سكينة ماتت

كمال العواد*
“الغنى في الغربة وطن
والفقر في الوطن غربة”.
علي بن أبي طالب
نزل عليه الخبر كالصاعقة، لم يصدق ما سمع، يحملق صوب أصدقاءه، لا أحد ينفي الخبر، تجولت عيناه وسط الحاضرين، لا أحد ينفي الخبر، الحزن خيم على الجميع، تمسك بخيط اليقين، الخبر أضحى حقيقة مؤلمة:
- سكينة ماتت
- لا حول ولا قوة إلا بالله
- إنا لله وإنا إليه راجعون
استمر في حملقته للأصدقاء، ذهول لا يفرق محياه، يسأل:
- كيف حدث ذلك؟
أجابه ابن جاره باقتضاب:
- لا أعلم بالتفاصيل سيدي
سالت دموع غزيرة على خديه، احتضنه صديق مقرب، ضمه إلى صدره، مشهد انساني انسلى من صميم جو مآسي وفواجع.
لا عليك إنه الوطن ! الوطن غير رحيم بفلذات أكباده.
سكينة دهست من عربة مجهولة أثناء وقفة احتجاجية.
سجلت الحادثة ضد مجهول.
عندما سمع الأب بأن زوجته حامل بطفلة طار فرحا، فرح ليس كفرحه عندما رزق بثلاثة أطفال، آنداك كان مشغولا طيلة الوقت عنهم، يشتغل أستاذا جامعيا، وخارج أوقاته الجامعية يناضل إلى جانب رفاقه لتحقيق الحلم. زوجته تحل محله في مهامه الأسرية، زوجة تفهم زوجها، لا تعارض، لا تتذمر، لا تشتكي…تؤمن بدورها ب”الحلم المنشود”.
كان عاجزا عن تحويل بصره عن غرفة العمليات التي ترقد فيها زوجته في انتظار خبر ولادة الطفلة سكينة.
تدلى رأسه بين رجليه، أحس بظل فوق رقبته وسمع:
- هنيئا لقد رزقت بطفلة
انتصب واقفا، وقد غشته فرحة غامرة، انقلب الكرسي خلفه على الأرض مصدرا صوتا مزعجا في قاعة الانتظار لكنه لم يعر ذلك أدنى اهتمام.
كان قد دخل الغرفة وقد آتاته الممرضة بالمولودة لكن كفيه ما عادتا تطاوعانه، فساعدته الممرضة. تحقق الحلم الأصغر.
حين ولدت سكينة حملت له مشاعر مختلفة لم يشعر بها من قبل، تغير مفهومه للأبوة، أصبح البيت جنة فوق الأرض بوجود قلب أنثى.
شبت سكينة، تشبعت بمبادئ أبيها، آمنت بالحلم. كانت تقف وسط ميدان الاحتجاج، تحتج ضد الوطن لحل مشكلات العاطلين عن العمل والمفقرين والمهمشين، وفتح أفق بناء الدولة والمجتمع والسياسة والثقافة والصحة والتعليم.
تحلم بتغيير الوضع والقضاء على الفساد بكل صوره وألوانه، إنه الحلم الأكبر عند الأب، والحلم المنشود عند الأم.
بينما تهم سكينة بعبور الشارع صوب منصة الاحتجاج إذا بسيارة هوجاء وبسرعة خيالية تصدم بجسدها الرقيق، سقطت على الأرض متمرغة وسط دمائها، أسرع إليها زملاؤها في الاحتجاج وحاولوا انقاذها، حملوها سريعا إلى المستشفى الحكومي، حاول الطاقم الطبي، لكن قوة الاصطدام لم تترك لهم فرصة انقاذها، شدة الصدمة سببت لها نزيفا حادا على مستوى الرأس.
الأب يعيش متألما، ممزقا، تائها بين دروب الحزن والانتظار. ينتظر الحقيقة وجثمان ابنته الوحيدة ليلقي النظرة الأخيرة، ويؤجل حلمه بوطن حر، حتى يتخلى الوطن عن مواجهة أي نهوض لأي حركة بالقمع العنيف أو بإسكات الحركة بأسلوب احتوائي أو تشويهي.
آه يا وطن ! كم أنت قاسي على أبنائك ! .
قاص من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي