البيت القديم موعد مع تجاور الجغرافيا والتاريخ

المختار النواري*
الحمد لله الذي جعل البيت الحرام مثابه للناس وامنا وجعل لنا من بيوتنا سكنا وعذب بيتا العنكبوت وهنا واوحى الى النخل ان يتخذي من الجبال وصلا والصلاه والسلام على النبي الخليق، الذي أوضح للإسلام الطريق، وسن لنا الحج إلى البيت العتيق. وجاء على لسانه، وهو الحق: “يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستانسوا وتسلموا على أهلها”. وتنزل عليه: “فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة”.
تأتي المجموعة القصصية “البيت القديم” لتحقق التوازن داخل الباقة السردية السداسية، التي عمل القاص والروائي والتربوي والباحث كريم بلاد على حبك نسجها في عمر بلغ الآن اثنتي عشرة سنة، ما بين ثلاثيته الروائية (أوان الحب أوان الحرب… 2014 ـ غواية السواد 2016 ـ طفل المزار 2020)، ولتكمل ثلاثيته القصصية (اليد اللطيفة 2020 ـ أنا بصيغة أخرى 2022 ـ البيت القديم أكتوبر 2025).
وتخط هذه المجموعة مسارها الخاص، مراكمة بذلك ما ابتدأ الكاتب في إرسائه ضمن أعماله الأولى والسابقة، ومؤسسة لخصوصيتها الخاصة، إما كتفرعات أو انزلاقات أو فتوحات في الجانبين الفكري والفني. ذلك أن الأعمال الأدبية لأي كاتب من الطبيعي أن تسير في هذين المسارين: مسار المواصلة والتكريس والتراكم؛ ومسار التجديد والابتكار والإبداع. وكل كاتب يكتفي بالتكريس فإنه يعلن نهايته، ويفقد القراء جاذبية الإقراء، ومتعة مغامرة القراءة، واكتشاف مفاجآتها.
ويمكن الكشف عن خبايا هذا العمل ـ “البيت القديم” ـ التكريسية والتجديدية من خلال جملة من النقاط، تسمح بها طبيعة اللقاء، بقصد تقريبه من القارئ، وانفتاحيه على المتلقي. وهي ثلاث نقاط:
ـ البيت القديم عنوانا؛
ـ البيت القديم تيمة؛
ـ البيت القديم بناء؛

أولا البيت القديم عنوانا
بين البيت والقديم يختصر العنوان الوجود، ليجمع الجغرافية والتاريخ، أساس كل وجود.
إنه العنوان النواة والبؤرة.. ولها تجليات، تحملها الجغرافيا ـ البيت ـ ومنها:
ـ إنه العنوان النواة والبؤرة المعرفية، المعرف الذي لا يقبل التحديد، والمحدد الذي لا يقبل الحصر.. إنه ليس أي بيت، وفي الآن نفسه ليس كل بيت.. إنه بيت معرَّف، ومحدد الصفة ومعرفها ـ القديم ـ وليس بيتا واحدا ومعزولا، وكل بيت يقبل الصفة فهو المعني.. إن الإطلاق يوسع من دائرة البيت القديم، ليشمل أعدادا لا حصر لها.
إنه العنوان النواة والبؤرة الجغرافية ـ المكانية باقتصاره على نواة المجتمعات المكانية، الخاضعة لتدخل الإنسان وأنظمته وتصوراته وتخطيطاته، والمرتبطة بحاجاته، والمحققه لغاياته وأهدافه. إنه تدوين لحضور الإنسان في المكان، وتصرف فيه، وإخضاع له، وإظهار للقدرة على بلورته من الجغرافي الطبيعي إلى الجغرافي الحضري العمراني، وبعباره أخرى عكس لتصرف العقل في الجغرافيا، وتدخل الفكر فيها، والتمظهر من خلالها. ونواة لكل تشكل جغرافي عمراني: بدوي (قرية ـ دوار – مدشر)؛ وحضري (مدينة ـ مركز حضري ـ تجمع عملاق ـ حي ـ درب ـ زقاق).
إنه العنوان النواة والبؤرة المجتمعية فالبيت فضاء بناء الأسرة وتجمعها، ونسج تلاحمها، وتشبيك ارتباطاتها، وتعميق علاقاتها، وتعقيدتها تمفصلاتها.. وهو منطلق بناء العائلة، ونواة المجتمع، الذي ليس إلا مجموعة أسر وعائلات، متبادلة الأدوار، ومتداخلة العلاقات.
إنه العنوان النواة والبؤرة الاجتماعية، على اعتبار أنه يختزل النظم الاجتماعية الأساسية والمؤسسة من ترابطات دموية وتجاورية ومصلحية، من علاقات أبوة وأموة وأخوة، وما يترتب عنها من تناسل وتصاهر وتكاثر، من هرمية سلطوية مبنية على مواثيق أخلاقية ومصلحية واعتبارية، من علاقات تضمن المواصلة والاستمرار والحفاظ على النظم والقيم والعادات والأعراف.
إنه العنوان النواة والبؤرة بما يحمله من أسس عقدية وبنى اقتصادية…
ولو أردنا التفصيل في كل واحدة على حدة، كما فعلنا بالبنية الاجتماعية، لفعلنا، ولكن اختصارا على القارئ واستثمارا للوقت نتجاوز.
إنه العنوان النواة والبؤرة الفكرية والثقافية بما يبثه من أسس الفكر وثوابته، زرعا ورعاية وإنماء وتصويرا وتسريعا وتفصيلا، وبما يضمره من أشكال الثقافة الجنينية ويضخها في القاطنين به، ويمدهم بما عساهم يفعلونه وينضجونه ويبلورونه ويوسعونه وينشرونه.
والشق الثاني من التجليات التي يحملها نصف العنوان: التاريخ ـ القديم، نذكر منها:
أنه العنوان النواة والبؤرة الحاملة للجزء من التاريخ ـ القديم ـ الموهمه بالاكتفاء به، والاقتصار عليه، والمستبعدة لشقه الثاني: الجديد، باعتماد التقسيم الثنائي للتاريخ (قديم/ جديد). وهناك تقسيمات أخرى أحادية وثلاثية، وزد ما شئت في الأرقام، قربا وبعدا وتحقيبا. والحقيقة أنه لا يمكن القيام بهذا التقسيم، والوقوف على شق إلا من الشق المقابل، ولا النظر لصفة الا من الصفة المعارضة، فلا يمكن الحديث عن بيت قديم إلا بوجود بيت جديد.
أنه العنوان النواة والبؤرة القديم المحيل على عدة إحالات دلالية:
. ما يعنيه القدم من العتاقة، التي لا تعني البلى، وإنما الأصالة والتجدر؛
. ما يعنيه القدم من النفاسة، التي لا تعني القلة، وإنما علو القيمة؛
. ما يعنيه القدم من الحفاظ والمحافظة، التي لا تعني الجمود، وإنما الحرص على الشيء كما هو؛
. ما يعنيه القدم من تعلق عاطفي، الذي لا يعني اهتراء الأحاسيس، بقدر ما يعني الحنين، والنزوع إليها، وقوة تدفقها، وما تمده من فيض حنان.
ثانيا البيت القديم تيمة
تتأسس جوهرية “البيت” على جملة من الأبعاد الدلالية، التي يمكن تتبعها وحصرها في نواحي مختلفة من حضورها في حياة الكائن الإنساني، وجودا ومعتقدا ومتخيلا وحوارا حضاريا، لتكرس حضورها داخل العمل القصصي، الذي نحن بصدد قراءته وتفكيك مختلف بنياته، ورصد تجلياته وأبعاده.
وبناء عليه فإننا نخلص إلى مجموعة من أشكال حضور البيت باعتباره تيمة أساسية في تصور الإنسان، وبنائه العقلي والوجداني، ويتمثل ذلك في أن:
ـ جوهرية البيت في الوجود الإنساني لا ترتبط بالحركة العمرانية وحسب، كما قد يتبادر إلى الدهن، بل بوجود الإنسان، لأن البيت من البيات، الذي يتصل اتصالا مباشرا صريحا بالنوم، وقضاء الليل. فالبيت المساحة المكانية، التي تحتضن جسم الإنسان ليلا، تكاد تحتويه، وقد تحضنه، وقد تتسع له برحابة مرفهة. إنه تكريس لعلاقة الإنسان بالمكان، وخاصة في زمن الليل، حيث تكثر المهددات والأخطار، ويحتاج النائم إلى من يحميه، ولن يكون هذا الحامي، الذي لا ينام، سوى البيت.
ـ جوهرية البيت في المعتقد الديني:
لقد ارتبطت مختلف العقائد، سماوية كانت أم وضعية، ببيوت العبادة، واتخذت لها إسما خاصا وفق العقيدة، وحافظت على الإسم نفسه على تعدد تلك البيوت، وتوزعها مكانا وزمانا، وإن اختلفت درجة التأنق في المعمار، حسب طبيعة كل بلدة، وحسب الحقبة الزمنية، والتطور الحضاري، الذي بلغته الأمة المعنية ببناء بيت العبادة، وإعداده بما يناسب.
فكان المسجد أو بيت الله بيت العبادة عند المسلمين، وخصص المسجد الأقدس باسم البيت الحرام، وسمي عند النصارى بالكنيسة، وعند اليهود الكنيس وبالترجمة الحرفية من العبرية “بيت كنيست”، ومعناها مكان التجمع أو الاجتماع. وهي عند الفراعنة معبد أو “بيت الإله”، وعند البوديين الهنود المعبد أو ماندير، وهي المعابد كذلك عند الكونفوش الصينيين.
وفي اللغات السامية نجد حضور لفظة بيت في جملة من العبارات وبدلالات مختلفة، ومنها أن بكة أو مكة في العربية تطلق على البيت الحرام، وتعني مكة في البابلية “البيت”. وكثيرا ما يتقدم لفظ بيت فيها على عبارات تعني أماكن العبادة كبيت آون” وبيت أكيتو”، وبيت إيل، (249) وبيت حسدا، (250) وبيت ريش (251)،
واقتصرت على أماكن ذات رمزية خاصة مثل “بيت بلت” = مرسى، و”بيت جرماي” = كركوك، و”بيت حسدا” = بركة مقدسة(250)، و”بيت هيلاني” = قصر (254).
وتوسعت قليلا لتشمل أسماء تجمعات سكانية قرى ومدن، فمن القرى “بيت فاجي” (252)، و”بيت مري” (254)؛ ومن المدن “بيت إيل” وتسمى حاليا عند اليهود “بيتين” (249)، و”بيت إيل” أخرى قرب غزة (250)، و”بيت حورون” (250)، و”بيت زكريا” و”بيت شان” و”بيت شمس” (251)، و”بيت صور” و”بيت صيدا” و”بيت عينا” و”بيت فلوي” (252)، و”بيت لحم”، و”بيت مرسين” (253).
وعنت بعض العبارات الدولة كـ”بيت أجوشي” (249)، و”بيت بخياني” (250)، و”بيت رحوب”، و”بيت زماني” (251)، و”بيت عديني” (252)، و”بيت كرماي” (253)، و”بيت هوزايي”، و”بيت ياكيني” (254).
ولا يخفى علينا أن أصل الكثير من الدول مدن، أو مواقع جغرافية محددة، وبعبارات أخرى بيوت ذات رمزية خاصة، وفي أحايين كثيرة لا يُستبعد البعد الديني.
جوهرية البيت في الحوار الحضاري:
إذا أخرجنا “البيت الحرام”، أو “البيت العتيق”، الذي ببكة مباركا، من صبغته الحضارية، التي تسمح له بأن يحاور شعوب الكرة الأرضية، ويجمعها حول معتقد واحد، ورؤية للعالم موحدة، فإن الحضارة العربية الإسلامية، وفي أواخر قرنها الهجري الثاني، أصرت على الاحتفاظ بتلك الصفة الحضارية، وأن تكسبها لبيت اصطلحت عليه بـ”بيت الحكمة”، وكان قد مهد له الخليفة العباسي الماجد هارون الرشيد (170 ـ 193هـ)، وواصل عمله خليفته وابنه المثقف المتنور، عبد الله المأمون (198 ـ 218هـ)، وشجع الحوار الحضاري العربي الإسلامي الممتد في اتجاه باقي ثقافات العالم ولغاتها، وشعوبها السابقة والمحاينة، وشجع على ترجمة الثقافات الأجنبية إلى ألسنة وسيطة ثم عربية، أو إلى عربية مباشرة. واشتهر في زمنه تراجمة كبار، أمثال يوحنا بن ماسويه، وحنين بن إسحاق، والفضل بن وبه، وسهل بن هارون، والفضل بن سهل. ووفر لهم العيش الكريم، والأجواء الثقافية المشجعة على العمل، فأنتجوا وأبدعوا، وساهموا في إدارة عجلة الحضارة الإنسانية، وأنطقوها عربية، وصبغوها إسلامية، وقد وصلت محتويات هذا “البيت” ـ بيت الحكمة ـ إلى آلاف المخطوطات، بل ومئات الآلاف، حسب ما رصده البيبليوغرافيون، وأخبر به المؤرخون، صبغ مدادها نهر دجلة لأيام وأسابيع حين الهجمة الهمجية المغولية.
جوهرية البيت في المتخيل الكتابي:
لقد كان للبيت المساحة مكانية موقعه الخاص داخل المتخيل الكتابي، ورسم الكُتاب ـ كُتاب السرديات والمخاطبات والشعر ـ للبيت معنى خاصا، وبتشكل متميز، قد يخالف الواقع تماما، وقد يصبغه بشعور خاص، ينبني على الألفة المكانية، التي عقدها الكاتب معه، وعاش عليها لعهود. فتولد عن ذلك إحساسه الخاص بـ”البيت”. وقد نجد أثرة من ذلك في شعر الشعراء القدامى من خلال ما أولوه للطلل من أهمية. كما قد نجد صدى له في الحضور المكاني للمخاطبات التي يبعث منها، ويحرص على وصفها، أو يرسل إليها، فيسأل عنها، ويرصد تشوقه لها. وفي روايت واسيني الأعرج حضور قوي للبيت كمكان مجرى الأحداث. ولا يمكن لعمل سردي ما ألا يعرج على البيت باعتباره فضاء لصيقا، مركزيا أو ثانويا، ولكن اعتباره مكانا مؤطرا للسرد، معنونا به، ضاما لأطرافه، ناسجا لخيوط كثير من أحداثه، فذاك ما نجده في عمل “البيت القديم” لكريم بلاد.
جوهرية البيت في العمل القصصي:
اما حضور البيت كتيمة في هذا العمل القصصي ـ لكريم بلاد، المعنون به ـ البيت القديم ـ فلقد تصدر الاهتمام، وسجل له حضوره على اكثر من موقع.
فمن ألوان حضوره:
ـ حضوره محدودا في كلمة:
لتيمة “البيت” تجليات، لعل أضيقها وأكثرها محدودية، وأوسعها ورودا، تشكلها في صورة كلمة ـ البيت ـ عاكسة انشغال الكاتب بها، وسيطرتها على أفكاره وتصوراته ورؤاه، وانعكاساتها من خلال لغته.
وقد كان هذا الانعكاس حاضرا إما في:
ـ عناوين بعض القصص، التي ضمتها المجموعة، مثل “خبز البيت”، وهي القصة الثانية، التي لا تعطل انتظار القارئ وتوقعه طويلا.
ـ متون بعض القصص بحضورها هنا أو هناك، فتظهر كالنجوم، التي تبدد حلكة المجموعة القصصية، ويهتدي بها القاريء في الفضاء السردي لها. فقد حضرت في ثماني قصص. حضرت في القصه الاولى المعاطف (9)، والقصة الثانية خبز البيت (14. 18 ×××)، والقصة الخامسة خيال مني (31. 32 ××× 34 ×××)، والقصة السادسة أحلام الأعوام الثلاثة (39)، والقصة الثامنة العصفورة التي أخبرتني (46. 47 ×× 48 × 49)، والقصة السابعة الكاتب وحرس الحدود (45)، والقصة التاسعة عينان تراقبانني (54)، والقصة الحادية عشرة يد الله (62. 63. 64).
ـ حضوره مستفيضا في عبارة:
تأتي تيمة “البيت” فارضة نفسها منذ العنوان، وفارضة كذلك انتباه القارئ، واستفزاز ملاحظته، ومثيرة في نفسه المتوقع القابل، وكأنها عاقدة العهد معه على أنها ستكون الموضوع الأبرز، وموجهة تطلعه القرائي إلى ذلك. ولها أن تفي بعهدها وفاء تاما، ولها أن تُوَفّي به إلى حد ما، ولها أن تنكث العهد، وتخيب التطلع، وتنضج الاستفزاز. فتدعو إلى العتاب، وطرح التساؤلات، والبحث عن المبررات، التي قد تنقلب إلى تفهم متساهل، أو متسامح، او مُكْبِر؛ وربما انقلبت إلى إدانة قاسية وجارحة.
ولأجل شيء من هذا، أتت تيمة البيت في عبارة العنوان وعلى مستوى محطتين: العناوين والمتون.
ـ محطة العناوين: غالبا ما يلجأ الكتاب إلى عنونة مجاميعهم القصصية بعنوان إحدى القصص، موجهين انتباه القاريء إلى ذلك، ودافعينه إلى التساؤل عن السر في ذلك. وقد اتبع كريم بلاد تلك السنة، وهي استمداد عنوان مجموعته القصصية من عنوان إحدى القصص ضمنها، فقد أورد عبارة عنوان المجموعة في عنوان القصة ما قبل الأخيرة ـ الثالثة عشرة ـ ولنقل القصة الثانية من الأخير، والتي جاء عنوانها كالتالي: “نكاية بالبيت القديم”، والذي تضمن عبارة عنوان المجموعة كاملا، ولكن إيرادا، وليست تكرارا، بإضافة عبارة مقدمة له (نكاية بـ…). فكانت النكاية مزدوجة، لا بالعنوان ـ البيت القديم ـ كما يفصح ظاهر العبارة، وإنما نكاية بالقارئ، ونسف توقعه، وخلخلة توقعه، والعبث بما سلف في متون القصص الاثنتي عشرة السابقة من تكريم البيت القديم، والحنين إليه، وإحلاله محلا عاطفيا، يكاد يقارب التقديس. وكان اختيار هذا العنوان للقصة، وتقاطعه مع عنوان المجموعة القصصية قياما بوظيفة مزدوجة: أولا فهي توصل الخيط بين عنوان في المجموعة وإحدى القصص المتضمنه فيها؛ ثانيا أنها تخلق مفاجأة صادمة للقارئ بتجنب التكرار، وإضافة ما يفيد معنى الصدمة، وتخييب التوقع (النكاية).
ـ محطة المتون: ولتيمة “البيت” حضور في عبارة “البيت القديم” داخل متون النصوص القصصية الأخرى، موزعا ومكررا بدرجات متفاوتة، وكان ذلك على صورتين:
ـ متجاورا مع الإيراد الجزئي ـ لفظة البيت ـ والإيراد الكلي ـ عبارة البيت القديم ـ للعنوان، وذلك في ست قصص هي: خبز البيت (15 × 16. 18)، خيال مني (31 ×× 33. 34 ×× 35 ×)، أحلام الأعوام الثلاثة (38. 40)، العصفورة التي أخبرتني (46. 47. 50)، عينان تراقبانني (51. 52. 53)، يد الله (62. 63 ××× 64). ومقتصرا على عبارة العنوان كلها ـ البيت القديم ـ في أربعة أعمال، هي: الكاتب وحرس الحدود (41 ×× 42 ×× 43. 44 ××)، البقع الحمراء (56)، نكاية بالبيت القديم (69 × 70 × 73 ×)، رجلان وامراتان (76 × 78). وقد خلت أربع قصص من هذه التيمة لفظة وعبارة (محاكمة خبزة ـ الملعقة ـ يد القائد).
ومن خلال أشكال الحضور هاته لكلمة البيت، لفظة وعبارة عنوان، في عناوين القصص، وفي متونها، يتضح أنها كانت الخيط الناظم بين هذه المجموعة القصصية، وأنها كانت تشكل المحور التيماتي، الذي اعتمده كاتبها، وحتى حينما حاول أن يبتعد عنها لفظا في ثلاث قصص من المجموعة (محاكمة خبزة ـ الملعقة ـ يد القائد) فانه ظل مشدودا لها على مستوى المعاني والإيحاءات والدلالات.
ثالثا البيت القديم بناء
لعل ابرز ما يثير في المجموعه القصصيه البيت القديم هو بناؤها، الذي تعددت صيغه، وحمل اجتهادات تصنيفية، تُحسب لصاحبها، إذ كان السباق اليها.
ويتشكل هذا البناء من عتبات (1 ـ 8)، ومتن سردي (9 ـ 80)، والفهرس (81).
العتبات:
وأهم ما يميز هذا البناء عتباته الخمس عشرة (0 ـ 8. 81…)، التي جمعت في تقابلات، إن لم تكن متعمدة، فهي فارضة لنفسها، ما بين الغلافية والداخلية، وبين الوجه والظهر، وبين اللون والصورة والكتابة والرمز، وبين الملونة والثنائية اللون وأحادية اللون، بين المعلومات التقنية والكتابة الإبداعية، المنفردة والمزدوجة، الوحيدة والمتساكنة. وجعلت هذه العتبات صفحات للكتابة وأخرى للبياض، وعمد الكاتب إلى عنونة المكتوب أحيانا، وعدم عنونته أخرى. وقد ضمت صفحة الغلاف الداخلية وصفحة المعلومات التقنية، وصفحة “الإهداء” المستتبع بصفحة البياض، وصفحة “الإضاءة”، وصفحة “ملحوظة مهمة”، وصفحة اقتباسات غير معنونة متلوة بصفحة البياض. وختمت بعتبة “الفهرس”، وصفحات للبياض.
ولا يتأتى للقارئ أن يدفع ما تتبادر إلى ذهنه من أسئلة من مثل: لما هذا التعدد في العتبات؟ لماذا هذا الإصرار؟ ما علاقة العتبة الفنية بالمتن (مجموع القصص)؟ ما علاقة العتبة بالبيت ـ عنوان المجموعة، وموضوعها الرئيس؟ هل للعتبات المكانية حضور في البيت القديم؟
العتبة الغلافية:
ويأتي الغلاف، وجها وظهرا، داخلا وخارجا، ممددا ومطويا، مشتملا على أربع محتويات، تتفصل في الصورة والكتابة والألوان والخلفية.
وقد حضرت الصورة بتقديمين:
ـ خارجي على وجه الغلاف، وهو عبارة عن صورة عامة لبناية تاريخية بطنجة، أصر المؤلف على أخذها بنفسه، تبهر القارئ بجمالها الهندسي وتناسقها وبياضها القاشع، وتحننه باحتضان الطبيعة لها، جانبا وعلوا ووسطا. وتحدثنا هذه الصوره عن قصة حب بانيها (بردكاريس)، الذي حاول أن ينتزع زوجته من مخالب المرض، وأن يتخذ المكان وسيلة للتخفيف عنها ما أمكن.
ـ وداخلي في مطوية الوجه، وهي صورة شخصية للمؤلف في إحدى الوضعيات التواصلية، مما يعكس حرصه على الانفتاح والتواصل.
وتميز الغلاف ألوانه التي غلبت عليها الزرقة والبياض، مناصِفة له. فما بين الزرقة السماوية في الأسفل والبياض الثلجي في الأعلى، أو هي زرقة السماء في الأعلى وبياض البناء العمراني في الأسفل كما تقدمه الصورة، تنقلب الأوضاع، وتفضح نية مبيتة للتلاعب بها، والتدخل لتغيير حقائقها، وتقديمها لا بصورة واقعية، وإنما بحس فني، يبيح لكاتبها حق التصرف، ويتيح له إمكانية تغيير مجرياتها، إن لم نقل التلاعب بها.
واختار الكاتب لغلافه خلفية بخطوط هندسية متشعبة متشابكة، تبدو جلية بلونها الرمادي الباهت في النصف العلوي الأبيض، وتكاد لا ترى في النصف السفلي الأزرق. وقد توحي هذه الشبكة الهندسية المتداخلة بأسهمها، المحاصرة من كل الجهات، بتعقيد العملية، التي أشرف عليها الكاتب، وسيقبل عليها القارئ، وكأنها تنبيه له إلى أنه سيظل محاصرا ضمن لعبة سردية، سيدخل إليها، ولكنه سيصعب عليه الخروج منها. إنها متاهة سردية، بداياتها طعم (خبز البيت القصة الثانية)، ونهاياتها نكاية (نكاية بالبيت القديم القصة الثانية من الأخير).
وأما الكتابة فقد كانت حاضرة في وجه الغلاف بثلاثة أسطر، بخط نسخي مختلف الحجم والسمك، وفي الظهر بنص كتابي مستمد من إحدى قصص المجموعة ()، وبكتابة سردية سيرية لصاحب المجموعة، موزعة بين مطوية الوجه الداخلية، ومطوية الظهر، حملت تعريفا أدبيا وجغرافيا به، تلاه حصر للجوائز المحصل عليها، وفي مطوية الظهر عرض لإصداراته.
عتبة المعلومات التقنية:
غالبا ما لا يقف القارئ عندعتبة المعلومات التقنية، والتي تخصص لها صفحتها المستقلة حسب التقليد الطباعي، ولكنها في حال البيت القديم أجد ما يشدني إليها.
تثيرني كلمة “قصص”، التي وردت في العتبة الغلافية الأولى، وفي عتبة الصفحة الداخلية للعنوان. وفي كليهما جاءت في سطر مستقل، ومعزول بمساحة عما قبله (البيت القديم)، ولكنها في صفحة المعلومات التقنية جاءت بشكل مختلف، إذ وردت مجتمعة مع العنوان في سطر واحد على الصورة التالية:
البيت القديم (قصص) وهي بهذا التصفيف تعني ما لم تعنه في الإيرادين الأولين، بحيث أنها كانت فيهما تسطيرا على التجنيس الكتابي للمصنَّف، بينما في الصفحة التقنية، وبتصفيفها الجديد، أُعطيت دلالات أخرى:
البيت القديم (قصص)
من المأثور الشائع أن لكل البيوت قصص، وهذا صحيح، ومثلها فللبيت القديم قصصه، التي تفيد الحكايات بالجمع. إن الجمع لا يمكن أن يدل هنا سوى على التعدد والغنى والتنوع. وصحيح أنه يعطي الانطلاقة والشروع في الحكي، ويرسخ الابتداء، ولكنه لا يمكن أن يعطي النهاية، ولا يحد موقعا للانتهاء. إن الجمع اللغوي هو بمثابة التعدد الرياضي، الذي لا ينتهي. فحكاية البيت القديم تبدأ، ولكنها لا تنتهي. تبدأ حدثا وموقعا وشخصا مع كل إنسان، ولكنها لا تنتهي على الأقل حكيا، وتناقلا للحكي، وبانتساخها في حياة كل إنسان.
فمن منا، ومن البشر عموما، من لا يمتلك بيتا قديما، وذاكرة فياضة عنه؟! ومن منا لا يحكي عنه؟! ومن أين نُغني حكاياتنا عنه سوى من حكايات الأجداد والآباء والمعارف والآخرين؟!
إن الأمر في الحقيقة يفضي في الأخير إلى أن للبيت القديم قصص.
