معرض” 60 سنة من الفن التشكيلي بالمغرب”، أهو سرد لتاريخ مرحلة من الفن أم معرض جماعي؟

محمد سعود*
لا شك أن المعارض التي توثق لمرحلة معينة من تاريخ الفن في أي بلد لما تقدمه من نظرة شاملة ومتماسكة لتاريخ الفن تعتبر مهمة جدا .ولذلك لا بد من توفر الأدوات والمعايير لإنجاحها . فالمغامرة في تنظيمها محفوفة بالكثير من المخاطر .
وفي سياق تجارب ذات علاقة بعرض مرحلة من الفن نذكر على سبيل المثال لا الحصر المعرض التاريخي للفن البلجيكي 1830-1880 الذي شمل أبرز الأعمال التي أنتجها الفنانون البلجيكيون على مدى نصف قرن من استقلال بلجيكا . وكان لهذا المعرض وغيره من المعارض التي لها طبيعة سرد تاريخي لتطور الفن دور هام في الكشف عن التراث الفني على امتداد حيز زمني معين لدراسته ونشره. كما تُتيح لنا مثل هذه المعارض الاطلاع على أهم الاتجاهات التي اشتغل ضمنها الفنانون للكشف عن تنوعها وتطورها دون مفاضلة بين الاتجاهات والأساليب في عرضها ليتمكن المتلقي والباحث من إلقاء الضوء على تطور الفن في بلده . ولن يتأتى نجاحها إلا بهندسة فضاء العرض ووضع استراتيجيات واضحة ومتنوعة للوساطة الثقافية لاستقطاب أكبر عدد من الجمهور بمراعاة اهتماماتهم وذلك بتنويع أساليب العرض خاصة في هذا العصر الذي يشهد ثورة تكنولوجية هائلة تساهم بشكل كبير في تجويد هذه الأساليب ومنها الاستعانة بتقنية الواقع المعزز والشاشات التفاعلية وكل وسائل الإيضاح الممكنة . كما أن اختيار أي رقم يكون بدقة متناهية فبالنسبة لمعرض بروكسيل ارتبط بسياق تاريخي له رمزيته الوطنية . ولم يكن الرقم اعتباطيا بل له حمولته الرمزية ، وفي المغرب كانت تجربة مرتبطة بنفس السياق وهي ذكرى استقلال المغرب حين نظمت “جمعية اللمة” قبل عشرين سنة معرضا لخمسين فنانا وفنانة بفضاء أرفال بالدار البيضاء وتم فيه توحيد المقاييس والأثمنة وسنة إنتاج اللوحات ولكن دون الإشارة أو حتى التلميح بأن هذا المعرض يمثل نصف قرن من الفن في المغرب .مما جعل المعرض جماعيا فقط ولكن ذا قيمة كبرى في مسار المعارض الجماعية . بينما المعرض الوطني الذي جرى افتتاحه يوم 6 يناير 2026 ب “60 سنة من الفن التشكيلي بالمغرب”، المنظم من طرف النقابة المغربية للفنانين التشكيليين المحترفين، بدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل- قطاع الثقافة، وبشراكة مع متحف بنك المغرب ودار الفنون – مؤسسة المدى يبقى السياق في اختيار رقم 60 مجهولا، مما طرح أسئلة مشروعة حول مفهوم هذه العقود الستة . . ومما زاد الالتباس في هذا المعرض تزامنه مع إصدار معجم الفنانين في المغرب من نفس الجهة التي نظمته . وبِرٓبْط الأسماء التي وَرَدَتْ في المعجم بِالَّتِي شاركت في المعرض نلاحظ أنه تم إسقاط نصف العدد مما يطرح سؤالا حول هذا التناقض. لأن الجهة التي اعترفت بالفنانين في المعجم هي نفسها التي نظمت المعرض .. والتوضيح الذي أصدرته النقابة الوطنية يعد اعترافا صريحا بإسقاط أسماء وازنة ، والمبررات لا تستقيم في ظل وجود بدائل كَأَنْ يتم استبدال المجموعة الأولى بمجموعة ثانية من خلال تقسيم مدة العرض على المشاركين . فإذا كان متحف اللوفر الذي يؤرخ ل 5000 عام من تاريخ الفن، يستبدل كل سنة نسبة 20 في المائة من معروضاته فأين المشكل إذا سار المشرفون على استبدال المجموعة الأولى بمجموعة أخرى لتجاوز الإكراهات التي حصرتها اللجنة في عدم وجود فضاءات للعرض والتي كان من المفترض التفكير فيها من خلال هندستها مسبقا . وبدل معالجة المشكلة سيتم نَقْل الحَدَثِ لمدن أخرى بنفس الفنانين وهذا ما يجعل هذه التبريرات لا قيمة لها مادام الإصرار في المضي قدما بنفس الشكل والأسماء.

والمسؤولية هنا تقع على الدولة لأنها الكفيلة بتنظيم معرض من هذا النوع والحجم لأنه يسرد تأريخ مرحلة كما فعلت بلجيكا حين أشرفت الدولة عليه ونزلت بكل ثقلها لإنجاحه، وذلك بإشراك كل الباحثين في المجال وكذلك الرواقيين وجماعي الأعمال الفنية والمتاحف وليس النقابة لوحدها التي من المفروض أن تكون طرفا في التنظيم وتقدم مقترحات. إضافة إلى الدفاع عن حقوق الفنانين ومالكي الأعمال الفنية من حيث التأمين والحماية وكذلك الدفاع عمن تعرضوا للإقصاء رغم توفر شروط ومعايير الانتقاء . فمثل هذه المعارض ليست ترفا أو خاضعة لمزاج أشخاص، فحَدَثٌ فني تاريخي بهذا العنوان والحجم كان على الجهات المنظمة له أن يتم الإعلان عن معايير المشاركة فيه . كما أن وزارة الثقافة التي تعتبر وصية على قطاع الفنون في المغرب وكانت مشاركة فيه لا يَحْضُرُ منها إلا الاسم ومُغَيَّبَة في الانتقاء والاختيار ما عدا توفير القاعات والدعم المادي ،ولذلك لم نجد في بلد يعاني في هذا القطاع تنظيميا وماديا أي أثر للمديريات الموجودة في كل جهات المملكة التي كان عليها على الأقل في غياب الكثير من الشروط الموضوعية أن تؤدي دورا كبيرا في عملية الانتقاء بترشيح فنانيها على لجنة الانتقاء، وإقصاء المديريات أدى بدوره إلى تغييب الكثير من الجهات من المشاركة، إضافة إلى الفنانات والفنانين الذين سمحت لهم وزارة الثقافة بعرض أعمالهم في أرقى أروقتها وهي: باب الرواح والباب الكبير وقاعة محمد الفاسي ، وغياب بعض الفنانات والفنانين الذين شاركوا في هذه القاعات المرجعية يعد ضربا في مصداقية وزارة الثقافة وضربا أيضا في كل من اختارتهم الوزارة ليكونوا في لجان التحكيم وتم إصدار أسمائهم في الجريدة الرسمية. هذا دون ذكر بعض التظاهرات الفنية التي تتوفر على قاعدة بيانات مهمة للفنانات والفنانين المشاركين فيها .والدليل أن الأسماء المشاركة في مجموعة اللمة والمعارض الوطنية ذات المصداقية تم تغافل الكثير منها رغم أن رصيدهم الفني يتجاوز عقدين من الزمن .
ونتيجة كل هذا وذاك كانت سطوة بعض فناني المركز وإقصاء فناني الهامش َسواء في الصباغة أو النحت أو الأشكال الأخرى من التعبير هذا إذا أخذنا بما ورد في العنوان بالعربية، لأن العنوان في حد ذاته يطرح إشكالا كبيرا . فتوصيف نوع الفن بالعربية ليس هو ذاته بالفرنسية . هذا من الجانب الداخلي أما من الجانب الخارجي فتم إقصاء فناني المهجر وكأنهم ليسوا مغاربة مع العلم أن الكثير منهم أسهموا في إثراء الحركة التشكيلية في المغرب لمدة عقود وكانوا خير سفراء لبلدهم سواء في أستراليا أو فرنسا أو إسبانيا أو النمسا أو أمريكا أو الخليج العربي أو دول أخرى وكأن المعرض دوري لتظاهرة رياضية . علما أن هذا المعرض لا علم للكثيرين به، وغابت فيه كل أشكال التواصل سواء العمودي أو الأفقي ،وحتى لو كان عموديا وبشكل هابط فكان على الأقل أن تتوفر فيه المعايير الموضوعية. فبعد الإعداد له سرا تم الإعلان عن المشاركات والمشاركين بطريقة مفاجئة.
