أمنية واحدة. .. لا غير!

سلوى آيت علي*
سقف ناصعُ البياض، يتَدلى من وسطه مصباح ذهبي مُرَصعَة جوانبه بفسيفساء راقية، جدران بألوان مفتوحة. لطالما كانت ألوان الحياة التي تمنيتُ رؤيتها.
حَركتُ عيني يمُنَة ً وشمالا، رغبة ً مني في تثبيت الفرح في قلبي الراقص داخل صدري من شدة ابتهاجي.
شُعاع خافت يقتحم الغرفة عبر النافذة، مما يضُفي هدوءًا وجمالا أكبر على وجه زوجتي الغالية المُستلقية بجانبي، وأي زوجة؟ إنها ملاك يشاركني حياتي القاتمة وينُير عَتمتها.
كانت بيضاءَ البشرة، شقراءُ الشعر، جسدها مُتأنَق يشَُدكَ بتفاصيله الأنثوية الرقيقة، كما أخبرتني بذلك أناملي من قبل.
تبدو غارقة في نومها بعد ليلة مُتعبَة مع ابنتنا. آه ابنتي، أريد رؤيتها. تسَللتُ ببطء لغرفتها، وكما عهدتُ فهي مُلتصقة بغرفتنا. انبهرتُ برؤيتها، إنها صورة مُصَغرة لملاكي الكبير، يا إلهي! سعادتي لن يسََعها الكون، ابنتي أجمل مما تخََيلتهُ ، وأكثر مما أحَسَسْتهُ عند حملها بين ذراعي وضَمها إلى صدري، أو حتى عند تقبيلها والتهام رائحتها التي تفوق جمالا أغلى العطور ثمنًا. وجدتها هي الأخرى تغَطُ في نوم عميق، ويداها الحُلوَتان تعانقان برقة دمُيَتهَا المُفضلة، بعد ليلة مُشاكَسة طويلة مع والدتها، يبد وأنها بدأت مرحلة نمو أسنان فكها السفلي، وما يخلفهُ ُ ذلك من آلام، ومُضاعفات صحية ترُهقُ الجسد الصغير. قبلتهُا بهدوء أول قبلة مختلفة منذ ولادتها، نعم، فالأمر يختلف حقًا وعينايَ تلمَحُ كل تفاصيل تقاسيم وجهها الملائكي وخدودها الوردية، وتقبيل شفتيها الصغيرتين الرقيقتين وأنا أهمسُ لها بحُب :
-أحبك يا ملاكي، دمت لي بألف خير .
غادرَتُ الغرفة كما وَلجَتهُا، مُتسللًا .
انتابتني رغبة في تحضير كوب قهوة واحتسائه، وأنا جالس فوق أريكتي، في الحديقة التي اعتادت امتصاص قلقي وتعََبي ، لكنها ستعَرفنُي اليوم فرَحًا، وأنا أطَلعُ على آخر الأخبار قراءة ً وتصَفحًا للجرائد، وليس استماعًا لها كما اعتدت .
خُضرة المكان تملأ عيني سعادةً، لم تترك لحروف الجريدة مُتسَعًا، نَظَرتُ بتأَمل، راقني هدوء الجو، وزُرقَة ُ السماء المُزينة بالطيور المُحلقة فوق الوجود بكل حرية وفرح، تبدو ألوان الكون متناسقة، جذابة، كَلَوحة لفَنان يعشق الحياة. سبحانه وتعالى مُصَور الكون في أبهى حُلة .
أدرَكتُ حينها أن أيسَرَ وسيلة لبعَث الطمأنينة والأمان في النفس، هو النظر لما تحُبه ُ وتهواه. بعيدا عن لون واحد تظل حياتك ترتديه، رغم أنك مَللَتَ وجوده.
سَقَطتْ أمامي كُرة صغيرة، عَلمتُ أنها لأبناء الجيران، فابتسمت ابتسامة هادئة وحملتها، بعدما سمعتُ طرقات خفيفة على الباب، كان فتىً جميلا، بل أجمل مما صورَه ُ عقلي، شعره أسود مُنسَدل يكاد يغُطي عينيه البراقتين، ينتاب خديه احمرار من شدة تعَرضه لأشعة الشمس. مما زاد وجهه جمالا وابتسامته الطفولية البريئة التي عَلتَ مُحياه حين مَنحَتهُُ الكُرة.
كانت تلك، أقصى أماني رجل أعمى!
قاصة من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي