الرئيسية / الأعداد / عملية التلقي وتفاعل المتلقي، ملاحظات عامة – حسن إمامي

عملية التلقي وتفاعل المتلقي، ملاحظات عامة – حسن إمامي

  عملية التلقي وتفاعل المتلقي، ملاحظات عامة

حسن إمامي*

يأتي تناول هذا الموضوع مع التأثيرات والتفاعلات التي تخلقها وتنتجها مجموعة من القراءات وأشكال الاطلاع التي يقوم بها كاتب هذه السطور، مثله مثل باقي من يحاول الاشتغال والتدوين لطرق الاشتغال ومضامينه.
هكذا نجد أن المتلقي في الدراسات الأدبية والنقدية أصبح يحتل محورا مهما في العملية التفاعلية مع المنتوج الأدبي خصوصا. فكل عملية إبداع أو كتابة تجد لها مستهلكا ومتفاعلا ومتلقيا.
سنتجاوز الوصفة الاقتصادية والترويجية التجارية التي تنتظر شراء المادة المنتوجة من طرف الآخر الذي لن يكون المنتِج طبعا بقدر ما سيكون من استقبل هذا المنتوج وأراد التفاعل معه واقتناءه.
كما سنتجاوز الوصف الشكلي الذي يجعل التلقي مجرد اقتناء لكي ننتقل إلى وصف أعمق يجد له تفاعلا ذهنيا وفكريا ونفسيا وحسيا تفاعليا.

ما يعني أننا نبحث عن متلقٍّ له وقعٌ خاص في تفاعله وتعامله مع المادة المنتَجة، مع الإبداع بمختلف أشكاله وأنواعه. هو متلقٍّ يحدث وقوع حياة جديدة للنص، ما دام هذا النص لغة أو صورة أو شريطا مسموعا أو مرئيا. هذه الحياة الجديدة ربما ستبقى داخل كيان المتلقي. وربما ستنتقل إلى مادة تفاعلية خطابية وثقافية. وربما ستحفز على التعليق والتحليل والتناول لمادة الإبداع في دراسة سنسميها نقدية ما دامت تحلل تفكيكا وملاحظة، تعقيبا وإضافة، إزاحة وتأكيدا لمجموعة من عناصر المادة الإبداعية.
إن هذا المتلقي يحتاج إلى تصنيف أولي وترتيب لأنواعه، حتى نرصد ونتتبع نوعية تفاعل كل فئة مع النص الإبداعي والمادة الإبداعية عموما. وهنا سنقترح تناول الشق الثاني من عنوان هذا المقال، وهو عبارة “مداخل التلقي” عند المتلقي.

مداخل التلقي عند المتلقي

لن يكون سهلا ولوج هذه الطريق ما دمنا في مراحلها الأولية للملاحظة وفي محاولات استنتاجية فقط وليست باشتغالات محترفة ومتحكمة بمناهج تحليل ومدارس موجّهة في هذا التحليل. إنما، ما لا يدرك كله لا يترك بعضه. ولعلها إرهاصات ستشجع المتمكنين أكثر على بسط الموضوع بشكل أفضل. إيمانا منا بأن الفعل الثقافي هو فعل تفاعلي وديمقراطي متكامل بين الجميع، وأن الحقيقة نسبية، وداخل نسبيتها فهي تتم بتكامل عمل واستنتاجات وإضافات مختلف المتدخلين في التناول والتفاعل والبحث والدراسة.

ظرفية التلقي

وحتى لا نتيه في يم بدون شواطئ رسو ووصول إلى بر أفكار هي شط أماننا الفكري والذهني والواعي بما قرأ وما وصل إليه، سنلفت الانتباه إلى المتلقي كذات لها مرجعياتها ومستوياتها الإدراكية، ومؤثراتها النفسية والذوقية والجمالية وغيرها من أشكال الخصوصيات التي ستميز ذات المتلقي هذا.
سيكون المتلقي الواعي والمدرك لما سيخوضه من اشتغال تفاعلي مع المادة الإبداعية. كما سيكون هناك متلقٍّ منطلقٍ من تفاعل جمالي وانطباعي يريد تحقيق متعة التلقي وسعادة التفاعل، ونشوة الشخصية في التمتع بما يسعد مناخها وظرفيات عيشها. ربما قد نتحدث عن مشاهدة فيلم في قاعة سينما، رفقة خليل أو زوج. ربما سنتحدث عن صدفة مرور شخص أمام باب رواق، واختياره الدخول لرؤية ما يُعرض. هذان المثالان وغيرهما سيكونان سبيلنا للقول بأن هناك متلقٍّ يبحث عن المتعة وقد لا يهمه تقويم وتقييم المادة المتلقاة. ويبقى استنتاجنا نسبيا طبعا ما دام المتلقي إنسانا يمتلك عقلا ويمتلك وعيا، ولا يمكننا إقصاء عملياته الذهنية والنفسية المشاعرية والذوقية الجمالية. إنسان قد تحكمه ظروف التلقي، فنقول إن هناك عنصرا يجب على النقاد والمحللين إعطاءه الأهمية إلى جانب المادة الإبداعية وعملية التلقي، وهو “ظرفية التلقي”. هنا طبعا مربط الفرس بالتشبيه القروسطي. هنا طبعا تبيان لما هو جلي في اشتغال النقاد بعلاقة الأدب بالتحليل النفسي. وهو جانب وضعية المتلقي وظرفيته وظروفه حين تفاعله مع المادة الإبداعية. دون أن ننسى تساؤلنا بالموازاة حول ظرفية المبدِع حين إنتاجه لمادته الإبداعية، وظرفية التعبير حين تموضِعه داخل سياق تحليلي وتركيبي. طبعا إن اختيار الكاتب مثلا قتل شخصية أو جعلها بطلة خارقة للعادة، أو جعلها في تحول بين الإيجابي والسلبي، كل هذا يدل على ظرفية واختيار وتأثير يتأرجح بين الواقعي والتخييلي، بين الذاتي والموضوعي… ظرفية تحليل نفسي للمتن الأدبي في علاقته مع كاتبه ومنتجه.

حتى إذا انتقلنا الآن إلى الحديث عن مداخل عامة رئيسية تحكم المتلقي من منطلق ثقافته ومبادئه وقيمه وموقعه المجتمعي والسياسي والفكري والفلسفي، وجنسه كذلك، أمكننا ذكر التأثير الفلسفي والديني، التأثير الإيديولوجي والبيئي، وغير ذلك من أشكال التأثير التي تجعل التلقي وقد وقعت معه عملية تحول في المادة التي تلقاها ووقعت متغيرات جديدة منفلتة عن المادة الأولى ومشكِّلة لمادة جديدة تولّدت عن تفاعل بين مكونات عدة.

دلالة السلوك في التحليل النفسي والأدبي:

اذا كانت القراءة هي عملية إنتاج للمعنى وليست مجرد استهلاك فإن الأمر سيعني أن القراءة تحدث تغييرا في السلوك الداخلي والخارجي معا. ما يعني أن التلقي تأثير واقع لا محالة مع عملية التفاعل التي تكون مع المرسِل ومع الرسالة.

من جهة أخرى هناك المرجعية والخلفية الباطنة وراء النص مثلا، وهناك مواد عضوية فاعلة في ذات المتلقي تجعل عملية الزرع محدثة تغييرات جديدة قد لا تطابق طبيعة المادة المرسَلة من المصدر ومن الأصل.

ولعل هناك منطلقات عامة يمكننا إخضاعها لهذا التحليل الجيني الأولي الذي نقوم به. ماذا سنسمي عمليات التجنيس الفرعي داخل التجنيس العام الذي يجمع أسرة إبداع واحدة؟ فداخل جنس الرواية نجد الرواية البوليسية والرواية الفلسفية والرواية الاجتماعية وغيرها من الأشكال. ألي هذا التجنيس الفرعي مدخلا يتحكم في عملية الإبداع والتلقي. حينها سنجد موجِّها يجعل منحى السرد في الرواية، ومنحى التلقي، يأخذان سياقا واشتغالا وتأطيرا يبعد باقي فروع التحقق الحياتي والوجودي للمادة الإبداعية، ولاشتغال الفكر داخلها.

كاتب من المغرب

 

عن madarate

شاهد أيضاً

المقامة العربية القديمة: البنية والخصائص الأسلوبية – اسماعيل المركعي

اسماعيل المركعي* مقدمة اشتهر فن المقامة على يد بديع الزمان الهمذاني في القرن الرابع الهجري؛ …

اترك تعليقاً