الرئيسية / الأعداد / إشكالية التقديس المزدوج للقرآن الكريم: بين التعظيم المادي والتغييب الوظيفي – عز الدين حدو

إشكالية التقديس المزدوج للقرآن الكريم: بين التعظيم المادي والتغييب الوظيفي – عز الدين حدو

  إشكالية التقديس المزدوج للقرآن الكريم: بين التعظيم المادي والتغييب الوظيفي

عز الدين حدو*

 

ملخص البحث:

يناقش هذا البحث إشكالية التقديس المزدوج للقرآن الكريم، التي تتجلى في التناقض بين التعظيم المادي والعاطفي للنص القرآني، وبين تغييب دوره الوظيفي في تشكيل الفكر، وتوجيه الحياة الاجتماعية والسياسية. يسلط البحث الضوء على هذا الانفصام بين الرمزية والتطبيق، ويطرح تساؤلات فلسفية وتربوية حول طبيعة التقديس، ومدى ارتباطه بالتفعيل العملي للنص المقدس في الواقع المعاصر.

اعتمدت الدراسة منهجا تحليليا نقديا، يستند إلى دراسة تاريخية وسوسيولوجية وفكرية لمسار العلاقة مع القرآن الكريم في المجتمع الإسلامي، مع تفكيك للأنماط الذهنية والطقوسية التي كرّست التقديس الشكلي للنص.

أبرزت النتائج أن القرآن الكريم كان في الفترات المشرقة من الحضارة الإسلامية مصدرا معرفيا وتشريعيا حيّا، أثر في أنظمة الحياة، من الاقتصاد والتعليم إلى التشريع والإدارة. غير أن التحولات السياسية والفكرية، وصعود التقليد والانحطاط، ثم الاستعمار، أدت إلى تحجيم القرآن في إطار طقوسي. كما كشفت الدراسة أن ردود الفعل الشعبية على الاعتداءات المادية على المصحف لا تقابلها حماسة مماثلة لانتهاك مقاصده الجوهرية، مما يعكس خللا في أولويات التقديس.

خلص البحث إلى ضرورة تجاوز التقديس الشكلي إلى تفعيل التقديس الوظيفي، عبر تجديد العلاقة بالقرآن الكريم بوصفه مرجعية فكرية وروحية وتشريعية، تُستحضر في بناء الوعي، وصياغة السلوك، وإصلاح الواقع.

الكلمات المفتاحية: القرآن الكريم، التقديس، الوظيفة المعرفية، الطقوس، الفكر الإسلامي.

Research Abstract:

This study explores the issue of the dual sanctification of the Qur’an, manifested in the contradiction between the emotional and material glorification of the sacred text and the neglect of its functional role in shaping thought and guiding social and political life. The research highlights this split between symbolism and practical application, raising philosophical and educational questions about the nature of sanctification and its connection to the active implementation of the sacred text in contemporary reality.

The study adopts a critical analytical approach, grounded in historical, sociological, and intellectual analysis of the evolving relationship with the Qur’an in Muslim societies. It deconstructs the ritualistic and mental patterns that have entrenched a superficial form of sanctification.

Findings reveal that during the flourishing periods of Islamic civilization, the Qur’an served as a dynamic source of knowledge and legislation, influencing all aspects of life—from economics and education to governance and law. However, political and intellectual shifts, the rise of rigid traditionalism, subsequent decline, and the effects of colonialism contributed to relegating the Qur’an to a merely ceremonial role. The study also uncovers a disparity: while material attacks on the physical Qur’an provoke strong public reactions, violations of its core purposes often pass without equivalent concern—reflecting a misplaced hierarchy of reverence.

The research concludes that it is imperative to move beyond symbolic sanctification toward functional sanctification. This entails renewing our engagement with the Qur’an as a foundational intellectual, spiritual, and legislative reference—one that actively shapes awareness, behavior, and societal reform.

Keywords: Qur’an, sanctification, cognitive function, rituals, Islamic thought, marginalization of methodology.

مقدمة

للقرآن الكريم مكانة مركزية في الفكر الإسلامي، فهو ليس مجرد نص ديني، بل يمثل المنظومة المعرفية والتشريعية التي يستمد منها المسلم رؤيته للعالم ومفاهيمه حول القيم والمعايير السلوكية. ومع ذلك، يبرز في عصرنا هذا تناقض جوهري في تعامل المسلمين مع القرآن الكريم، بحيث يُقدَّس باعتباره كيان مادي يُصان من المساس والتدنيس، بينما يغيب حضوره كمنهج عملي في تشكيل الرؤى الفكرية، والاجتماعية، والسياسية. هذا التناقض يطرح إشكالية فلسفية عميقة تتعلق بطبيعة التقديس ذاته: هل التقديس فعل روحي يتجلى في الامتثال لمقتضيات النص، أم أنه يتحول إلى طقس رمزي ينحصر في تعظيم الشكل دون المضمون؟

لقد كان القرآن الكريم عبر التاريخ الإسلامي، المحور الذي دارت حوله النهضة العلمية والفكرية، إذ لم يكن مجرد كتاب يُتلى، بل كان مصدرا للمعرفة وأساسا للحراك الثقافي والاجتماعي، وذلك استجابة للتوجيه النبوي الشريف: “تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله [1]“. إلا أن التحولات التي شهدتها المجتمعات الإسلامية، والتغيرات التي طرأت على البنية الفكرية والسياسية، أدت إلى انفصال تدريجي بين قداسة النص وفعلية تطبيقه، فبينما نشهد ردود أفعال غاضبة على انتهاك حرمة المصحف مادّيا، نجد في المقابل تساهلا أو غيابا في تبنّي تعاليمه باعتباره منهج عملي للحياة.

ينطلق هذا البحث من جملة من الفرضيات، أبرزها:

  • أن ظاهرة التقديس الشكلي للقرآن الكريم تعكس أزمة في الفهم المعاصر لطبيعة النص القرآني ووظيفته.
  • أن التقديس المادي والعاطفي، حين ينفصل عن التفعيل العملي، يُفضي إلى تدين شكلي يعطل البعد الحضاري والنهضوي للنص.
  • أن الخطاب الديني التقليدي أسهم بشكل مباشر في تكريس هذا الانفصال بين الرمز والوظيفة.
  • أن تجاوز هذا الإشكال يقتضي مراجعة نقدية للمنظومات الفكرية والطقوسية، وتجديدا لمنهج التعامل مع القرآن الكريم باعتباره مرجعية معرفية وروحية وتنظيمية.

تعكس هذه الإشكاليه في جوهرها، أزمة في فهم العلاقة بين النص المقدس والسياق الاجتماعي، فهل تقديس القرآن هو انعكاس حقيقي للإيمان برسالته، أم أنه يتحوّل إلى نوع من التدين الشكلي الذي يكرس الطقوس دون أن ينعكس على الواقع؟  كيف يمكن أن نستعيد دور القرآن كمنظومة معرفية وتنظيمية، وليس فقط رمزا دينيا يُحفظ ويُحترم؟ إن دراسة هذه الإشكالية تتطلب تحليلا نقديا للخطابات الدينية السائدة، وتفكيكا للأنماط الذهنية التي كرست هذا الانفصال، مع استحضار السياقات التاريخية والفكرية التي أسهمت في هذا التحول.

في هذه الورقة، نتطرق إلى هذا الموضوع عبر دراسة التقديس المزدوج للقرآن: التقديس العاطفي والمادي الذي يتجلى في ردود الأفعال الرمزية والطقوسية، والتغييب الوظيفي الذي يظهر في ضعف استلهامه كإطار نظري ومعرفي في المجالات الاجتماعية والسياسية. كما سنتعرض للأسباب التي أدت إلى هذه الظاهرة، والآليات الممكنة لاستعادة التعامل مع القرآن الكريم على أساس كونه منهج حياة، لا كنص يُقرأ ويُجلد، بل قوة محركة للفكر والعمل. وذلك تحقيقا لأهداف البحث الآتية:

  • الكشف عن مظاهر التقديس المزدوج للقرآن الكريم في الواقع الإسلامي المعاصر.
  • تحليل الخلفيات الفكرية والتاريخية التي ساهمت في هذا التناقض بين التقديس الرمزي والتفعيل الوظيفي.
  • تقويم الخطابات الدينية التي كرست هذا الشكل من التدين، واستجلاء أثرها على وعي الأمة وسلوكها.
  • اقتراح آليات تربوية وفكرية وعملية لتجاوز التقديس الشكلي، واستعادة الوظيفة المعرفية والتشريعية للقرآن في الواقع المعاصر.

رغم تعدد الدراسات التي درست القرآن الكريم من زوايا تفسيرية وإعجازية وتربوية، فإن الباحث لم يقف – في حدود ما اطلع عليه – على دراسة تناولت بشكل مباشر وجذري إشكالية التقديس المزدوج للقرآن الكريم، ولا سيما من منظور فلسفي وفكري وتربوي يربط بين البعد الرمزي للنص والبعد الوظيفي له في تشكيل الوعي وبناء الواقع.

لأجل مناقشة هذه الإشكالية وتحقيق أهداف البحث المذكورة، يعتمد الباحث منهجا تحليليا نقديا، يستند إلى دراسة تاريخية وسوسيولوجية وفكرية لمسار العلاقة مع القرآن الكريم في المجتمع الإسلامي، مع تفكيك للأنماط الذهنية والطقوسية التي كرّست تقديسا شكليا للنص. ويستحضر البحث نماذج تاريخية لتفعيل القرآن في مجالات الحياة المختلفة، كما يحلل الأثر المعرفي والوظيفي للنص في فترات ازدهار الأمة، مقابل انحساره في عصور التقليد والانحطاط.

ينقسم هذا البحث إلى أربعة محاور أساسية تتكامل فيما بينها لتشخيص الإشكالية المطروحة وتحليل أبعادها، وصولا إلى اقتراح مداخل عملية لاستعادة الفعالية القرآنية في الواقع المعاصر:

  • المحور الأول: السياق التاريخي للمسألة
  • المحور الثاني: التقديس العاطفي
  • المحور الثالث: منهج التقديس – غياب التطبيق المعرفي والاجتماعي
  • المحور الرابع: الحلول الممكنة لإعادة تنزيل منهج القرآن الكريم
  • خاتمة

المحور الأوّل: السياق التاريخي للمسألة

شهدت الحضارة الإسلامية خلال عصورها الذهبية، تقدما فكريا وعلميا جعل من القرآن الكريم المرجعية العليا فى مختلف المجالات، سواء على مستوى التشريع، أو العلوم الإنسانية والطبيعية، أو الفنون، أو النظم الاجتماعية والاقتصادية وغير ذلك، قال عز وجلّ: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ ]الجمعة: 02 [ “فآياته المتلوة هي سور القرآن المرشدة إلى سننه في الأكوان، والتزكية هي التربية بالعمل وحسن الأسوة، والكتاب هو الكتابة التي تخرج العرب عن أمّيتهم، والحكمة هي العلوم النافعة الباعثة على الأعمال الصالحة، وما يسمى في عرف شعوب الحضارة بالفلسفة”[2]، وبالتالي فهو كتاب “يستمر في العطاء، ليستجيب لمختلف العصور، وتكون الاستجابة بمكونانته التي تنكشف طبقا لحالات الاستدعاء الزمني، فهو متجدد العطاء”[3]. هذا الفهم جعل القرآن الكريم آنذاك يُفهم بوصفه نصا محوريا، ليس فقط في بناء المنظومة القيمية، بل في توجيه حركة الإنتاج المعرفي وتنظيم شؤون المجتمع، فالفكر الإسلامي لم يكن منفصلا عن الواقع، بل كان يستمد توجهاته من مبادئ قرآنية صاغت أطرا مرنة ومتجددة للتعامل مع متغيرات العصر.

تجلت هذه الحقيقة في عدة حقائق تاريخية: من استشارة النبي ﷺ لسلمان الفارسي رضي الله عنه في حفر الخندق، أخذا بمبدأ الشورى المستنبط من قوله تعالى:”وأمرهم شورى بينهم” ]الشورى: 38[؛ إلى اجتهاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في تعطيل حد السرقة عام الرمادة، تأكيدا لمقاصد القرآن في رفع الحرج وتحقيق العدل. كما أفرز هذا الفهم مشاريع اجتماعية مؤسسية، مثل نظام الوقف الإسلامي الذي انبثق عن توجيهات القرآن في الإنفاق والبر، والذي أسهم في دعم التعليم والصحة والتكافل الاجتماعي. أما في مجال الفكر والمعرفة، فقد برزت على سبيل المثال مدرسة المقاصد، التي نسج أصولها الإمام الشاطبي -رحمه الله-، انطلاقا من مقاصد القرآن الكريم تقعيدا لضوابط الاجتهاد وتحقيق المصالح، كما كان القرآن الكريم حاضر أيضا في الأندلس، والذي كان دافعا لحركة علمية وفلسفية ناضجة تستلهم آيات التأمل العقلي والتدبر الكوني. ولم يكن تنظيم الأسواق والحياة الاقتصادية بعيدا عن التوجيه القرآني، إذ شكلت آيات الكيل والميزان، والنهي عن الغش، الأساس الأخلاقي والرقابي لنظام السوق ومؤسسة الحِسبة. أما على المستوى التربوي، فقد مثّلت وصايا لقمان الحكيم لابنه نموذجا لمنهاج قيمي وأسري متكامل، يؤسس لبناء الإنسان روحا وعقلا وسلوكا. إن هذه النماذج المتعددة تكشف أن القرآن الكريم لم يكن مجرد نصٍّ يُتلى، بل إطارا مرجعيا حيّا، يُفعل في الحياة اليومية والاجتماعية والمعرفية، ويمنحها انسجاما داخليا بين المقصد الشرعي والحركة الواقعية.

غير أن هذا الفهم بدأ في التراجع التدريجي عقب التحولات السياسية والاجتماعية الكبرى التي شهدها المجتمع الإسلامي، لاسيما مع تفكك الوحدة السياسية، وظهور النزاعات الداخلية، وتراجع الاجتهاد العقلي لصالح التقليد. فأدى ذلك إلى انعطاف في طبيعة العلاقة مع القرآن؛ إذ انتقل التعامل معه من كونه نصا حركيا ديناميكيا، إلى كونه رمزا مقدسا يُعظَّم من حيث الشكل، دون أن ينعكس هذا التعظيم على مستوى التطبيق العملي في مجالات الحياة المختلفة. وهذا ما تجلى بوضوح في تلك الصورة الذهنية التي تشكلت في عصر التخلف والتقليد “فقد ترسّخ في الأذهان منذ الطفولة أن القرآن لا يستدعى للحضور إلا في حالات الاحتضار والنزاع، والوفاة، أو زيارة المقابر، أو نلجأ لقراءته عند أصحاب الأمراض المستعصية، وهي قراءات لا تتجاوز الشفاه”[4]، فتغلَّبت الطقوسية على الفاعلية، وتركَّز الاهتمام على حفظ النصوص وتجويدها، بينما تراجع الاهتمام باستنباط معانيها العميقة وإدماجها في منظومات التشريع والإدارة والعلم.