عتبة الإهداء
تأتي عتبة الإهداء في صفحة مستقلة (ص 3)، ومعنونة بهذا العنوان (إهداء). وإلى حدود هذا، فالأمر يبدو عاديا، غير أن ما بعده يدل على أن ليس في الأمر ما هو عادي، بل وغريب واستثنائي، وفي سابقة من نوعها، ستُحفَظ وتُسجَّل باسم كريم بلاد. فالكاتب الحقيقي، هو الذي لا يقصر إبداعه على الجنس، الذي يكتب فيه، ولا يولي اهتمامه فقط للمتن، الذي يغلب على كتابه، وإنما تتناثر شظايا الإبداع في الجنبات مصنَّفه، فتصيب منها هذا وذاك. وهو ما تحقق في هذا الكتاب.
وتجلى الاستثناء الإبداعي فيه في أمرين:
ـ الأول أن الكاتب ضمن كتابه إهداءين بعنوانين مختلفين: “إهداء” و”إهداء مستدرك”؛
ـ والثاني أنه شطب على الإهداء الأول، واستدرك عليه ما عنونه بـ”الإهداء المستدرك”. وقد عهدنا أن التشطيب يكون في الأوراق الخطية والخاصة، وغالبا ما يحاول كاتب هذه الأوراق ألا يوصل الأصول التي فيها إلى قارئ غيره، ولا يرضى لها ان توضع تحت أعينه، فيصر على إعادة كتابتها منقحة من كل تشطيب. أما وأن يصر الكاتب في المكتوب الطباعي على التشطيب، ويصر فوق ذلك على إيصاله للقارئ، ويرضى بان تكون تلك هي الصورة النهائية، التي تتداول بين القراء، فالأمر فيه ما فيه.
وهذه براعة تأليفية وتصنيفية، تُحسب لكريم بلاد.
ولا يمنع التشطيب في الإهداء الأول من قراءة ما جاء فيه، مما يعكس نية الكاتب وحرصه على أن يقرأ القارئ ما تحت التشطيب، ويصل إلى متضمنه. وقد جاء هذا الإهداء مسيجا بصيغة الجمع المطلق باستعمال اسم الموصول “مَن”: “إلى مَن… إلى مَن…”، وشرطه بالعلاقة الوجدانية (الحب والافتقاد). وبهذا يُستحضر زمن البيت القديم، وزمن ما بعده (سوف ـ أغادر). وتستقر عبارة البيت القديم مرتين، وفي السطرين المتوالين، وهو دليل على أن البيت القديم يسكن وجدانه، ولا يمكن التخلص من الإحساس تجاهه، لا قديما ولا حديثا، لا حين لاستقرار به ولا حين مغادرته له. فالمغادرة جسدية، والتعلق نفسي ووجداني (أحببتهم ـ يفتقدونني) والدليل أن المرتحل إليه الحاضن الجديد لا اسم له. إنه لا يزيد عن كونها “وجهة”، و”وجهة مهجورة”. فهو المسكون المهجور، أو المهجور المسكون.
وأما “الإهداء المستدرَِك” فإنه يقطع أية علاقة له بـ”البيت القديم”، على الأقل جسديا، ويرصد حالة البعد عنه، التي يعيش تحت وطأتها الساحقة، ولذلك استفتح الإهداء بعبارات زمنيه (بعيدا ـ قريبا). فالبعد عن البيت القديم، والقرب من المكان المرتحل إليه حاليا، يعكسان هذه السيطرة الوجدانية للمكان القديم، واستثقال الشعور بالابتعاد عنه، واعلمه تحمل اقتراض من المكان الجديد تفرض ان يلتفت لها، وأن يقدم الوقوف عليها، وتأخير المهدى إليهم حتى الجزء الثاني من الإهداء، لتأتي النسوة الثلاث تباعا ـ أم وزوجة وابنة ـ ربما لتعويض الفقد بخصوبتهن المفترضة، خصوبه حنان من جهة الأم، ومد إخلاص من جهة الزوجة، وخصوبة طموح من جهة الابنة. ولقد أصر الكاتب على أن تكون صيغة المبالغة للأم والابنة، بينما صفة الفاعل (المخلصة) للزوجة. وهذا يستدعي الملاحظة، ويستوجب السؤال.
ويُختَم الإهداء المستدرَِك بصك دليل البراءة من أي ظنة تلحقه بسبب هذيانه عن بيته القديم، جاء نص الصك “ثلاث نسوة لم أعرف غيرهن في حياتي الحقيقية”.
ولقد حافظت البنية الأسلوبية للإهداء على الطابع التقليدي المفتتح به في الإهداء المشطوب (إلى مَن… إلى مَن…)، بينما أتت هذه البنية، المستبطِنة للمهدى إليهم الثلاثة المحددون بالصفة (إلى أمي… وزوجتي… وابنتي…)، تتوسط الإهداء المستدرَِك، وملفوفة بالشكوى الوجدانية بسبب البعد عن المكان المألوف، والضجر من القرب من المكان الحالي، وبصك الاعتراف المبعِد لأي ظن غير سوي.
عتبة الإضاءة:
في الصفحة السادسة، ترد عتبة حاملة لعنوان “إضاءة”، وبمتن جديد، يستنه كريم بلاد في مجال العتبات، ويحدد موضوعه وموقِّعه (المؤلِّف). ويحرص من خلاله على تقديم فلسفة حياتية، تجمع بين الوجود والكتابة، وتتسقف بعوالم المعيش، التي تتمطط بالامتداد والتمدد، وتتآكل تحت ضغط الروابط الوجدانية، التي تزداد إيلاما بفعل الافتقاد والحنين والتعلق بعوالم الماضي (البيت القديم).
لقد كان “البيت القديم” عبارة وتصورا، تختم الإضاءة، وتشدها إلى موضوع الكتاب الأصلي.
إن فلسفة الإضاءة تربط الكاتب بسحر الكتابة، التي تعدد أعماره، وتحتال على الزمن والقدر، الذي لا يسمح له إلا بعمر واحد.
وتبقى الإضاءة، وبهذا الإنجاز، تحاول أن تدور في عوالم موضوع التصنيف، والنظرة الفلسفية للكتابة، والتقاطعات التي تربطها بالواقع والحياة.
عتبة “ملحوظة مهمة”:
افتتح كريم بلاد باب العتبات، ولا يريد أن يغلقه، ليواصل مراكمة ألوان منه، فيكتب الإهداء والإهداء المستدرك والإضاءة، ويتلوها بـ”ملحوظة مهمة”(ص 6). وقد كانت أكبر العتبات حجما، وأطولها نصا، تتقدم بعنوان ونص من أربع فقرات، موقع بعبارة “المؤلف مرة أخرى”، مما يعطي لهذه العتبة استقلالها النصي، ويستحضر خاصية المراكمة، التي تعني مواصلة التأليف العَتَبي، واتصال حلقاته، وتتميم بعضها للبعض الآخر.
وتناول موضوع هذه الملحوظة الهامة بالتوجيه قصص المجموعة، ووصفها على أنها الدواء، الذي لا يتناول ـ تقرأ ـ إلا بتوجيهات من الطبيب ـ المؤلف ـ الذي يصدر وصفته، فيجعل كل نص قصصي جرعة، محددة وقت التناول، وخاضعة في ترتيبها لما يرد في الفهرس، وبفاصلا زمني لا يجب أن يتجاوز ست ساعات.
وينصح الطبيب المعالج بأن تؤخذ الوصفة كاملة وباحترام الترتيب، الذي يُنصح به. وليس من حق المريض طبعا أن يتصرف على هواه، فيقرا ما يشاء، ويبدأ من حيث شاء.
ولا يخالف المؤلف ـ الطبيب شركات الدواء في عصرنا الحالي، التي تتجنب تحمل مسؤولية أية أعراض جانبية.
وفي الأخير، تختم العتبة بالدعاء للطبيب ـ المؤلف، وللقراء. ويحرص الدعاء على استحضار ما يشع في البيوت من أسقام.
وهكذا تتقدم هذه العتبة بطرافتها الفكرية والموضوعية، وتتأطر بالمجموعة القصصية، وموضوعها (البيت)، ومؤلفها وقارئها، وإن كانت في الأخير تلزم القارئ بتعليمات، وتخفف ظهر المؤلف من أية تبعات، أو مسؤوليات. ولا تجد لها من القوة إلا ان تتحصن بالدعاء الختمي على غرار الكثير من النصوص التراثية. فهل كانت هذه هذه العتبة غواية أخرى، أو نكاية ثانية بتعبير آخر، او قناعا من أقنعة المؤلف، يسمح له بأن يقوم بدور قلما فكر فيه مؤلف قبله. صحيح أن بعض المؤلفين قد يتقمصون دور الطبيب النفسي، ويقدمون شيئا من مهامه، ولكن لا أحد منهم لعب دور الطبيب البدني.
ونخلص من هذه الملاحظات إلى أن العتبات باب مفتوح للتنويع، ومجال غني لابتكار جملة من الادوار، وتقديم بعض التوجيهات، وتأدية ركام من الرسائل.
عتبة اقتباسات نصية:
لاتبقى العتبات حق الكاتب الأصلي للكِتاب، بل يمكن تكسير هذه القاعدة، وفسح المجال لكُتاب حقيقيين يشاركون نفس الهاجس الكتابي، وربما نفس الاهتمام التجنيسي، ولم لا نفس الانصباب التيمي، وبذلك تتكامل نقط الالتقاء، وتتشابك خيوط الارتباط، وتتقوى أواصر التقاسم، وتتداخل ملامح التجانس. وهو ما يتحقق مع كاتبين سرديين اختارهما المؤلف بعناية فائقة، عبرت عن نفسها من خلال العواطف والانفعالات المشتركة المعبَّر عنها بخصوص التيمة. فلقد كان البيت مصدر خوف عند أحمد بوزفور، ومصدر عجز وقسوة عند طارق بكاري.
إن الاستحضار هنا لنصي الكاتبين لا يتم من خلال التناص المعلق، وإنما بربطه بالسياق العتبي، وفهمه من خلاله. لقد غدت العتبة مجالا لاستفاضة قرناء يلقون كلمتهم في الموضوع، ويثبتون على الأعتاب، ويتحولون إلى مداخل مهمة للكتاب، يمر عبرها ومن خلالها، ولا يسمح بالدخول قبل الرجوع إليها، والأخذ بإذنها، ليكون القارئ على علم بذلك الذي شد الكاتب الأصلي إليهم، وما الذي استلهمه منهم، والنظر في الأخير إلى كيفية إسهامهم جميعا في بناء التصورات الموضوعاتية، وإغناء روافدها داخل الثقافة العامة، ومن خلال أشكال كتابية، وأنماط فنية خاصة، يصبغها كل من القرناء بتلويناته، ويبصمها بلمسته.
عتبة البياض:
وأما صفحات البياض فهي عتبات قائمة الذات لها أهميتها ومتضمنها، يتجلى فيما تعنيه من دلالة، ويغتني بما تتلوه وما يتلوها، بما قبلها وما بعدها.
وتنكرا لهذا البياض، كما يبدو ظاهريا، وقوة رفضه وعجز الكاتب عن إخضاعه بالترقيم الصفحيحقيقة وعمقا، فإن صفحتين أوليتين وأخريتين أخيرتين لم تحتسبا في الترقيم الإجمالي للكتاب. وتمظهرا لذلك التنكر أو لتلك القوة في مقابل العجز فإن صفحات محتسبة ( ص 4، 8)، ولكنها لا ترقم، لأنها بيضاء خالية من الكتابة. فهل خلوها من الكتابة يحرمها من رسم الرقم على أسفلها؟!
إن الرقم بالنسبة للصفحة هوية، وتحديد لنازع التميز داخل المجموع بين دفتي الكتاب، فهل يتعمد الكاتب تجريد بعض الصفحات من هويتها، وإبقاءها بيضاء نكرة؟!
وتبقى دلالة البياض في أن للعتبة امتداد تشغله بعدها، فهي إذ لم تستطع أن تقول بالسواد كل ما يمكنه قولها، فلها البياض لتقول دون أن تُحد، ولتطلق دون أن تقيد، فما الكتابة أولا وأخيرا إلا تقييد. لقد كان البياض في حالنا هاته نطقا، والكتابة غيابا.
ولا يمكن أن يُستثنى القارئ من حقه في البياض، فهو الكاتب المفترض ليملأ بعض تلك البياضات بخطه، سواء أكان هذا القارئ كاتبا أصليا، أو قارئا محترفا، أو قارئا مشاغبا. إن العتبات لا تنسى القارئ، ولا تنكر عليه حقه في إغنائها، وتخصص له فسحة، وتغريه بأن يحضر جوقتها، ويتنغم بتوقيعها، لعله يهتز فيطرب، ويغني الحفلة.
عتبة الفهرس
من العتبات التي أراد لها الكاتب أن تكون ختامية، ومصفوفة بالطريقة المعتادة، بعرض عناصر الكتاب التأليفية بشكل أفقي، يبدأ بعنوان العنصر، تتلوه نقاط، تتكلل برقم الصفحة. ولقد أسقط الكاتب من لائحته هاته المعنونة بـ”الفهرس” (ص 81) الإهداء (ص 5)، واكتفى بعنصري إضاءة (ص 5) وملحوظة مهمة (ص 6)، ولم يدرج عنصر النصوص المقتبسة (ص 7) لأنه غير معنون، وقد لا يجد ما يدرجه به.
وتأتي عقب ذلك لائحة عناوين النصوص السردية الأربعة عشر (9 ـ 80).
كما أنه لم يذيل هذه اللائحة بعنصر الفهرس (ص 81)، وكأن ترؤسه عنوانا للصفحة يغني عن إيراده ضمن اللائحة التي تتحدد وظيفتها في جرد عناصر التصنيف.
لقد كان التعامل مع العتبة خاليا من أي روح اجتهادية، وكرس ما تتواتر لدى معظم المصنفين.
المتن السردي
حملت المجموعة القصصية أربعة عشر نصا سرديا وبأحجام متقاربة، تتراوح بين حد أدنى بثلاث صفحات (يد الله 62) وأربع (يد القائد 65) وخمس (المعاطف 9 ـ خبز البيت 14 ـ محاكمة خبزة 19 ـ خيال مني 31 ـ أحلام الأعوام الثلاثة 36 ـ الكاتب وحرس الحدود 41 ـ العصفورة التي أخبرتني 46 ـ عينان تراقبانني 51 ـ نكاية بالبيت القديم 69)، وست (البقع الحمراء 56)، وحد أقصى توقف عند السبع صفحات (الملعقة 24 ـ رجلان وامرأتان 74). ولقد كان الحجم الغالب والمتوسط هو ما أتى في خمس صفحات (تسعة نصوص)، وقد ضم بعض النصوص اللافتة، التي تشهد بتقاطعها الواضح والقوي مع تيمة المجموعة.
وتحتاج النصوص إلى وقفة مطولة لاستجلاء ما بها من مقومات موضوعية وتأليفية وبنائية. وعموما فإن المتن السردي لهذه المجموعة يحاور بقوة الإنسان من داخله في علاقة مع المكان وتحت إمرة الزمان، ويحاول أن يختصر المسافات وأن يمدد في الآماد، ويستجلب بعض الأشخاص، وأحيانا بعض الأثاث أو الأردية أو المأكولات، لتتمكن من قول ما عجز عنه الآدميون، ولتنظر إلى الأمور من زاويتها، ولتنطق بما يشغلها، ولتقول كفى من وجهة النظر الآدمية، ومن لتعقل الإنساني، فللمكان عقل، وللزمان عقل، ولمحتوياتهما عقول، فلنغير الناطقين، ولننصت إلى لغات أخرى، وإثارات غير معهودة، لعل الفهم يتغير.
خلاصات
لقد كانت هذه المجموعة القصصية المباركة ـ البيت القديم ـ معتقة في كل ما قدمته: تعتيق أصالة في حرصها على أسس البناء القصصي، وضمان الخيط الرابط بين مختلف النصوص القصصية الأربعة عشر، التي تضمنتها؛ وعتاقه ابتكار وإبداع فيما اختلقته من طرق كتابة بعض العتبات، وإحداث أخرى، لم تكن معهودة، فكسب بذلك مؤلفها السبق التصنيفي، وحاز الرياده الإبداعية؛ وفيما أسنده من أدوار للأردية (المعاطف) والأثاث (الملعقة) والطعام (الخبز)، وما توسلت به من حوارات داخلية، بسطت الكثير من المسكوت عنه، ويسرت سبل طرحه، وملامسة متشابكه. لقد كانت المجموعة القصصية بحق إضافة اجتهادية وإبداعية مزدوجة، تنضاف إلى ما راكمه السابقون من كتاب هذا اللون السردي، المحفوف بالمخاطر والمزالق، والمهدِّد بالعديد من المهاوي والمهالك.
ناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي