حوار مع هايكيست
حوار مع الهايكيست حسن أبو قطيش

حاوره الشاعر الحسَن الگامَح
بين ضفاف الخاطرة، وعمق القصة القصيرة، وسحر “الومضة”، صاغ أبو قطيش تجربته التي توجها بكتابه “ضياع يشبه الضباب”، ليثبت أن الكتابة ليست مجرد رص كلمات، بل هي “عين” ترى ما لا يراه العابرون. وفي هذا الحوار، نغوص معه في فلسفة الهايكو العربي: هل هو مجرد استنساخ للتجربة اليابانية أم أنه إعادة صياغة للروح العربية في قالب عالمي؟
يحدثنا أبو قطيش عن شغفه بالطبيعة، ودوره كعضو محكم وناقد في رفد الحركة الأدبية، ويكشف لنا عن مشاريعه القادمة التي تتأرجح بين سحر الهايكو وعوالم الرواية الفسيحة.
ورقة عن الهايكيست حسن أبو قطيش
حسن أبو قطيش، عضو اتحاد الكتّاب والأدباء الأردنيين،
من مؤسسين نادي شعراء الطبيعة هايكو الأردن، من مؤسسين نادي شعراء الوصف والطبيعة الهايكو الأردني، وعضو اتحاد القيصر للآداب والفنون، وعضو التجمع الأدبي للإبداع، وعضو المنتدى العربي الثقافي، وجميعها مؤسسات ثقافية فاعلة ضمن المشهد الثقافي في المملكة الأردنية الهاشمية وتحت مظلة وزارة الثقافة الأردنية.
أكتب في عدد من الأجناس الأدبية الحديثة، منها الخاطرة الأدبية، القصة القصيرة، الهايكو، والومضات القصصية، ولدي شغف خاص بالشعر مع بعض المحاولات الشعرية.
صدر لي كتاب خواطر بعنوان “ضياع يشبه الضباب”، كما شاركت مع عدد من الكتّاب في كتب جماعية مشتركة.
شاركت في العديد من الأمسيات الثقافية والأدبية في أكثر من منتدى ثقافي داخل الأردن،
ناقد بكثير من الكتب الصادرة والنصوص المنشورة.
وأسهمت كذلك في تحكيم مسابقات أدبية لدى عدد من المنتديات الثقافية، في إطار دعم الحركة الأدبية وتشجيع المواهب الجديدة.
1- لكل تجربة بداية، كيف اختارك هذا الحقل الشعري؟
البداية كانت مع القراءة الواسعة للأدب الحديث، حيث شدّتني النصوص المكثفة التي تختصر المشهد الإنساني في لحظة خاطفة.
وجدت في الهايكو مساحة للتأمل والتقاط التفاصيل الصغيرة التي قد تمرّ دون أن ننتبه لها.
شيئًا فشيئًا أصبحت أرى العالم بعين الهايكو؛ لحظة، صورة، إحساس، ثم ومضة لغوية تختصر المشهد كله.
2- كيف اكتشفت شعر الهايكو؟
اكتشفت الهايكو عبر قراءات متفرقة في الأدب العالمي ثم العربي، ولاحظت أن هذا الفن يقوم على الاختزال والتأمل والدهشة.
ومع الوقت وجدت أن هذا النوع ينسجم مع ميلي إلى الكتابة المكثفة، خاصة أنني أكتب الومضة والخاطرة والقصة القصيرة جدًا.
3- ما سر اهتمامك بهذا النوع الشعري؟
أعتقد أن سرّ جاذبية الهايكو يكمن في قدرته على التقاط لحظة إنسانية أو طبيعية عابرة وتحويلها إلى صورة شعرية.
إنه شعر يقوم على الاقتصاد اللغوي لكنه غني بالدلالة، وهذا ما يجعل كتابته تحديًا جميلًا للكاتب.
4- ما الكتب أو التجارب التي تركت بصمة لديك؟
القراءة المتنوعة كانت دائمًا مصدر إلهام لي؛ سواء في الأدب العربي أو العالمي.
كما أن متابعة تجارب الكتّاب العرب في الأجناس الأدبية الحديثة، مثل الومضة والهايكو، ساعدتني على تطوير رؤيتي في الكتابة.
وكذلك المنتديات الثقافية في العالم الأزرق التي تهتم بالهايكو
مثل نادي الهايكو العربي
ونادي الهايكو الحر ومنتدى نبض الهايكو والأندية الأخرى وأصبح لكل بلد نادي هايكو يحمل اسمه.
وكنت دائمًا متابع ومتطلع على الكتب التي تصدرها هذه الأندية، كتب ورقية أو إلكترونية.
5- كيف ترى حضور الهايكو في البيئة العربية؟
أرى أن الهايكو بدأ يأخذ مكانه تدريجيًا في المشهد الأدبي العربي، خصوصًا مع انتشار وسائل النشر الرقمية التي سمحت للنصوص القصيرة بالوصول السريع إلى القرّاء.
من الناحية النقدية يمكن القول إن الحديث عن “هايكو عربي” ما يزال موضوعًا مفتوحًا للنقاش أكثر منه حكمًا نقديًا نهائيًا. فالهايكو في أصله جنس شعري ياباني نشأ ضمن سياق ثقافي وجمالي محدد، يرتبط بالطبيعة اليابانية وبفلسفات التأمل والبوذية الزِنّية، إضافة إلى التزامه ببنية إيقاعية وشروط فنية معروفة. وعندما انتقل هذا الفن إلى اللغات الأخرى، ومنها العربية، لم ينتقل بشروطه كاملة، بل خضع لعملية تكيّف ثقافي ولغوي.
لذلك يرى بعض النقاد أن ما يُكتب عربيًا تحت مسمى الهايكو هو تجارب شعرية متأثرة بالهايكو أكثر من كونه امتدادًا مطابقًا له. فاللغة العربية لها نظامها الإيقاعي والبلاغي الخاص، كما أن بيئتها الطبيعية والرمزية مختلفة عن البيئة التي نشأ فيها الهايكو الياباني. ولهذا فإن كثيرًا من النصوص العربية تميل إلى الاختزال والدهشة والتقاط اللحظة، وهي سمات قريبة من روح الهايكو، لكنها لا تلتزم دائمًا بقوانينه الأصلية.
ومن هنا يمكن القول إن ما يتشكل في المشهد العربي هو صيغة عربية من الشعر الومضي التأملي تستلهم فلسفة الهايكو أكثر مما تستنسخ شكله. فالشاعر العربي حين يكتب هذا النوع لا يستعير الطبيعة اليابانية ولا رموزها الموسمية، بل يستحضر بيئته الخاصة وثقافته ولغته وصوره اليومية، مما يمنح النص بعدًا محليًا يميّزه.
لذلك أميل نقديًا إلى القول إننا أمام محاولة لتأصيل تجربة جديدة داخل الشعر العربي، قد تتبلور مع الوقت وتكتسب ملامحها الواضحة إذا رافقها وعي نقدي جاد يميز بين النص الومضي العابر وبين النص الذي يحمل روح الهايكو التأملية. فالأجناس الأدبية حين تنتقل بين الثقافات لا تبقى ثابتة، بل تتغير وتُعاد صياغتها، وهذا ما يحدث غالبًا مع الهايكو في التجربة العربية المعاصرة.
وباختصار، يمكن الحديث عن هايكو عربي بوصفه تجربة في طور التشكل، لا بوصفه نسخة مطابقة للأصل الياباني، بل محاولة لخلق نص قصير مكثف يستفيد من فلسفة الهايكو ويعبّر في الوقت نفسه عن الحساسية الشعرية العربية.
6- ما سبب اهتمام الشعراء العرب بالهايكو؟
ربما لأن العصر الحديث يميل إلى النصوص المكثفة والسريعة، والهايكو يلبي هذا التوجه دون أن يفقد العمق الشعري.
7- هل ترى أن الاهتمام بالهايكو يسير في طريق سليم؟
إلى حد كبير نعم، لكن من المهم أن يحرص الكتّاب على فهم روح الهايكو لا مجرد تقليد شكله، لأن الهايكو ليس مجرد نص قصير بل رؤية شعرية قائمة على التأمل والدهشة.
8- ما رأيك في الكتابات النسوية؟
الكتابة النسوية في العالم العربي أثبتت حضورها بقوة خلال السنوات الأخيرة، وقدمت نصوصًا مهمة في مختلف الأجناس الأدبية. الإبداع الحقيقي لا يُقاس بجنس الكاتب، بل بقدرته على تقديم تجربة إنسانية صادقة.
9- هل الجوائز الأدبية مقياس حقيقي للنجاح؟
الجوائز الأدبية قد تكون عامل تحفيز وتشجيع، لكنها ليست المقياس الوحيد للنجاح.
فالقيمة الحقيقية للنص الأدبي تكمن في قدرته على التأثير والبقاء في ذاكرة القارئ.
10- كيف يرى الإنسان حسن أبو قطيش الشاعر؟
أراه إنسانًا يسعى إلى التعبير عن الحياة بلغة صادقة، ويؤمن بأن الأدب رسالة جمالية وإنسانية قبل أن يكون مجرد كتابة.
11- ما مشاريعك القادمة؟
أسعى إلى مواصلة الكتابة في الأجناس الأدبية التي أجد فيها مساحة حقيقية للتعبير عن رؤيتي، مثل الخاطرة والومضة السردية والهايكو. وقد بدأت بالفعل العمل على مشروع روائي أحاول من خلاله خوض تجربة سردية أعمق، تستند إلى التأمل الإنساني وتقاطعات الحياة اليومية.
كما أنني أعمل حاليًا على إعداد كتاب ورقي جديد يضم مجموعة من نصوص الهايكو والهايبون، ومن المتوقع أن يرى النور قريبًا. هذا المشروع يمثل بالنسبة لي محاولة للبحث في جماليات التكثيف واللحظة الشعرية، والاقتراب أكثر من روح هذا الفن مع الحفاظ على خصوصيته في اللغة العربية.
وأطمح من خلال هذه المشاريع إلى الاستمرار في تطوير تجربتي الأدبية والانفتاح على أشكال تعبيرية جديدة تثري مساري الكتابي.
بعض نصوصك من شعر الهايكو الهايكيست حسن أبو قطيش
مقعد الحديقة،
ملاذ للعشاق
الشجرة الكثة
شجرة الجاكرندا
تملاء المكان
وأنتِ ،
جميلةٌ هي –
شجرة التوت؛
وأنتِ تستظلين بها.
بين الحينِ والآخر
يسودها صمتٌ مُبهم
غيمةٌ عاقر
بِهُدُء فاتِن
عَبرَني مُصَادَفة
عِطرها الشذي
تُعْطِينَا كُلّ عِطرها،
قَبْل الذبولِ –
باقةُ الْزهور
عَبرَني مُصَادَفة
دون إذن
عبق كلماتك
حتَّى فِي الظَّلامِ،
يشعُ احمرار وَجْههَا –
شقائقِ النُّعْمَان !
عن قرب
أرى وجهك جيدًا
وهو ينظر للخلف
بلا استئذان
تدخل الشمس من النافذة
تروي حكايات الصباح
هَذَا الْمَسَاء
غُبَارٌ كَثِيرٌ
وَكَذَلِك الذِّكْرَيَات
ذات الطريق
أسلكه دائماً
لم أرى وجهكِ اليوم!
على أبواب الأمل
أنتظرك بلهفة
أمنياتي
القمر أجمل
في حضرتها
الذكريات
حبات المطر
تنهمر
دموع عينيها.
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي