الرئيسية / الأعداد / الذاكرة والحرب: سردية النساء بين الشعر والفوضى في رواية (كمن ينتعل قبراً) لـ “سوزان إبراهيم” – نجيب التركي

الذاكرة والحرب: سردية النساء بين الشعر والفوضى في رواية (كمن ينتعل قبراً) لـ “سوزان إبراهيم” – نجيب التركي

  الذاكرة والحرب: سردية النساء بين الشعر والفوضى في رواية (كمن ينتعل قبراً) لـ “سوزان إبراهيم”

نجيب التركي*

كقدرٍ غير مكتوب، وصلني منشور عبر فيسبوك من بلادٍ بعيدة، يسكنها أناس قريبون من القلب، على رأسهم “سوزان إبراهيم”، وبلدها الذي أعتبره وطني الثاني، سوريا الحبيبة. سبق لي أن تشرفت بالكتابة عن رواية «أيتام الجبال» للكاتبة السورية “نجاة عبد الصمد”، ورواية «كأنني لم أكن» للسوري “هوشنك أوسي”، وها أنا اليوم أتشرف بالحديث عن رواية سوزان إبراهيم الصادرة عن دار
(ميزر للنشر) في السويد. أكتوبر 2025.

العتبات الرئيسية

الغلاف: أول ما يلتقطه نظر القارئ ويثير فضوله. وقد صنع بي ذلك دون مواربة.

أما عنوان الرواية (كمن ينتعل قبراً) مكتوب بخط أحمر عريض، منحه حضورًا بصرياً صارخًا، وأضفي على الكلمات شعورًا بالحدة والإلحاح.

العنوان ربما يحاكي صخب الصراع الداخلي الذي تحمله الرواية. أقول ربما لأنني لم أزل في بداية حديثي عن العتبات الرئيسية للعمل، تتوسط الغلاف صورة فتاة مصبوغة باللون الأحمر، رمزًا للشغف، والغضب، وربما الألم، فيما يظهر خلفها أربعة وجوه شبه هلامية، متدرجة الألوان بالبرتقالي، لخلق تناغم بصري متباين. هذه التوليفة من اللون والشكل تفتح نافذة على الرمزية والبعد النفسي الذي تحمله الرواية في تفاصيلها الداخلية.

من السطر الأول للرواية، نجحت سوزان في سرقة لُبّي، إذ أوقعتني في إيقاع نصها كما لو كنت على أرضٍ آمنة تُطالَب بالانتباه: “ارفع صوتك حينما تقرأ”.

في الحقيقة، كنت قد رفعت صوتي دون أمر، مشدودًا لسحر الكلمات. ومع تقدم الصفحات، علمتُ أنني أمام شاعرة فذّة، قادمة من بيئة صاغ فيها “نزار قباني” مواجعنا، وعلى وقع كلماته رقصت أفئدتنا. لقد تركتْ في نفسي إحساساً بالمفاجأة والدهشة: ما كل هذا الجمال، يا سوزان؟ أين كنت مختبئة كل هذا الوقت؟

إضافة إلى هذا كله، تقولين: “أنا نقطةٌ عمياء، خصبة قادرة على إثبات ما لا يتوقع”.

هذه العبارة تحمل تحديًا مباشرًا للمتلقي، وكأنك تُعلنين عن قوة حضوركِ الأدبي وعمق رؤيتكِ، وتجعلين القارئ أمام تجربة نصية جمعت بين الشعر والسرد في آن واحد.

لم أزل في الصفحة الثامنة، ويبدو أنني سأتعب كثيرًا في قراءة هذه الرواية، ليس لأن النص صعب الفهم، بل لأن كل صفحة تتطلب القراءة مرتين، رغبة منّي في استيعاب كل تفاصيلها الدقيقة. فالكاتبة أعدت سكاكر لغوية خصصتها بعناية للمتلقي، بحيث تُصبح كل جملة هدية صغيرة للقارئ، تتطلّب التمهل والتلذذ قبل الانتقال إلى الصفحة التالية. هذا الأسلوب يجعل القراءة تجربة ممتعة ومكثفة في الوقت نفسه، ويؤكد أن الرواية رحلة شعرية ووجدانية تستحق كل الاهتمام.

اللغة

تتدافع الكلمات في هذا النص تدافع الحجيج إلى الطواف، في مشهد لغوي نابض بالحركة والرهبة معًا. ثمة تقطيعات بصرية واضحة، وحسٌّ شاعريٌّ قلّ أن نجده في الرواية المعاصرة، حيث تبدو اللغة كيانًا حيًّا يفرض حضوره على النص.

حتى هذه اللحظة، الشعر يُهيمن على السياق السردي، مستوليًا على مفاصل الرواية، وموجّهًا إيقاعها الداخلي. ومع ذلك، فإن هذه الهيمنة لا ترهق القراءة بقدر ما تفتح باب التساؤل وتُغذّي لهفة الاكتشاف:

هل تمسك الكاتبة بزمام هذا الشعر بما يكفي، لتُبقيه مُحلّقًا في سماء الرواية دون أن يطغى على بنيتها السردية؟ سؤال مشروع، يضع النص في منطقة دقيقة بين جمالية الشعر وانضباط السرد، وهي منطقة لا ينجح في إدارتها إلَّا من يمتلك وعيًا عميقًا بكلا العالمين.

ثمة تجديد لافت في بُنية الرواية، لا سيما فيما يتعلّق بتقسيم الفصول وعنونتها؛ إذ تكتفي الكاتبة بوضع الجملة الأولى من كل فصل بخطٍ بارز، كإشارة ضمنية تقول للقارئ: أنت الآن في فصل جديد. هذا الخيار الجمالي يُغني النص عن العناوين التقليدية، ويمنحه انسيابية أكبر، حيث ينتقل القارئ بين الفصول دون انقطاع حاد.

تقنية تُحيل إلى مبدأ سردي مُحبّب: “أرِني ولا تُخبرني”، فبدل التصريح المباشر، تترك الكاتبة للقارئ متعة الاكتشاف والشعور بالانتقال بنفسه، وهو ما يعزّز التفاعل مع النص ويمنحه بعدًا أكثر حيوية وذكاءً.

“هكذا روى آرام الحكاية ذات يوم”

“روى هشام ما سمعه من الأب:”

ليستا هاتين الجملتين إلا مثالًا دالًا، لا حصرًا، على تنوع الأصوات داخل الرواية. فالنص لا يكتفي بصوت سردي واحد، إنما يفسح المجال لتعدد الرواة، متجاوزًا هيمنة الصوت الناقل (رؤى)، ليُدخلنا في شبكة من الحكايات المتقاطعة، حيث يتناوب السرد بين جوليا وآرام وهشام وغيرهم.

هنا يمكنني أن أؤكد أن الكاتبة تعي تمامًا ما تصنع؛ فهي لا تكتب من فراغ، بل من تجربة حقيقية، كأن القلم مُمتدٌّ من أذنها، تلتقط به الأصوات، وتُسند رؤوسها إلى الورق، فتنساب الذكريات بسلاسة لافتة. ولعل هذا ما يدحض فكرة “ذاكرة الأزهار” بوصفها ذاكرة عابرة أو هشة؛ إذ كيف يمكن لذاكرةٍ كهذه أن تنتج كل هذا الجمال الآسر، وهذه البُنى السردية المتماسكة، وهذا التجديد الواضح في تقنيات الحكي؟

نحن أمام كتابة تعرف أدواتها، وتشتغل على خلقٍ سردي واعٍ، يمزج بين تعدد الأصوات وثراء التجربة، دون أن يفقد خيطه الداخلي أو قدرته على التأثير.

مع التقدم في القراءة، وتحديدًا بعد تجاوز الصفحة المئة والخمسين، بدأ الشغف الذي أشعلته البدايات يخفت تدريجيًا. لم يكن ذلك نتيجة ضعفٍ في اللغة، التي ظلت محتفظة ببريقها الشعري، إنما بسبب تراكم طبقات سردية بدت، في بعض الأحيان، أقرب إلى مادة خبرية منها إلى نسيج روائي متماسك.

هنا، لم يعد الإشكال فيما يُروى، بل في كيفية روايته؛ إذ أخذت الأصوات تتداخل دون إشارات كافية، وتكاثرت المقاطع التي تُثقِل الإيقاع بدل أن تدفعه إلى الأمام. ومع غياب وضوح نسبي في خلفية الصراع، وجد القارئ نفسه أمام مشهدٍ ضبابي، لا يعكس فوضى الحرب بقدر ما يعكس ارتباك البنية السردية.

ومع ذلك، لا يبدو هذا التراجع نهاية الحكم، بقدر ما هو لحظة مراجعة ضرورية، تدفع القارئ إلى مواصلة القراءة بعينٍ أكثر حذرًا، كما لو أنه يجري مسحًا جيولوجيًا لطبقات النص، في انتظار ما ستسفر عنه الخواتيم، حيث تتكشف قيمة العمل الحقيقية.

ينبغي التذكير أن ثيمة الرواية الأساسية هي الحرب، وأن هذا البُعد يظل حاضرًا في كل صفحة، يعكس الواقع المأساوي ويجعل القارئ يعيش الألم مرتين: مرة من خلال الأحداث، ومرة من خلال التجربة الإنسانية للشخصيات. ومع ذلك، لا يمكن إغفال أن الحديث والحوار، خصوصًا المقاطع التي تجمع بين رؤى وآرام، من أجمل ما يشد القارئ، إذ تمزج بين الصراحة والحنين والعمق النفسي، وتمنح النص ثراءً دلاليًا ونفسيًا.

لا يمكن إغفال أن الرواية ترتكز على ثلاث شخصيات نسائية محورية، تشكل كل واحدة منهن محورًا نفسيًا وفكريًا متمايزًا داخل النسيج الروائي. جوليا لازوردي، الصحافية التي تنتقل بين الذكرى والغياب، تمثل مرآة الصراع الداخلي والبحث عن الحقيقة وسط الخراب. أما رؤى، فهي الصوت المتكرر والحاضر في كثير من مشاهد السرد، تجسد قدرة النص على التنقل بين الوعي الفردي والذاكرة الجماعية. وفرح، تكمل هذا النسيج من التجربة النسائية، لتقدم رؤية عن الصمود والتكيف في زمن الحرب، وخلق مساحة إنسانية تتجاوز الدمار. من خلال هذه الشخصيات، تُظهر الكاتبة كيف تتقاطع الحياة الشخصية مع تاريخ المجتمع، وكيف يمكن للمرأة أن تحمل في ذاتها ذاكرة الحرب وألمها، دون أن تغفل عن حضورها الذاتي.

كما بدأت الرواية بحديثٍ شيق وعبارات لذيذة، اختتم كذلك بأسلوب يترك أثرًا مماثلًا، وفي هذا التكامل بين البداية والنهاية يكمن جمال العمل.

وهنا يمكن القول إن رواية «كمن ينتعل قبراً» تجربة لغوية ونفسية متكاملة؛ تجربة تجعل القارئ يواجه المعاناة والوجع الإنساني، ويعيش التعدد الصوتي والبعد الشعوري للشخصيات بشكل حيّ ومؤثر. لا تقدم الرواية إجابات جاهزة، لكنها تفتح مساحات للتفكير في الذاكرة، والحب، والصمود الإنساني، فتجعل من القراءة رحلة تأملية، أكثر من كونها مجرد تتبع للأحداث.

ناقد من اليمن

عن madarate

شاهد أيضاً

المقامة العربية القديمة: البنية والخصائص الأسلوبية – اسماعيل المركعي

اسماعيل المركعي* مقدمة اشتهر فن المقامة على يد بديع الزمان الهمذاني في القرن الرابع الهجري؛ …

اترك تعليقاً