أخبار عاجلة
الرئيسية / الأعداد / العدد الواحد والسبعون / أعمدة ثابتة / الخفاش رحلة قروي من السبحة إلى اللحية ( الجزء الحادي عشر)

الخفاش رحلة قروي من السبحة إلى اللحية ( الجزء الحادي عشر)

فصل من رواية

الخفاش رحلة قروي من السبحة إلى اللحية ( الجزء الحادي عشر)

المصطفى أسدور*

مولوعْ حين يشدها الحنين، تغالب دموعها، وتتذكر تلك الأحلام التي رسمتها بعَرائسَ من قصب، تختلط عليها المشاعر، وتشتعل فيها تلك الرغبة القوية في الضحك والبكاء، والرغبة في الرحيل، فتحاصرها أحلامها البسيطة، ومشاريعها الصغيرة، ونظرتها الحالمة بغد أفضل، وكل ما تحلم به أي فتاة في بيئة قروية بسيطة، رجُلٌ تعيش في ظله، وأولاد يملؤون عليها الدنيا، وبيت، لابأس أن يكون كوخا، مجرد كوخ يملأه زوجان بدفئهما وحرارة ودهما، ولا بأس من أن يحلما ببضع رؤوس من الغنم، وأما إن ضحكت الدنيا في وجههما، ببقرة، تمنحهما حليبها ولبنها وزبدتها، وفي كل سنة أو أكثر بقليل يُطل عليهما عجل صغير، يملأ الزريبة بالعطاء والأمل، ومع كل عام تزداد بعض الحِملان والجِداء، فيكثر صياحها، مع صياح الدِّيَّكة التي تحرص على الاستيقاظ مبكرا، معلنة بداية يوم جديد من الكدح والجد والعمل، ففي العالم القروي لا قيمة لوقت بدون عمل، ولا حياة بدون كدح، وكل شيء يتحول إلى نبع من السعادة بعد يوم من العَرقِ والتعرق في الحقول والمراعي، ففلسفتهم في الحياة: “اخْدَمْ يَا صُغْري علَى كُبْري”.

حين حلت مولوعْ بهذا العالم، ملأته شغبا وشقاوة، ولم يعد والدها يشعر بقيمة الزمن، فكل لحظة يحض فيها هذه الطفلة الملاك، كانت تمثل رحلة على بساط السعادة، لا تتوقف إلا حينما تستسلم إلى النوم، فقط في تلك اللحظة يُدرك أبوها أنه كان في حُلم جميل.

لم تكن فاتنة في جمالها مُولُوعْ، لكنه جمال قروي بسيط ترى كل شيء فيه انسيابيا، إلا العيون، فمنذ أن كانت رضيعة كانت تستوقف الناظر إليها، وكانت النساء كما جرت العادة، تحاولن يائسات تشبيه عيونها بأحد الأقارب، فقد كانت عيونها، آه من تلك العيون يا مُولُوعْ، ففيها دهاء وجمال، هي مجرة أنبتت العشب في طياتها، وأما السواد فقد تحول إلى لآلئ في عيونها، مُولوعْ أمُّ العِيدْ، لا بل هي العيدُ، فكل شيء فيها فرحة وبهجة وسرور، فأي عالم هذا الذي حول هذا النبع من الحياة، الخلاب المنساب، إلى وحشة القبور ورهبة الموت، إلى مومياء كل شيء فيها يدعو إلى الخوف والفزع، أي عالم وأي ظلم وأية قساوة تلك التي قتلت فيك الحياة، مُولُوعْ؟

تتذكر كَبُّورة أول قدومها أن نساء الدُّوَّار كن يتحدثن عن قصة مُولُوع ويُفضن في الحديث، فقد اضحت في عيونهن أيقونة الوجع. وكيف اختطف الموت أباها، واختطف وَلْدْ المَحْفُوظ أمها، ثم اختطف منها ما تبقى من حقل كان موردها الوحيد، وكيف اختطف الأطفال راحتها، واختطف الكبار كبريائها بصمتهم الأسود القاتم البغيض.

تداولت النساء الكثير من الأخبار منها ما هو حقيقي ومنها ما هو من نسج الخيال أحيانا، لكنها شغلت حيزًا من تفكير كبورة، قبل أن تراها لأول مرة، في تلك المرحلة بدأت مُولوع تتعرض لموجات من الغضب المدمر لكل خلية من كيانها، وحين لا تكون غاضبة تلتزم الصمت، وصمتها كان أكثر ما يخيف النساء.

في تلك الفترة كانت أمها رُقَيَّة على قيد الحياة، فكانت تُواظب على زيارتها، وتطلب منها العيش معها، لكن مُولوعْ لا تشك لحظة أن هذا الذي سولت له نفسه الزواج من أرملة ابن عمه، والاستحواذ على أرضها، لا يمكن إلا أن يكون وراء مقتل أبيها بتلك الطريقة المروعة، فلا يمكن للسقوط من على ظهر الحمارة أن يؤدي إلى مقتل راكبها، وليتها كانت حمارة مكتملة ضخمة، فقد كان بَلْعيدْ اللهْ يْرَحْمُو حين يركبها، تُلامسُ قدماهُ حواشي الطرقات الضيقة من قصر قامتها، حتى الأطفال لا يجدون صعوبة في ركوبها، وكم مرة سقط الأطفال عن ظهرها ولم يصابوا بأذى، ولو سقط المرء على قفاه من علو تلك الحمارة فلن يصيبه سوء، وبالأحرى أن يموت.

تلك القصة سمعتها كًبورة من عدد من النساء، وسمعتها مرة بشكل غامض من مُولوع نفسها، في زيارة عابرة قامت بها للدُّوَّار. ولا يمكن على أي حال الجزم بصحة هذه الرواية أو تلك، ولا بتغليب سردية معينة على سردية أخرى، ففي هذا العالم المليء بالحراشيف والقواقع، يصعب على الغريب أن يصل إلى كنه الأشياء وحقيقتها، وما بالك بكنه الناس وحقيقتهم.

وكأنها بُعثت من جديد، تحولت مُولوع إلى امرأة خَلَويَّةٍ “مْخَلْوْيَة”، تتحدث عن الموت والقبور وأهوالها، والقيامة وعذاباتها، وكانت تنذر كل من التقت بها من النساء بعذابات لا تخطر على بالهن:

  • وَا سَمْعُونِي مَزْيَانْ يَا العْيَالَاتْ، هَادُوكْ الْسَانَاتْ لِّي بَيَّاكلْهُمْ الدُّودْ، هُمَا لِّي بَايْجِيبُوكُمْ عْلَى ݣفَاكُمْ فَالزُّوبْيَا، غَادِي تْعَلَّݣْكُمْ المَلَايْكَة مَنْ زْغَبْ رَاسْكُمْ، أُوالمُخْ يَبَرْبَرْ مَنْ جَهْنَّمَ، أُوكَايْنَة لِّي بَتْعَلَّݣْ مَنْ لْسَانْهَا، أُوالمَلَايْكَة يَخْوُو لِيهَا زَمْهَرِيرْ فِي فُمْهَا..

تحولت مُولوع من حينها إلى امرأة تنتمي إلى عالم آخر وقد كُشف لها الحجابُ، فرأت ما لم يره غيرها من أهوال يوم القيام وعذابات القبر، ذاع خبرها بين نساء الدوار، ومنهن من اعتقدت أنها مجذوبة، وأن لديها ارتباط بالأرواح، فالسَّكَنُ على حافة تلك الحفرة الكبيرة في طرف الدوَّار، لا بد وأن يؤدي إلى هذا الحال، فتستوطن الأرواح في الجسد، ويصير ملاكًا ينظر إلى العالم العلوي وكأنه يراه، أو شيطانا يسترق السمع.

لم تعد مُولوع مثار سخرية ولا يقربها الأطفال، بل صار الأطفال وحتى بعض الكبار يتجنبون الاقتراب منها مخافة أن تسكنهم الجن والأرواح. بعض الزائرات تختلس الفرصة لزيارتها منفردة حاملة إليها قطعة نقود أو قطعتين، مع بعض الأسئلة التي لا تخلو من مكر وخبث:

  • يَا وِيلْكُمْ يَا العْيَالَاتْ، أُو كْحَالْتْ فِيكُمْ، إلَا عْرَفْتُو آشْ يَتْسَنَّاكُمْ، مَاغَادِي دُّوزْ لِيكُم الُّلݣْمَة، شُفْتْ أو الشُّوفْ مَا يبرَّدْ الجوفْ، شُفْتْ عْيَالَاتْ مْعَلْݣاتْ مَنْ لَبْزَازَلْ، أُو يَاكْلُو فَلْحَمْهُمْ اللهْ يْنَجِّينَا أُو يْنَجِّيكُمْ مَنْ فْعَايْلْهُمْ، شُفْتْ عْيَالَاتْ مْكَتْفَاتْ رْجْلِينْ أو يْدِينْ، دَايْرِينْ بْيهُمْ العْݣَارَبْ أُو بُوسْكَّاوَاتْ، اللَّكْعَة تْذَوَّبْ اللْحَمْ.

(…) “ورأيت امرأة عمياء في تابوت من النار يخرج دماغ رأسها من فخذيها وبدنها يتقطع من الجذام والبرص، ورأيت امرأة معلقة برجليها في النار، ورأيت امرأة تقطع لحم جسدها في مقدمها ومؤخرها بمقارض من نار، ورأيت امرأة تحرق وجهها ويدها وهي تأكل أمعاءها، ورأيت امرأة رأسها رأس خنزير وبدنها بدن حمار وعليها ألف ألف لون من بدنها، ورأيت امرأة على صورة الكلب والنار تدخل من دبرها وتخرج من فمها والملائكة يضربون على رأسها وبدنها بمقاطع من النار، فقالت فاطمة: حسبي وقرة عيني أخبرني ما كان عملهن وسيرهن حتى وضع الله عليهن هذا العذاب فقال صلى الله عليه وآله وسلميا بنيتي أما المعلقة بشعرها فإنها كانت لا تغطي شعرها من الرجال، أما المعلقة بلسانها كانت تؤذي زوجها، أما المعلقة بثديها فإنها كانت تمتنع عن فراش زوجها، أما المعلقة برجلها فإنها كانت تخرج من بيتها بغير أذن زوجها، أما التي تأكل لحم جسمها فإنها كانت تزين بدنها للناس، أما التي شد رجلاها إلى يداها وسلط عليها الحيات والعقارب فإنها كانت قليلة الوضوء قذرة اللعاب وكانت لا تغتسل من الجنابة والحيض ولا تنظف وكانت تستهين بالصلاة، أما العمياء والصماء والخرساء فإنها كانت تلد من الزنا فتعلقه بأعنق زوجها، أما التي كانت تقرض لحمها بالمقارض فإنها كانت قوَّادة، أما التي رأسها رأس خنزير وبدنها بدن حمار فإنها كانت نمامة كذابة، أما التي على صورة الكلب والنار تدخل من دبرها وتخرج من فمها فإنها كانت معلية نواحه، ثم قال صلى الله عليه وآله و سلم: ويل لامرأة أغضبت زوجها وطوبى لامرأة رضى عنها زوجها”.

تحَوَّلت مُولُوع الهَاتْرَة إلى مُولُوعْ “المَجْدُوبَة”، ومولوع المْرابطة، والمسكونة، كلٌّ يناديها ويصفها بما يعتقد أنها قوة تُوصله إلى السمَاء، فالمْجَاذِيب الذين يجولون ويجوبون الأسواق ويسكنون الخلوات، وعليهم ما عليهم من الوساخة والعفن والقذارة أحيانا، وينامون في مرابض الحيوانات وأينما واتتهم الفرصة، يُنظر إليهم نظرة توجس، لأنهم يمتلكون السر ومعرفة “الخفاء” والبركة، ومنهم من يمتلك القدرة على شفاء الأمراض والعاهات، وغيرها، فلِمَ لا تكون مُولُوعْ، وقد علت وجهها إشراقة الأصفياء، وتُجزم من تزورها من النساء، أنها ومنذ أن اغتسلت بالماء الدافئ والغاسول وبعض أوراق السدر- ومن النساء من تقول أنها اغتسلت ببعض ماء زمزم- ومُولُوعْ تزداد إشراقا وهدوءً يوما بعد يوم.

حميدْ كانت لديه قراءته الخاصة لما حدث مع مُولُوعْ، بعيدة كل البعد عن السماء والبركة، وغيرها، فحين يحدثه البعض عنها، مع ما يعتري ذلك من تلميحات مغرضة، كان يجيب بكلام بالكاد يفهمه هو نفسه، لأنه في كل مرة يحدث فيها شخصا، كان ينهي كلامه بسؤال اصبح لازمته:

  • واشْ فهمْتْ بعدَا آش ݣُلْتْ ليك؟

وحين يُجابهه الطرف الثاني بالصمت وتدوير العيون وامتعاض الشفاه، يُعقب حميدْ:

  • فْهَمْتْ يادْ أنا، بْقا غِيرْ يْفَهْمُو الأنْعامْ

وكانت هذه طريقته في التخفي والتحايل أثناء الشتيمة، فيعرف كيف يختار الكلمات التي تقول كل شيء وتثير اللبس وتولد الحيرة، فالأنعام أفضل وأذكى في التعبير من البهائم، وحتى لا يقول “الحمير”.

وهو طفل صغير، كان حميد يعشق الضوء، وقبل النوم، كان يهوى مداعبة شموع البيت، كان يحرص على جمع تلك القطع المتبقية منها، والموَزَّعة في كل زوايا البيت، الملتصقة على بعض الأشياء كيفما اتفق، علبة زيتون مخلل فارغة، غطاء طاجين مكسور، علبة أعواد الثقاب، زبدية مكسورة، فكل شيء متوفر في البيت يصلح شمعدانا، حتى بعض الأماكن التي لا تخطر على بال  تصلح لتثبيت الشموع، وضوؤها كان يضفي على تلك الأشياء البسيطة جمالا ورونقا ويبعث فيها الحياة، فيصير لها ظل يتراقص مع الشعلة، والشعلة بدورها تتراقص من الهواء القادم من خارج حجرة النوم.

وكمَا الأطفال، وكما هو حميد، كان هواءُ القرية يعشق الضوء مثل الأطفال، فلا يتردد في اختراق تلك الشقوق الصغيرة على نافذة حجرة النوم أو ما يشبه النافذة. حين يتذكر حميد تلك الأيام الغارقة في عالم الصبى والطفولة، تأسره الذكرى، ولا يتعب من الحكي والرواية، يستحضر تلك اللحظات التي كان فيها أبوه يعد بعض لوازم البيت، من الأشياء البسيطة المتوفرة:

  • فوالدي، الله يْرْحَمُو وَالدي، كان له بعد سريالي في كل شيء، يمزج بين القصب والخشب وقطع الكارتون؛ وأشياء أخرى لا ندري من أين يأتي بها، ولا كيف حصل عليها، لكنه يباغتنا بقدرته على صناعة الأشياء التي تحتاجها أمي في يومياتها الرتيبة، وما نحتاجه نحن الصغار ايضا، هكذا صار لحجرتنا نافذة، فوالدي كان فنانا..

آه ! يكاد ذكر والده ينسينه ضوء الشموع، فكلما رأى شمعة متربعة على كثلة من الشمع المتصلب على شيء ما، يتذكر والده، يبتسم ويتساءل:

  • لماذا رحل عاشق الضوء مبكرا؟

سأل من هم أكبر منه سنا: لماذا رحل؟ قالوا: إنه مات!

  • وهل يموت مثل والدي؟ هل يموت من يعشق الضوء؟

عَمَّتُهُ وقد أصابها الحرج والحزن من سؤاله، حاولت مداراةَ دمعتها بقطعة من قماش أشبه ما تكون بالصوف المتصلب على الخراف حين يصيبها المطر، قالت له عمته:

  • إن أباك ذهب إلى القبر!

فسألها:

  • أفي القبر شموع؟

شاحت بنظرها عن عيونه المتلهفة:

  • لَقْبَرْ ياوْلِيدي ظَلْمة.

غلبتها دمعة، وغلبته ابتسامة، وسألها:

  • عَمَّتي أهناك تسكن “سْحَاتْ الليلْ؟

 

لا أحد من أهل القرى والبادية، ولا من غيرهم يعلم لم سُمِّي طائر الخُفَّاش بــ”سْحَاتْ الَّليْلْ”، وما هي علاقته بكلمة “سحاء” التي وردت في حديث نبوي بمعنى دوام العطاء والكرم والسخاء؟

سرحت به أفكاره بعيدا، تخيل والدَهُ يعيش مع سْحاتْ الليلْ، وهو الذي كان يعشق النُّورَ ويعشق ضوء القَمَرِ والشموع:

  • كان أبي يستمتع وأنا أنقشُ الوديان والأخاديد، وأصنع بعض الأشكال الغريبة من الشمع الذائب، آخذ قطعة سمارٍ من أطراف حصير متهالك، وأبدأ في تشكيل الكثير من الأشياء.

حينما يستذكر حميد، فلا حدود معه للذكرى:

  • أحيانا كنت آخذ قطعة شمع ذائب أُكوِّرها بين أصابعي، أرمي بها في فمي ألوكها كما ألوك علك فْلاشْ  ذو رائحة نعناع “فْلِيُّو”، وحين أتعب من لَوْكِ الشمع وتدويره في شِدْقيَّ، أخرجه من فمي، أدنوه من شعلة الشمعة، فتحدث تلك الفرقعات التي تشبه صوت حديد حام غُطِّس في ماء باردٍ:
  • كَشْشْ.. كَششْ،

روائي من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

 رحلة الضوء في مسيرة الفنان مهند الشاوي

box type=”shadow” align=”aligncenter” class=”” width=””] رحلة الضوء في مسيرة الفنان مهند الشاوي[/box]  رحلة الضوء في …

اترك تعليقاً