لقد أسهمت موجات الاستعمار والتأثيرات الفكرية الخارجية، إلى جانب الأزمات الداخلية، في ترسيخ هذا الانفصال بين قداسة القرآن كنص وبين دوره كمنهج، حيث تكرس الوعي الشعبي والرسمي على اعتباره كتابا للتبرك والتلاوة، أكثر من كونه منظومة فكرية وتشريعية قابلة للتنزيل على الواقع. كما أن بروز أنماط تفسيرية تقليدية عزز من هذا التحول، إذ بات الفهم الحرفي للنص يغلب على روح التجديد والاجتهاد التي كانت سمة العلماء في العصور الأولى، فأصبح القرآن الكريم كأنه جامد، في حين أن عطاءه متجدد، وهذا العطاء هو استمرار لمعنى إعجاز القرآن -كما أشار إلى ذلك الشعراوي رحمه الله-، و”لو أفرغ القرآن عطاءه كله في عدد السنوات، لاستقبل القرون الأخرى بغير عطاء، فالعقول تتفتح على مر العصور وتتفتق عن فكر جديد، ولا يصح أن يظل العطاء الأول هو نفسه لا يتجدد، لا بد أن يكون لكل قرن عطاء جديد يناسب ارتقاءات البشر في علومه الكونية”[5].

إن استيعاب هذا السياق التاريخي يتيح لنا فهم الجذور العميقة للإشكالية المطروحة، مما يمهد الطريق لإعادة النظر في كيفية استعادة الدور المركزي للقرآن في تشكيل الواقع الاجتماعي والمعرفي، بما يتجاوز التقديس الشكلي إلى التفاعل الواعي والمنتج مع مضامينه التشريعية والفكرية.

المحور الثاني: التقديس العاطفي

أولا: ردود الفعل العاطفية تجاه التعرض للقرآن

حين يُمسّ المصحف سواء بالحرق أو الامتهان أو التنجيس، تشهد المجتمعات الإسلامية حالة من الهيجان والغضب والاحتجاجات العاطفية، تعبيرا عن ارتباط وجداني عميق بالمصحف الشريف باعتباره رمزا مقدسا. ردود الأفعال هاته تعكس، من جهة، استشعار المسلمين لقيمة القرآن في هويتهم الروحية والثقافية، لكنها، من جهة أخرى، تكشف عن مفارقة عميقة؛ إذ يندر أن تُترجم هذه العاطفة إلى التزام فعلي بمضامين القرآن على مستوى الفكر والممارسة.

إن هذا التفاعل القوي مع الاعتداء المادي على المصحف يقابله في كثير من الأحيان ضعف في التفاعل مع الانتهاكات الجوهرية لمقاصده وأحكامه في المجتمعات الإسلامية ذاتها، حيث أن الأزمات الأخلاقية، والاجتماعية، والسياسية السائدة في المجتمعات الإسلامية، والتي تتنافى مع القيم القرآنية، لا تُقابل عادة بردود فعل مماثلة، الأمر الذي يظهر أن التقديس أصبح محصورا في الحيِّز الرمزي، بعيدا عن البُعد الوظيفي للنص القرآني في تشكيل الواقع.

ثانيا: التقديس من خلال الطقوس والشعائر

يظهر هذا الشكل من التقديس في العناية الفائقة بالمصحف من حيث الطباعة الفاخرة، والزخرفة المتقنة، والتلاوة التجويدية، وحفظه المتقن في الصدور، وكلها ممارسات تحمل تقديرا عميقا لكلام الله عز وجل في وجداننا الإسلامي، غير أن هذا الاهتمام يظل في غالبيته اهتماما طقوسيا وشكليا، ينظر فيه إلى القرآن كشيء مقدس بحد ذاته، وليس كمصدر عملي يُفعل في بناء الفكر وتوجيه السلوك الفردي والجماعي.

رغم الأهمية الروحية للتلاوة والتجويد، فإن حصر العلاقة مع القرآن الكريم في هذه الأبعاد يفضي إلى عزله عن الحياة اليومية، بحيث يصبح نصا يُكرَّم في المناسبات والاحتفالات، دون أن يكون مرجعا فاعلا في تشكيل الرؤية الحضارية للأمة الإسلامية. والأخطر من ذلك، أن هذا التعامل الطقوسي مع القرآن الكريم يعزز في بعض الأحيان حالة من الرضا الذاتي، حيث يعتقد الكثير من المسلمين أن مجرد الحفظ والتجويد كافٍ للوفاء بحقوق النص، دون الحاجة إلى الانخراط في عملية فهم عميق لمقاصده أو العمل على تفعيلها في الواقع.

إن هذا الوجه من التقديس يتطلب مراجعة نقدية جادة، لإعادة التوازن بين البعد الرمزي للقرآن والتزامه منهجا عمليا، فلا يقتصر تقديسه على ردود فعل عاطفية أو مظاهر طقوسية، بل يشمل أيضا إحياء وظيفته الأساسية في إنتاج المعرفة، وإرساء قيم العدل والإصلاح في المجتمع.

المحور الثالث: منهج التقديس – غياب التطبيق المعرفي والاجتماعي

المفترض أن يكون القرآن الكريم، باعتباره مصدرا للمعرفة والتشريع، مرجعا في تأسيس لبناء مجتمعات إسلامية متماسكة ومتجددة، قادرة على استلهام القيم القرآنية في مختلف المجالات، وهو الكتاب الذي وصفه ربُّنا عز وجل بقوله: ﴿إِنَّ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾]الإسراء: 9[، “هذه الآية الكريمة أجمل الله جل وعلا فيها جميع ما في القرآن من الهدى إلى خير الطرق وأعدلها وأصوبها، فلو تتبعنا تفصيلها على وجه الكمال لأتينا على جميع القرآن العظيم لشمولها لجميع ما فيه من الهدى إلى خيري الدنيا والآخرة”[6]. غير أن واقعنا المعاصر يكشف عن مفارقة صارخة، حيث تحظى النصوص القرآنية بمكانة رمزية عالية، لكن دون أن ينعكس ذلك على بناء منظومة معرفية، اجتماعية، أو سياسية تُجسّد مبادئه بشكل عملي. ولعل هذه الفجوة تستدعي بحثا عميقا في أسبابها وتجلياتها، وتفكيك العوامل التي أدّت إلى تحييد القرآن عن مجالات التفكير العلمي، والإصلاح المجتمعي، والتدبير السياسي.

أولا: القرآن منهج معرفي: بين الاستلهام والتغييب

لم يكن القرآن الكريم في الفترات التأسيسية للحضارة الإسلامية مجرد نصٍّ يُتلى في المحافل أو يُحفظ في الصدور، بل كان منطلقا لإنتاج معرفة أصيلة ومتجددة، فقد أيقضت آياته همم العلماء المسلمين على التفكير الفلسفي، والتجريبي، والاجتهادي، “فامتلأت الحياة الإسلامية بالعلوم والمعارف التي تعالج شتى نواحي الحياة، وما من علم إلا وكان خادما لهدف هذا الدين من توجيه الناس إلى ربّهم، وزيادة يقينهم به، وتسهيل مهمة استخلاف الإنسان في الأرض”[7]، مما أسهم في إرساء نهضة علمية امتد تأثيرها إلى حضارات متعددة. غير أن هذه العلاقة بين القرآن والمعرفة تراجعت تدريجيا نتيجة عدة عوامل، أبرزها:

  • جمود المنهج التفسيري -وقد أشرنا إلى هذا فيما سبق-:

فقد تحوّلت التفسيرات القرآنية من كونها مشاريع اجتهادية متجددة إلى نصوص مغلقة، تُكرر المقولات السابقة دون مساءلة نقدية أو محاولة استنباط دلالات جديدة تتناسب مع التحولات الفكرية والعلمية المعاصرة، حتى قال البعض: “لم يترك الأوائل للأواخر كبير جهد في تفسير كتاب الله، والكشف عن معانيه، ومراميه”[8]. فأصبحت مناهج التفسير أقرب إلى التكرار منها إلى الإبداع، وأفقدت التفسير قدرته على التجدد والتفاعل مع مستجدات العصر ومتغيراته.

  • الفصل بين المعرفة الدينية والمعرفة التجريبية:

في سياقات ما بعد (الاستعمار)، لم يكن الفصل بين المعرفة الدينية والمعرفة التجريبية مجرد أثر جانبي للتحديث، بل كان انعكاسا مباشرا لنموذج معرفي فرضته النظم التعليمية المستوردة، التي قامت على القطيعة بين الوحي والواقع، وبين القرآن كمنهج معرفي شامل والعلوم الطبيعية والإنسانية. ونتيجة لذلك، أُعيد تشكيل الخارطة التعليمية في العالم الإسلامي وفق تصورات ثنائية تفصل بين “العلمي” و”الديني”، مما أدى إلى تهميش القرآن كمصدر لإنتاج المعرفة، وحصره في نطاق الشعائر والوعظ، بعيدا عن دوره المنهجي في توجيه الفكر الإنساني وبناء الرؤية الكونية.

لقد أدّى هذا الفصل إلى إحداث ما يمكن وصفه بـ”التقديس المعزول”، حيث بقي القرآن يُنظر إليه بوصفه نصا مقدسا، دون إدماج تعاليمه في الحقول المعرفية الحديثة، وهو واقع يتناقض مع حقيقة القرآن، في كونه ليس مجرد نص تعبدي، بل هو علاوة على ذلك، محرك للفكر النقدي والاستكشاف المعرفي، فقد أحدث عند نزوله ثورة على التصورات السائدة، وحثّ الإنسان على إعادة النظر في الكون بوصفه مجالا للتأمل والبحث، وهو ما عبّر عنه محمد إقبال رحمه الله- حين قال: “إنّه لأمر عظيم حقا أن يوقظ القرآن تلك الروح التجريبية في عصر كان يفرض عالم المرئيات بوصفه قليل الغناء في بحث الإنسان”[9]، ليصبح المنهج التجريبي بعد ذلك “معلما في الحضارة الإسلامية، استمده العلماء من الكتاب والسنة، واتخذوه منهجا في التعامل مع الطبيعة والحياة، ومناهج وإنتاجهم في هذا الشأن جلية واضحة”[10]. فبينما اعتمدت العلوم التجريبية في عصرنا مناهج وضعية تفصل المعرفة عن الأبعاد القيمية والروحية، والتي قامت أساسا على رفض “قضايا اللاهوت التقليدي والميتافيزيقي بكل بساطة على أساس أنها غير علمية”[11]، ظلت الدراسات القرآنية منغلقة على تفسيرات تراثية لا تسائل معطيات العصر، ولا تبحث في إمكانات القرآن كإطار معرفي قادر على استيعاب المستجدات العلمية والفكرية.

والنتيجة أن المعرفة في المجتمعات الإسلامية باتت مجزأة؛ فمن جهة، خطاب معرفي يعيد إنتاج مفاهيم تقليدية دون تفاعل نقدي مع الواقع، ومن جهة أخرى، علوم تجريبية وإنسانية تستلهم مناهجها من مرجعيات فكرية غربية، دون النظر إلى إمكانات التكامل مع التصور القرآني للعالم، حتى قال بعضهم: “لا أستطيع أن أتصور نهضة عصرية لأمة شرقية ما لم تقم على المبادئ الأوروبية للحرية والمساواة والدستور، مع النظرة العلمية الموضوعية للكون”[12]، نعوذ بالله من السلب بعد العطاء. وبهذا، غاب التطبيق المعرفي والاجتماعي للقرآن، ولم يعد منهجه حاضرا في تشكيل الرؤية العلمية ولا في توجيه السياسات التعليمية والبحثية، مما أضعف القدرة على بلورة نموذج معرفي متكامل، تتفاعل فيه النصوص القرآنية مع المعطيات العلمية، في إطار رؤية توحيدية جامعة.

  • غياب مشاريع تأصيلية حديثة:

إنّ غياب مشاريع تأصيلية حديثة ليس مجرّد دليل عن نقص في الاجتهاد، بل هو أيضا تعبير عن إشكالية منهجية أعمق، تتعلق بكيفية التعامل مع القرآن الكريم كمصدر للمعرفة، ليس فقط في بُعده التشريعي والقيمي، بل أيضا في بُعده التوجيهي العلمي والفكري، من خلال تثوير معرفي يعيد اكتشاف آفاقه المنهجية. غياب هذا الإدراك تولّد عنه فراغ معرفي ملأته أفكار وتصورات مستوردة، لم تستلهم روح النص القرآني، بل فرضت نموذجا معرفيا مغايرا، استبعد البعد الغائي والتكاملي في إدراك الوجود.

إن الإشكال لم يكن فقط في استيراد مناهج غربية دون تمحيص، بل في غياب محاولة تأسيس رؤية قرآنية منهجية قادرة على استيعاب هذه المناهج وتوجيهها ضمن نسق معرفي أكثر تكاملا، وكذا عدم “استثمار الرصيد المعرفي والفكري والعقدي الغني الزاخر، والذي يجاوز منطقة الظنون والنظريات إلى عالم اليقين والحقيقة، لانبثاقه عن أصول معرفية تتصل بالوحي الإلهي الصادق الثابت، وهو الأساس الذي تفتقر إليه المنظومة الغربية”[13]. فلو حضر هذا التأسيس وهذا الوعي العميق بإمكانات القرآن المعرفية، لما بقيت العلوم الإسلامية تدور في فلك التكرار، ولما انحصر الاجتهاد في نطاق الأحكام الجزئية، بعيدا عن الأسئلة الكبرى التي تطرحها الفلسفة والعلوم الحديثة حول الإنسان والكون والقيم والمعرفة.

إن القرآن، في جوهره، ليس مجرد نص وعظي يُستلهم في المواعظ والمناسبات الدينية، بل هو خطاب تأسيسي يُرشد إلى مناهج التفكير والاستدلال، ويضع أسسا لفهم الظواهر الطبيعية والاجتماعية في ضوء رؤية شاملة، وهو “وحده الكتاب الكوني الذي يستطيع أن يستوعب المنهجية العلمية، ويقوم بتنقيتها وترقيتها، ووضعها باتجاه “المنهجية الكونية”، وهو وحده الذي يستوعب المنهج العلمي ويستطيع أن يقوم بتنقيته وترقيته وإخراجه من أزمته، ويحميه من تهديدات ومخاطر النسبية والاحتمالية والنهايات”[14]. ولكن بسبب غياب مشاريع تأصيلية جادة، ظلّت هذه الأبعاد غائبة عن التأطير المنهجي، مما جعل كثيرا من العلوم الإسلامية تتقوقع في صيغ تقليدية، بينما استمرت العلوم التجريبية والإنسانية في الانفصال عن الأطر القرآنية، بل وأحيانا في تعارض مع تصوراتها الكونية.

إن إعادة الاعتبار للقرآن كمنهج معرفي يقتضي تجاوز الثنائية التي فرضها النموذج التعليمي الحديث، بحيث لا يبقى القرآن منفصلا عن حركة البحث العلمي، ولا تكون العلوم الحديثة غريبة عن التصورات القرآنية الكبرى. فالغاية ليست مجرد استلهام جزئي لبعض المفاهيم القرآنية، بل بناء منظومة فكرية متكاملة، تعيد للقرآن حضوره الفاعل في تشكيل الرؤية العلمية والفلسفية، وتُخرج المعرفة الإسلامية من حالة الجمود والتبعية إلى مرحلة الفاعلية والإبداع.

ثانيا: القرآن منهج اجتماعي: انتقائية التطبيق وإشكالية التفعيل

يقدّم القرآن الكريم رؤية اجتماعية متكاملة، ترتكز على العدل، والكرامة الإنسانية، والتكافل، إلا أن تجليات هذه القيم في الواقع الإسلامي المعاصر تبدو محدودة أو مشوّهة بفعل عدة عوامل:

  • الانتقائية في توظيف القيم القرآنية:

باتت الانتقائية في توظيف القيم القرآنية من السمات البارزة في الخطاب الاجتماعي والسياسي، حيث يتم التركيز على قيم معينة وإغفال أخرى، وفقا لاعتبارات سياقية أو مصلحية، الأمر الذي تولّدت عنه قراءات مجتزأة للنص القرآني؛ فبينما يتم استدعاء قيم الطاعة والامتثال في سياقات معينة، تُغيّب قيم مثل العدالة والمساواة والمساءلة، مما يفضي إلى تبرير ممارسات لا تعكس حقيقة المنهج القرآني الشامل. وهذه الانتقائية تتجاوز المجال السياسي لتشمل أيضا البُعد الاجتماعي، حيث يفرز الخطاب العام قيما محددة، كبرّ الوالدين أو العفّة، بينما تغيب ضمنه منظومة القيم المتكاملة التي تشمل العدل، واحترام الكرامة الإنسانية، ومحاربة الفساد، وإقامة التوازن في العلاقات الاجتماعية.

تعود أسباب هذا الانتقاء إلى عدة عوامل، من أهمّها غياب الوعي بالمقاصد الكلية للقرآن ووحدته البنائية، والتي تضع القيم في سياقي تكاملي لا يسمح بالتوظيف المجزّأ، إضافة إلى تأثير البُنى الفكرية والاجتماعية التي تعيد إنتاج قراءات مقيّدة للنص، متأثرة بسلطة الأعراف أو الاعتبارات السلطوية السياسية. إن ظاهرة الانتقاء لا تضرّ فقط بالفهم السليم للقرآن الكريم، بل تؤدي علاوة على ذلك إلى تشويه صور معانيه في الوعي الجمعي، حيث يُختزل في بضع قيم متكررة، بينما يُهمل بعده الإصلاحي الشامل.

ومن هنا، فإن معالجة هذه الإشكالية تقتضي العودة إلى قراءة كلية للنص القرآني، تتجاوز التوظيف الانتقائي إلى استيعاب الرؤية المنهجية التي تحكم مبادئه وتشريعاته، وتُعين على تفعيلها في الواقع بشكل أكثر إنصافا وشمولية، فهو “واحد لا يقبل بناؤه وإحكام آياته التعدّد فيه أو التجزئة في آياته، أو التعضية بحيث يقبل بعضه، ويرفض بعضه الآخر، فهو بمثابة الكلمة الواحدة أو الجملة الواحدة أو الآية الواحدة، وإذا كانت قد تعددت آياته وسوره وأجزاؤه وأحزابه؛ فذلك التعدد ضرورة لا غنى عنها في التعليم والتعلّم، والتنزيل لتغيير الواقع وإبداله. فلم يكن في مقدور الإنسان أن يستوعب قرآنا يتصف بكل صفات القرآن ويأخذه الإنسان أو يتبناه بوصفه ذا وحدة بنائية لا تختلف عن وحدة الكلمة في حروفها، ووحدة الجملة في كلماتها وأركانها، ووحدة الإنسان في أعضائه”[15].

  • هيمنة العادات والتقاليد على التوجيه القرآني:

في كثير من المجتمعات الإسلامية، نجد أن العادات والتقاليد تُهيمن على السلوكيات الاجتماعية بشكل يفوق تأثير التعاليم القرآنية، الأمر الذي يوقع في تحريف الأولويات وتناقض في تطبيق القيم القرآنية، فعلى سبيل المثال، يُسْتَدْعى في كثير من الأحيان مفهوم “البر بالوالدين” كقيمة أساسية، لكن هذا لا يتعدى إلى التأثير الفعلي في تنظيم العلاقات الأسرية أو حقوق المرأة، حيث أن في بعض المجتمعات، تُفرض على المرأة قيود تقليدية في الزواج أو الطلاق، تتناقض تماما مع ما دعا إليه القرآن من احترام لحقوق الأفراد، ورغم ذلك تستمر هذه الأعراف في تحديد مصير المرأة بما يخالف التوجيه القرآني الذي يعلي من مكانتها ويضمن لها حرية الاختيار والمساواة.

من جانب آخر، تُظهر بعض المجتمعات أيضا كيف أن الموروثات الثقافية تضعف من تطبيق مبدأ العدالة الشاملة في القرآن الكريم، فرغم أن القرآن يشدد على المساواة بين الناس ويرفض أي تمييز طبقي أو عرقي، نجد أن بعض العادات والتقاليد تعزز الفروق الاجتماعية بين مختلف الفئات. على سبيل المثال، في بعض المناطق تُكرس العادات القبلية تفرقة بين أفراد المجتمع بناء على الانتماء العرقي أو القبلي، رغم أن القرآن قد أكد على أن “أكرمكم عند الله أتقاكم” ]الحجرات: 13[، وبالتالي فإن هذه الممارسات تشوه الرسالة القرآنية وتُفرغها من بعدها الإصلاحي والتكاملي. هذه الأمثلة تكشف عن تباين عميق بين النصوص القرآنية والممارسات اليومية، مما يبرز الفجوة بين ما يجب أن يكون عليه الواقع الاجتماعي وبين ما هو قائم فعلا بفعل تأثير العادات والتقاليد.

 ثالثا: القرآن منهج سياسي: بين التوظيف الأداتي والتغييب الممنهج

من أبرز المفارقات في التعامل مع القرآن الكريم توظيفه في الخطاب السياسي بطريقة انتقائية، حيث يتم التركيز فيها على آيات معيّنة لغرض تبرير سياسات أو مشروعات سلطوية أو حتى إصلاحية، بينما يتم تجاهل آيات أخرى تدعو إلى الشورى، والعدل، وحفظ الإنسان. ويمكن تلخيص إشكاليات التوظيف السياسي للقرآن في النقاط التالية:

  • القراءة الأيديولوجية للنص القرآني:

في كثير من السياقات السياسية، تتجاوز قراءة النص القرآني بُعدها المنهجي القائم على الهداية والتشريع العادل، لتتحول إلى أداة تُسخر لخدمة توجهات أيديولوجية معينة، سواء في إطار السلطة الحاكمة أو لدى الحركات المعارضة. ففي النظم السلطوية، يُستدعى القرآن بصورة انتقائية لتبرير سياسات استبدادية، حيث تُبرز نصوصٌ وتفسيرات تؤكد على الطاعة والولاء، بينما يُغيب البعد القرآني القائم على العدل والشورى ومقاومة الفساد، وذلك من خلال “لَيِّ أعناق النصوص، وهذا طريق غير مرحب به في تراثنا الإسلامي. لأنّ القرآن لم يُنزل من أجل أيّ مشروع سياسيّ كان، أو أيّة نظرية سياسية كانت؛ حيث أنزله الله تعالى شفاء للقلوب ودواء لجميع ميادين الحياة، واحتكار مراد الله تعالى على فنّ من الفنون وعلم من العلوم وعصر من العصور أو حمل آيات القرآن على خليفة أو أمير أو حاكم هو تضييق فقط، وتشويه لأهدافه القرآنية، وتغطية على المحاور الجوهرية في القرآن”[16]. وهكذا، تتحول المرجعية القرآنية من كونها ميزانا موضوعيا للحكم إلى مجرد خطاب يُطوّع لإضفاء الشرعية على ممارسات تتناقض مع جوهرها، مما يؤدي إلى تحريف في الوعي الجمعي حول العلاقة بين الدين والسياسة.

على الجانب الآخر، لا تتعامل بعض الحركات المعارضة مع القرآن الكريم كمنظومة قيمية متكاملة، بل تُعيد تأويله لخدمة مشروعها السياسي، فتجدها توظف بعض النصوص لتعزيز خطابها الثوري، في حين تغفل قيما كالتسامح والتدرج والإصلاح المتوازن، فلم تتحرر من بعض “الميولات المتعصبة وبعض الأيديولوجيات الدخيلة المؤسسة على مفاهيم الحداثة والليبرالية أو غيرها من المفاهيم التي أخرجت بعض النصوص من مقاصدها، وزعزعت الكثير من المفاهيم الثابتة بصريح القرآن وصحيح السنة بسبب ضعف التكوين الشرعي لأصحابها أو غلبة نزعاتهم الأيديولوجية”[17]. فبدل من تقديم رؤية متكاملة، تعرض الرؤية القرآنية من منظور صراعي يختزل الدين في ثنائية المواجهة بين “الحق والباطل”، دون مراعاة العمق المنهجي الذي يميز النص القرآني، مما يرسخ فكرا مشوّها يفصل بين السياسة كاجتهاد إنساني والدين كمنظومة قيمية عليا.

وبين هذا التوظيف الأداتي من قِبل السلطة والتغييب المنهجي للقيم الإصلاحية من قِبل المعارضة، يصبح القرآن في كثير من الأحيان مجرد أداة في معركة المصالح، بدل أن يكون مرجعا يؤطر السياسة بمعايير العدل والمصلحة العامة.

  • التحديات المعاصرة في تفعيل الرؤية السياسية القرآنية:

يعترض تفعيل الرؤية السياسية القرآنية في الواقع المعاصر إشكالات معقدة تتجاوز مجرد العودة إلى النصوص، لتشمل كيفية استلهام مضامينها في سياقات حكم حديثة تغاير النماذج التاريخية، فـ”الفقه السياسي الإسلامي أقل أبواب الفقه تطورّا وتجديدا، فهو يكاد يكون قد حافظ على ما أنتجه فقهاء السياسة الشرعية في القرن الرابع للهجرة، إذ قد ظلّت المؤلفات بعد ذلك تقلّد ما ألّفه أولئك الفقهاء مع إضافات قليلة”[18]، في حين أن النص القرآني، رغم احتوائه على مبادئ سياسية واضحة كالشورى، والعدل، والمسؤولية، لم يُقدّم نظاما سياسيا جامدا، بل ترك مرونة واسعة للعقل البشري لتحقق مقاصده. إلا أن هذه المرونة تعرف اليوم تحديات عدة، تتراوح بين التوظيف الانتقائي للنصوص، وبين الجمود الفكري الذي يصر على استنساخ تجارب سياسية قديمة دون مراعاة تعقيدات الدولة الحديثة.

مفهوم الشورى على سبيل المثال، لا يمكننا حصره في تلك الاستشارة الشكلية، بل يجب تفعيله ضمن منظومات ديمقراطية تضمن المشاركة الفعلية، كما أن مفهوم العدالة لا بد أن يتجاوز حدود الإنصاف الفردي، ليشمل ضمان الحقوق، وتوزيع الثروات، وإقامة الحكم الرشيد. وبالتالي، فإن التحدي الحقيقي ليس في إثبات صلاحية الرؤية السياسية القرآنية، بل في تطوير أدوات اجتهادية تستوعب روح النص القرآني وتفعّله في واقع متغير.

المحور الرابع: الحلول الممكنة لإعادة تنزيل منهج القرآن الكريم

أولا: ضرورة التجديد في الفهم والتفسير

يُعدُّ تجديد الفهم القرآني وإحياءه أحد الركائز الأساسية لتفعيل القرآن في العصر الحديث، كما هو الشأن مع تفسير “المنار” -على صاحبه الرحمة والمغفرة-، وهو ليس مجرد خيار بل ضرورة ملحة لمواكبة التطورات الفكرية والمعرفية التي تطرأ على المجتمع، كما أنه لا يجوز ” أن نوقف تفسير كلام الله تعالى عند عصر معين. لأننا إن زعمنا ذلك، طعنا في خلود القرآن وخاتمتيه وعالمتيه وهيمنته”[19]. وهذا التجديد من أساسياته التحرر من نطاق التفسير التقليدي، الذي في بعض الأحيان يعجز عن معالجة التحديات المعاصرة، والتوجه نحو اجتهادات فكرية جديدة منضبطة إلى ما أقرّه العلماء من ضوابط في هذا العمل، تعيد اكتشاف القرآن وتعيد ترجمته إلى واقع حياتي يتناسب مع تحولات العصر، فـ”إنك لن تفقه كلّ الفقه حتى ترى للقرآن وجوه”[20]. وهو تجديد لا يعني بأي حال من الأحوال التنازل عن الثوابت القرآنية أو تشويه النص والخروج عن قدسيته، بل يتطلب جهدا فكريا عميقا يسعى لفهم المعاني القرآنية في سياقاتها التاريخية والاجتماعية، مع الانفتاح على المتغيرات العلمية والفكرية التي تؤثر في الحياة المعاصرة.

من هنا، يُفترض أن يصبح الاجتهاد القرآني ضرورة مُلحة للعلماء والمفكرين المسلمين، بحيث لا تقتصر مسألة تفسير القرآن على الاجتهادات السابقة التي تضع القرآن في قوالب ضيقة، بل تتجاوز ذلك لتطوير آليات ومناهج تفاعلية تعكس قدرته على مواجهة التحديات الفكرية المعاصرة، انطلاقا من شمولية القرآن ووظيفته التوجيهية، كما قال عز وجل: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ تبيانا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدى وَرَحْمَة وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾]النحل: 89[، فـ”القرآن اشتمل على كل علم نافع؛ من خبر ما سبق، وعلم ما سيأتي، وحكم كل حلال وحرام، وما الناس إليه محتاجون في أمر دنياهم ودينهم، ومعاشهم ومعادهم”[21]. فالفكر الإسلامي بحاجة إلى فتح آفاق جديدة لاستثمار النصوص القرآنية في مجالات متعددة، سواء كانت في السياسة أو الاقتصاد أو حتى في ميادين العلوم الإنسانية.

ثانيا: التعليم والتوعية

إن إدماج القيم القرآنية في مناهج التعليم لا نختلف في كونه أداة محورية لتفعيل دور القرآن في الحياة اليومية، غير أن هذا الإدماج لا يجب أن يكون شكليا، بل ينبغي أن يكون جوهريا، بحيث يتعامل مع القرآن كمنهج متكامل للمعرفة، والتربية، والسلوك. لأجل ذلك ينبغي تُبنى المناهج التعليمية ليس فقط على حفظ الآيات القرآنية، بل حتى على تفعيل معانيها في مختلف التخصصات، وهذا يوجب “إعادة النظر في محتوى مواد التفسير ومقرراته ومناهجه وكيفية أدائها لوظيفتها الاجتماعية والنفسية والفكرية، وتفعيل هذا الأداء أو بث الروح فيه من جديد”[22]، مع العمل على تطوير أساليب تعليمية تعتمد على التفكير النقدي والتحليلي، بحيث يتم تحفيز المتعلم على استنباط الدروس القرآنية في كل موضوع من الموضوعات التي يتناولها العلم.

إضافة إلى ذلك، من المهم أن تكون المؤسسات التعليمية منصات للتوعية بضرورة التجديد القرآني، وأن تُقدّم للأجيال الجديدة نماذج تطبيقية حية للقرآن في سياقات حياتهم اليومية. في هذا السياق، يمكن أن تُصبح الثقافة القرآنية ركيزة أساسية في بناء الشخصية الإسلامية المعاصرة، وتعزز قدرة المجتمع على التصدي للأزمات المعرفية والاجتماعية التي قد يواجهها.

ثالثا: التطبيقات العملية في الحياة اليومية

على مستوى الاقتصاد، يطرح القرآن مبادئ العدالة المالية التي يمكن أن تساهم في بناء نظم اقتصادية أكثر إنصافا، من قبيل تجنب الربا، والاحتكار، والغش، وضرورة تقديم الزكاة والصدقات، وهي مبادئ مركزية في فلسفة الاقتصاد الإسلامي، الذي هو “جزء من فلسفة الإسلام في بناء المجتمع البشري، وتحقيق العمران. وإن التمثلات العملية في الواقع الاجتماعي لهذه الفلسفة تنعكس مباشرة على حياة الناس نماء وكفاية، ورغدا في العيش، وتيسيرا في أسبابه ووسائله”[23].

أما في التعليم، فيجب أن يُنظر إلى القرآن باعتباره مصدرا لا غنى عنه لتطوير الفكر النقدي والعلمي، كون النصوص القرآنية تشجع على التأمل، والمراجعة، والتساؤل، وهذا ما يجب أن يعكسه نظام التعليم في العالم الإسلامي. إذ ينبغي أن يكون التفكير النقدي جزءا أساسيا من المناهج الدراسية، حيث يربط المتعلم بين معاني القرآن وحاجاتهم المعرفية المعاصرة.

وفي السياسة، يمكن للقرآن أن يكون مرشدا رئيسيا في بناء نظم سياسية عادلة تقوم على مبادئ الشورى، والمساواة، والعدالة الاجتماعية. فالقيم القرآنية في هذا المجال تتطلب تفعيل الديمقراطية الحقيقية والمشاركة المجتمعية، بما يتجاوز النظم السلطوية التي تسيء استخدام الدين لتبرير الاستبداد. وبالتالي، فإن إعادة النظر في المبادئ القرآنية المتعلقة بالسياسة تساهم لا محالة في تطوير مشروعات سياسية تُعيد للقرآن دوره التوجيهي في بناء مجتمعات حرة، عادلة، ومتضامنة.

إجمالا، إن تطبيق القرآن كمنهج حيوي في الحياة اليومية يتطلب تجديدا في الفكر، وتطويرا في المناهج التعليمية، وإدماجا حقيقيا للقيم القرآنية في كل مجالات الحياة، حتى نصوغ “معرفة بالكيف الإسلامي لإنجاز ما عندنا من غاية وأهداف، صياغة تأخذ في اعتبارها أمسنا الممجد، وغدنا المتألق بوعد الله ورسوله، وحاضرنا المرهون في يد أعدائنا. ويرجى أن تكون هذه الصياغة ملتقى في العقول لقدر الله المتمثل في التاريخ وشرعه المنزل المصون. ويرجى بعدئذ أن تتوحد النظرة، ويتوحد على إثرِها منهاج العمل وبرامجه، فيكون غدنا ابتكارا إسلاميا لا تقليدا للجاهلية يلفق من شعارات التراث ستارة يتم وراءها اغتيال الإسلام”[24]. وهذا يتطلب جهودا من المفكرين، والعلماء، والسياسيين، والتربويين لتخطي الحواجز التقليدية وإيجاد آليات فكرية تضمن التفاعل المستدام مع القرآن في سياقنا المعاصر.

خاتمة

إن التقديس المادي للقرآن الكريم مع تغييبه وظيفيا يمثل إشكالية عميقة في الفكر الإسلامي المعاصر، تتطلب وقفة نقدية جادة لفهم أكثر لجذور هذا التناقض وتداعياته، كونه يُمارس في أطر طقوسية عاطفية قد أفرغت القرآن الكريم من قوته المعرفية والعملية، لتجعله مجرد رمز يحتفى به في المناسبات، دون أن ينعكس هذا التكريم على الواقع المعاش أو على البناء المعرفي والاجتماعي الذي يفترض أن يكون القرآن محركه الأساس.

إن غياب التطبيق الفعلي لتعاليم للقرآن الكريم وتوجيهاته في ميادين الفكر والمعرفة، لا يمكن أن يُعزى فقط إلى العوامل الخارجية التي ذكرنا من قبيل الاستعمار والتأثيرات الفكرية المستوردة، بل هو أيضا نتاج لتراجع الفكر الاجتهادي واستكانة الفكر الإسلامي إلى التقليد الجامد في الفهم والتفسير. كما أن الفصل الذي وقع بين المعرفة الدينية والمعرفة التجريبية قد أسهم في جعل القرآن الكريم يُنظر إليه كتابا مقدسا معزولا عن ميادين الحياة اليومية، في حين أنه كان في العصور الأولى منبعا للمعرفة التجريبية والنظرية، معززا للقدرة على التأمل العقلي والنقدي.

وفي ضوء هذه التحديات، يتأكد جليا أن إعادة القرآن الكريم منهجا في الحياة والمعرفة، يتطلب إعادة فتح أبواب الاجتهاد والتفسير بشكل يتواءم مع متغيرات العصر، وإعادة بناء العلاقة بين القرآن والواقع الحياتي، فإن هذا التقديس لا ينبغي أن يكون محصورا في مظاهر الشكل والطقوس، بل يجب أن يُترجم إلى أفعال ملموسة تُعيد تشكيل الفرد والمجتمع وفقا لمقاصد القرآن العميقة التي لا تقتصر على العبادة، بل تشمل جوانب الحياة كافة. ومن هنا، يصبح التحدي الأكبر هو تجاوز هذا التقديس المادي والعودة إلى القرآن باعتباره منهجا حيّا يساهم في بناء مجتمع فكري ومعرفي قادر على التفاعل مع التحديات المعاصرة، ويُسهم في دفع قاطرة الأمة الإسلامية نحو نهضة شاملة تأخذ بعين الاعتبار الواقع وتعيد توظيفه وفقا لمبادئه القرآنية الثابتة.

نتائج البحث:

  1. كشف البحث عن تحول خطير في علاقة المسلمين بالقرآن الكريم، من كونه مرجعا منهجيا للحياة، إلى كونه رمزا يعظّم دون تفعيل.
  2. بيّن أن ردود الفعل العاطفية تجاه الاعتداءات على المصحف لا تُقابلها جدية مماثلة في الالتزام بتعاليمه، ما يدل على انفصال بين العاطفة والممارسة.
  3. أظهر أن التقديس الطقوسي (الحفظ، الزخرفة، التجويد…) طغى على التقديس الوظيفي، الذي يتجلى في استلهام النص لتوجيه الواقع.
  4. أرجع هذا التحول إلى عوامل تاريخية وفكرية، منها ضعف الاجتهاد، تفكك الدولة الإسلامية، هيمنة التقليد، التأثيرات الاستعمارية، وبروز نماذج تفسيرية جامدة.
  5. أوضح أن القرآن الكريم في عصور النهضة الإسلامية كان قلب الحركة العلمية والاجتماعية والسياسية، وأن تجاوز هذه الإشكالية ممكن بإحياء هذا الدور المركزي.

المراجع

  • القرآن الكريم.
  • موطأ الإمام مالك
  • الوحي المحمدي، محمد رشيد رضا، دار الكتب العلمية – بيروت، ط1/2005م.
  • كيف نفهم القرآن، للشيخ الغزالي -رحمه الله-، نهضة مصر للطباعة والنشر، ط7/2005م.
  • تفسير الشعراوي – الخواطر، محمد متولي الشعراوي، مطابع أخبار اليوم، د.ط، 1997م.
  • أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، محمد الأمين الشنقيطي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع بيروت – لبنان، 1995م.
  • نظرية المعرفة بين القرآن والفلسفة، راجح عبد الحميد الكردي، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، مكتبة المؤيد -الرياض، ط1/1996م.
  • التفسير والمفسرون، محمد حسين الذهبي، مكتبة وهبة -القاهرة، د.ن، د.ط.
  • تجديد الفكر في الإسلام، محمد إقبال، ترجمة عباس محمود، لجنة التأليف والترجمة والنشر-القاهرة، ط2/1968م.
  • مصادر المعرفة في الفكر الديني الفلسفي دراسة نقدية في ضوء الإسلام، عبد الرحمان بن زيد الزيدي، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، مكتبة المؤيد -الرياض، ط1/1992م.
  • عصر الأيديولوجيا، هنري إيكن، ترجمة محيي الدين صبحي، منشورات وزارة الثقافة -دمشق، 1981م.
  • ما هي النهضة، سلامة موسى، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، 2002م.
  • نقد مناهج العلوم الإنسانية من منظور إسلامي، محمد أمزيان، الموقع الإلكتروني لمركز خطوة للتوثيق والدراسات.
  • معالم في المنهج القرآني، طه جابر العلواني، دار السلام -القاهرة، 2010م.
  • الوحدة البنائية للقرآن المجيد، طه جابر العلواني، مكتبة الشروق -القاهرة، ط:1/ 2006م.
  • التفسير السياسي للقرآن الكريم رؤية عقليّة نقديّة، ذاكر اراس وسوهيرين محمد صول، الجامعة: مجلة الدراسات الإسلامية، المجلد: 60، العدد: /2022م01.
  • التجديد في التفسير في العصر الحديث.. منطلقاته وأهم اتجاهاته، مونية الطراز، موقع الرابطة المحمدية للعلماء، درسات محكمة.
  • المقاربات الشرعية المعاصرة للمفاهيم والموضوعات السياسية: قراءة في المنهج، مجموعة من المؤلفين، مركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية -قطر، ط1/2020م.
  • تطور تفسير القرآن – قراءة جديدة، محسين عبد الحميد، وزارة التعليم العالي، جامعة بغداد، 1408هـ.
  • الإتقان في علوم القرآن، جلال الدين السيوطي، تح: محمد أبو الفضل إبراهيم، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1984م.
  • تفسير القرآن العظيم، عماد الدين ابن كثير، تح: مجموعة من الباحثين، (مؤسسة قرطبة، مكتبة أولاد الشيخ)، الجيزة – مصر، ط1/2000م.
  • منهجية التعامل مع علوم الشريعة في ضوء التحديات المعاصرة، عدنان زرزور، المعهد العالمي للفكر الإسلامي -عمان، 1995م.
  • مجلة إسلامية المعرفة، العدد 70، خريف 1012م.
  • مقدمات لمستقبل الإسلام، عبد السلام ياسين، مكتبة سراج -الإلكترونية، ط2/2018م.

 

[1] مسلم، ابن الحجاج، الجامع الصحيح، تركيا، دار الطباعة العامرة، (1334ه)، (رقم/ 1218).

[2] محمد، رشيد رضا، الوحي المحمدي، بيروت، دار الكتب العلمية – بيروت، (2005م)، (ص/119).

[3]  محمد، الغزالي، كيف نفهم القرآن -التقديم-، مصر، نهضة مصر للطباعة والنشر، (2005م)، (ص/6).

[4] محمد، الغزالي، كيف نفهم القرآن -التقديم-، مرجع سابق، (ص/15). بتصرف يسير جدا.

[5] الشعراوي، محمد متولي، تفسير الشعراوي – الخواطر، الجيزة، مطابع أخبار اليوم، (1997م)، (ج/3)، (ص/8152).

[6] الشنقيطي، محمد أمين، أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، بيروت، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع بيروت، (1995م)، (ج/3)، (ص/17).

[7] الكردي، راجح عبد الحميد، نظرية المعرفة بين القرآن والفلسفة، الرياض، مكتبة المؤيد، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، (1996م)، (ص/14).

[8] الذهبي، محمد حسين، التفسير والمفسرون، القاهرة، مكتبة وهبة، (ج/2)، (ص/363).

[9] محمد، إقبال، تجديد الفكر في الإسلام، ترجمة عباس محمود، القاهرة، لجنة التأليف والترجمة والنشر، (1968م)، (ص/21).

[10] الزيدي، عبد الرحمان، مصادر المعرفة في الفكر الديني الفلسفي دراسة نقدية في ضوء الإسلام، الرياض، مكتبة المؤيد، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، (1992م)، (ص/511).

[11]  إيكن، هنري، عصر الأيديولوجيا، ترجمة محيي الدين صبحي، دمشق، منشورات وزارة الثقافة، (1981م)، (ص/143).

[12]سلامة، موسى، ما هي النهضة، القاهرة، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، (2002م)، (ص/79).

[13] أمزيان، محمد، نقد مناهج العلوم الإنسانية من منظور إسلامي، مركز خطوة للتوثيق والدراسات، رابط المقال: https://n9.cl/iour2d، تم الاطلاع عليه يوم: 29/03/2025.

[14]  العلواني، طه جابر، معالم في المنهج القرآني، القاهرة، دار السلام، (2010م)، (ص/77).

[15] العلواني، طه جابر، الوحدة البنائية للقرآن المجيد، القاهرة، مكتبة الشروق، (2006م)، (ص/14).

[16] ذاكر، اراس، وسوهيرين، محمد صول، التفسير السياسي للقرآن الكريم رؤية عقليّة نقديّة، الجامعة مجلة الدراسات الإسلامية، العدد:01، (2022م)، (ص/13-14).

[17]  الطراز، مونية، التجديد في التفسير في العصر الحديث.. منطلقاته وأهم اتجاهاته، موقع الرابطة المحمدية للعلماء، درسات محكمة، رابط المقال: https://n9.cl/0qukh، تم الاطلاع عليه: 1-04-25.

[18] المقاربات الشرعية المعاصرة للمفاهيم والموضوعات السياسية: قراءة في المنهج، مجموعة من المؤلفين، قطر، مركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية، (2020م)، (ص/11).

[19] انظر: محسين، عبد الحميد، تطور تفسير القرآن – قراءة جديدة، جامعة بغداد، وزارة التعليم العالي، (1408هـ)، (ص/231 وما بعدها).

[20] السيوطي، جلال الدين، الإتقان في علوم القرآن، تح: محمد أبو الفضل إبراهيم، الهيئة المصرية العامة للكتاب، (1984م)، (ج/2)، (ص/145).

[21]  ابن كثير، عماد الدين، تفسير القرآن العظيم، تح: مجموعة من الباحثين، الجيزة، مؤسسة قرطبة، مكتبة أولاد الشيخ، (2000م)، (ج/8)، (ص/342).

[22]  زرزور، عدنان، منهجية التعامل مع علوم الشريعة في ضوء التحديات المعاصرة، عمان، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، (1995م)، (ص/116).

[23] كلمة تحرير مجلة إسلامية المعرفة، العدد 70، (خريف 1012م)، (ص/05).

[24] ياسين، عبد السلام، مقدمات لمستقبل الإسلام، مكتبة سراج -الإلكترونية، (2018م)، (ص/18).

عن madarate

شاهد أيضاً

المقامة العربية القديمة: البنية والخصائص الأسلوبية – اسماعيل المركعي

اسماعيل المركعي* مقدمة اشتهر فن المقامة على يد بديع الزمان الهمذاني في القرن الرابع الهجري؛ …

اترك تعليقاً