيث استدعاء النهار كان في بداية القصيدة ونهايتها خلافا لما صنعه مطران من تأخير لمشهدية المساء التي ارتضى لها الحيز النهائي في قصيدته ما حقق تناغما وانسجاما بين المساحة البصرية وطبيعة الزمان الدال على الانتهاء، وتبتدئ المساء ببوح الشاعر بالحرق والألم التي انعكس أثرها على قلبه وجسمه فأضناهما وسرى ذلك إلى عقله وروحه فهزهما هزا، فغدت الروح نسيم تنهد والعقل فاقدا لتوقده، ثم يعلن عن خسارته لعالم الحب وعالم الأدب الذي يمنح الفتى الخلود فلا هو من الذين عاشوا بحبوحة العيش ولا هو من الذين بلغوا المنزلة الراقية يقول مطران:

داء ألم فخلت فيه شفـــــــــــائي                    من صبوتي، فتضاعفت برحائي

يا للضَّعيفَيْن! اسْتَبَدّا بي، ومـــا                    في الظلم مثل تحـــكم الضعفاء

قلْبٌ أذابَتْهُ الصَّــبابةُ والْـــــجَوى                     وغـِـــــــــــــــــلالَةٌ رثَّتْ منَ الأدْواءِ

والروح بينهما نســيمُ تَنَهُّـــــــــــدٍ                       في حالي التَّصويبِ والصُّعداء

والعقل كالمصباح يغشى نورُه                     كَدَري ويُضعفه نضوبُ دمائي

هذا الذي أبْقَيْتِهِ يا مُنْيَـــــــــــــتي                     من أضْلُعي وحُشاشتي وذكائي

عُمْرُ الفتى الفاني وعُمْرُ مُـَخـلَّدٍ                      بِبَيانهِ لـــــــــوْلاكِ في الأحـْـــــــياء

فَغَدَوْتُ لم أنْعَمْ كذي جَهْلٍ، ولم                   أغْنم كذي عقل ضـــــــــمانَ بقاءِ

ثم يمضي مطران في محاولة للإجابة عن سؤال: هل لدائه من دواء؟ فيكون الجواب في مقاساة الاغتراب بأرض علّه يجد فيها العلاج لأسقامه يقول:

إني أقمت على التَّعِلَّةِ بالمُنى                  في غُرْبَة قالوا: تكونُ دوائي

غير أنه يشكك في قدرة الأرض الجديدة على تغيير حاله فتكون سببا في شفائه لِما يجده من اغتراب وضيق نفسي خانق يشعره بالعزلة والوحدة وسط دوامة الأحزان ، فيكون طوافه ضربا من الهذر والعبث ، فأرض الغربة لا تستطيع إخماد ما في نفسه من ألم وكمد حتى وإن استطاعت أن تبرئ جسمه لأن النفس لا تطيب إلا بين أحبتها وأهلها ، فيكون البحر ملاذ الشاعر يشكو إليه خواطره المضطربة لتجاوبه الريح الهوجاء ويلفي في الأفق المعتكر وخفق البحر شبها بما يجيش في خاطره من اضطرابات وقلق وأحزان ، على عادة ما يصنع الرومانسيون حين يحلون في الطبيعة ويجدون في عالمها المثل الضائعة في عالم المادة ويلفون فيها الأنس والعزاء والتخفيف من حدة اللواعج ، لكن عبر تصوير شعري مبتكر يجعل فيه الطبيعة التي انتقى عناصرها بعناية تتحول إلى مرآة عاكسة لأحاسيسه التي شغل فيها حواسه ما أضفى على الصورة حياة نابضة يحسها القارئ متحركة وناطقة يقول مطران :

عَبَثٌ طوافي في الــــــــــــبلاد وعِلَّةٌ                         في عِلَّةِ منْفايَ لاسْتِشْفاءِ

مُتفرد بصبابتي، متـــــــــــــــــــــــفرد                         بكآبتي، متـــــــفرد بعــــــــــــنائي

شاك إلى البحر اضطراب خواطري                        فيجيبني برياحه الـــــــــــهوجـاء

ثاوٍ على صخْرٍ أَصَمَّ، وليــــــــت لي                         قلبا كهذي الصخرة الصـــــماء

ينتابها موج كموج مـــــــــــــــكارهي                          ويفُتُّها كالسُّقْم في أعـــضائي

والبحر خفّاق الجـــــــــــوانب ضائقٌ                          كَمَدا كَصَدْري ساعةَ الإمــــساء

تغْشى البَرِيَّةَ كُـــــــــــــدْرَةٌ، وكأنها                          صَعدت إلى عينيّ في أحْشائي

والأفق مُعتكر قـــــــــــــــــريح جفْنُه                          يُغْضي على الغَمرات والأقْـذاء

فانظر إلى هذا الحوار بين الذات والبحر ليكون الجواب بدمدمة الرياح الشديدة وهو قابع فوق صخرة تمنى لو أنه كان يملك قلبها الصخري القاسي فلا يعتمل داخله أي إحساس وقد أصابها ماء الموج الذي يفتتها إلى حبات تنتشر كالمرض المنتشر في كل أعضائه، وهذا البحر رغم شساعته يبدو في عيني الشاعر ضيقا كصدره زمن المساء فتتراءى له كدرة غشت كل الخليقة وقد تسربت من داخل عينيه إلى أعماقه لتستقر فيها ويعتكر صفاؤها كالأفق الذي رسم له مشهدا فريدا من نوعه ، حيث جعله بغير صفاء يذكر متقرح العين المملوءة بالأقذاء ما أفقدها جمالها وصورتها الطبيعية المعتادة ، إنها لوحات مشهدية تتلاحق فيها صور ترسمها ريشة شاعرية بارعة، تمنحها حياة تنقل بصدق ودقة أحاسيس الشاعر،  ليفسح المجال للوحة أروع في معرض الغروب ، حيث يمتزج الفن والفلسفة معا ويمهد بهما إلى رسم اللوحة النهائية يقول مطران :

يا للغروب وما به من عِــــــــــبرة                            للمســــتهام وعبرة للرائي!

أو ليس نزعا للنهار وصَـــــــــــرْعَةً                         للشمس بين مآتم الأضواء؟

أو ليس طمسا لليقين ومــبعــثا                         للشك بين غلائل الظــــــلماء؟

أو ليس محوا للوجود إلى مدى                         وإبادة لمـــــــــــعالم الأشـــياء؟

حتى يكون النور تـــــــجديدا لها                       ويكون شـبه البعث عَوْدُ ذُكاء

إنها روح فلسفية تتأمل الغروب خارج الإطار الجمالي لتنقل رؤية وجودية تمثل إدراكا للحقيقة، فالغروب عبرة لكل راء يحمل دلالة النهاية وصرع للشمس ورحيلها وطمس اليقين ليحل الشك محله حين يسدل الليل ستاره البهيم فتختفي الأشياء وسط العتمة ما يجعله محوا وإبادة وسحقا لما يتبدى من الأشياء إلى أن يحل الصباح ويشرق الوجود من جديد، ولابد أن مطران وهو يسطر فلسفته للغروب يسطرها برقة الفنان وينقلها بعدسة الشاعر من زوايا مختلفة منحت تأملاته صبغة جمالية أخرجتها من دائرة الفلسفة إلى دائرة الشعرية التي ستتدفق أكثر عند استدعاء ذكرى الحبيبة والبوح بالمكنون، لتمتزج الذات في عالم الغروب وتجعل منه مرآة تعكس معاناة الذات التي تستلهم صور معاناتها من مشهد الحمرة الدامي وتقطر آخر دمعة في عين الشاعر برحيل الشمس في أفقها الغربي بين غمامتين يقول مطران:

ولقد ذكرتك والنــــــــــهار مــــــــودع                           والقلب بــــين مــــــــــهابة ورجاء

وخواطري تبدو تـــجاه نواظــــــــــري                         كلمى كدامية السحاب إزائـــــي

والدمع من جفني يسيل مشعشعا                         بسنى الشعاع الغارب المترائي

والشمس في شفق يسيل نضاره                          فوق العقيق على ذرى ســـوداء

مرت خلال غمامتين تحــــــــــــــدرا                            وتقطرت كالدمعة الحــــــــــمراء

فكأن آخر دمعة للكــــــــــــــون قـــد                          مزجت بآخر أدمعــــــــــي لرثائي

وكأنني آنسـت يومي زائـــــــــــــلا                            فرأيت في المرآة كيف مسائي

إنه يستدعي ذكرى الحبيبة ، مناجيا إياها ومقيما وجوها للشبه بين غروب شمس النهار وغروب شمس الحب في صورة شعرية لم تحتف بها الشعرية العربية من قبل ، حيث يمضي التقاط الصورة من صفحة السماء ، منطقة كل ما يجيش في داخل الشاعر من حرق وخواطر عبر ربط خيوطها بالطبيعة المسائية ، حيث السحاب مضمخ بالحمرة  والضياء ملتمع في الأفق الغربي ، والشمس تنثر ذهبها قُبَيْل الغسق، فترتسم لوحة فاتنة بريشة الكلمات تنقل اللحظة الزمنية بدقة عالية كأنما هو فنان في مرسمه ينقل تفاصيل المشهد باللون والظل والحركة، نقل يستنسخ فيه الشاعر مظهر الطبيعة التي يجد في صورها تماثلا يوافق حاله، فخواطره جريحة تسيل دما كحال السحاب المضمخ بالحمرة كأنما سالت منه دماء قانية، ودمعه ينسكب ملتمعا بضياء الشمس الغاربة لتغدو ذُكاء كقطرة حمراء في تحدرها نحو الأفق البعيد يجدها الشاعر دمعة أخيرة تمتزج بآخر أدمعه الباقية معلنا عن إحساسه بالانتهاء بعدما رآى في مرآة الطبيعة لوحة مساء زائل هو نفسه مساء الشاعر المنتهي.

لقد استطاعت قصيدة المساء أن تبني عالما شعريا جديدا، مبتكرا،  في ظل الانتماء والوفاء للتيار الرومانسي، خالقة فرادتها الشعرية المتعالية رغم قدم الموضوعة فإن شاعر القطرين أضفى عليها مسحة جمالية رائعة خاصة أثناء استدعائه للوحتين من الطبيعة كان البحر أولها والغروب ثانيها ليرسم مشهدا بانوراميا فاتن الجمال ممتلئا بالأحاسيس المتكسرة كموج البحر على شط الرمال والمعلنة عن نضوبها كقطرة شمس بين غمامتين تتحدر نحو الأفق البعيد، فقد تكلم الشعراء عن البحر وعن الغروب عبر التاريخ لكننا لا نعثر في الشعرية العربية مطلقا على صور من هذا القبيل جعلت الذات تتحد مع المشهد وتشحنه بأحاسيس الوداع والانكسار دون أن تفقده الجمال الذي يتمتع به في لوحة الطبيعة، إنه استدعاء نادر الحصول في الشعر العربي يشكل برفقة التلاوين الجميلة من توصيف للصبوة المحترقة وتأثيرها على العقل والروح والقلب والجسم ومحاورة للذات في سبيل الإجابة عن أسئلة القلق ومناجاة للبحر وفلسفة للغروب ، تلاوين اتحدت وتناغمت كأنها تعزف على وتر واحد ، صانعة عالما شعريا فريدا منح ” المساء ” قيمة شعرية عالية من بين قصائد كثيرة في الشعرية العربية.

ناقد من المغرب

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

العدد الواحد السبعون السنة السابعة مارس 2026

   

اترك تعليقاً