فمثل هذه المعارض وبهذا الحجم لا تحتمل هوامش كبيرة للخطأ . لأنها تتجاوز مفهوم المعارض الجماعية وتؤرخ لمرحلة محصورة في ستين سنة ويجب اختيار الفنانين الذين أثروا المرحلة بإبداعاتهم ، لأن ما يقارب سبعين فنانة وفنانا بلا إشعاع ،هذا دون الحديث عن بعض الأسماء المعروفة فقط من خلال الاسم. فطريقة الاختيار لم تخضع لأية معايير موضوعية وإن وجدت لم يتم الإفصاح عنها تجنبا للكشف عن تناقضاتها . فقد خضعت ببساطة للكثير من الأمزجة والعلاقات الشخصية ولذلك كان التواصل عموديا هابطا يتلقى فيها الفنان دعوة للمشاركة على حين غفلة دون تقديم أي ملف . وهي المعضلة التي أصبحت تنخر كل قطاعات وزارة الثقافة التي تكيل بمكاييل مختلفة دون تقدير للمسؤولية المنوطة بها ولا احترام للمبدعين ، كما لا تقدم لِجانُها أية مبررات عن سبب الرفض رغم أن هذا منصوص عليه قانونيا كما أن حق الطعن المكفول بدوره قانونيا مجرد حبر على ورق . وأرقام الهاتف الموضوعة رهن إشارة الفنانين في مديرية الفنون ترن دون أن يجيبك أي أحد ولا زالت ترن إلى حد الآن دون رد. . كما أن النزعة الانتقامية لازالت سارية المفعول والدليل هو رفضهم تجديد بطاقتي منذ اكثر من سنة رغم توفر كل الشروط والمعايير وما يفوقها بعشرات المرات . وذلك لحرماني بالمشاركة في الندوات ولجان التحكيم والتكريمات رغم أني في الحالات الأخرى لا حاجة لي بها ، ولم يسبق أن تلقيت دعما من الوزارة لا في معرض ولا اقتناء لوحة ولا أي مشروع . نكتفي بدفع الضرائب ليستفيد منها الآخرون ، خاصة بعض الفنانين الذين يحصلون على الدعم من المغرب ويدفعون الضرائب لدول أخرى .
فهذا الحيف يحدث في كل القطاعات منها توزيع الدعم حيث أصبح أشخاص يقتاتون منه بطريقة مستمرة ولا يقدمون أي شيء ماعدا بعض الحالات القليلة . وصار هذا الدعم المقدم بهذه الطريقة وَبَالاً على الفن وأضحى التَهافُتُ عليه أكثر من التهافت على الإبداع وتقديم الجديد .وبمراجعة اللوائح نلاحظ أن بعض الأسماء هي التي تستفيد دائما من الدعم المقتطع من أموال الشعب وكأنه تركة ورثوها عن آبائهم .أما لجان بطاقة الفنان فتخضع في غالبها لتصفية حسابات مع فنانات وفنانين لهم وزن في الساحة الفنية وتوزع على أشخاص لا علاقة لهم بالفن ،ولهول الفضيحة تعطى حتى لحراس الأمن.
وعلى العموم فإن مثل هذه المعارض تحتاج إلى إعداد قبلي قد يستغرق عدة سنوات ويشارك فيه كل المهتمين بالشأن الفني كما أسلفنا الذكر. وأن تخضع في تصميمها لمرونة كبيرة تسمح بإجراء تعديلات محتملة كالتناوب مثلا بين الفنانين. دون أن يكون لهذه التغييرات تأثير على المعرض. مع الاستعانة بتقنيات جديدة في العرض كالشاشات التفاعلية وكذلك بعض المرشدين الذين لهم دراية بالفن. فهذه المعارض مهمة جدا ولكن لا بد من توفر شروط موضوعية لنجاحها. كما أن على النقابة الوطنية مراجعة الكثير من الأمور في آليات اشتغالها في جميع المجالات لأن مهمتها الدفاع عن الفنانات والفنانين وليس خلق شروخ تتسع يوما بعد يوم .وأن تسمح للانخراط فيها وإلا كانت مجرد جمعية كباقي الجمعيات. فعلا هناك مبادرات نثمنها ونعززها ولكن ستكون أفضل بتوسيع دائرة التشاور وإشراك كل الفعاليات التي يمكن لها أن تقدم إضافات لحقل الفنون البصرية في المغرب .
فنان تشكيلي وباحث في الجماليات من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي