لقطات أنثروبوـ روائية من زمن الشاوية قراءة مركبة في رواية “خطى متعبة” للشاعر والروائي المغربي عبد المجيد رئيف

عبد الله الطني *
تقديم:
تتمرحل هذه القراءة عبر تسع عتبات، تتراوح بين ديباجة تواصلية، وخلاصات تركيبية، مرورا بعتبة عن كاتب الرواية ومواصفاته، وأخرى عن العلاقة بين احتفالية “النزاهة” المنظمة من طرف الجمعية الإسماعيلية للملحون والموسيقى التراثية وشركائها، والاحتفاء بالرواية، وأخرى حول إحالات عنوان هذه القراءة، وأخرى عن زمان ومكان الرواية وتمرحلاتها، وأخرى حول الظواهر التي سلطت الأضواء عليها، والعتبة الما قبل الأخيرة فقد خصصتها لإبراز خلفيتها المعرفية، أما العتبة الأخيرة فقد أفردتها لتوصيف خصائص بنيتها الفنية.

1ـ ديباجة الوصل: عن المفهوم والاسم:
أصدر هاهنا عن أطروحة أساسية مفادها أن وجودنا وسيرتنا في هذا الوجود مفهوم محمول، وإسم يَحْمِله ويُجَلِّيه. مفهومنا اليوم هو “الرواية”، علما بأن هذه الأخيرة تجمع بين كونها مفهوما، وكونها خالقة للفضاءات والأمكنة والشخوص والمفاهيم ذاتها، إمعانا في إبداع كينونة جديدة، وإلغاء الحدود المصطنعة بين الحقيقة والمجاز، والأشياء كما نراها وما وراء تلك الأشياء، بين الصورة والمثال بالمعنى الأفلاطوني للكلمة. ورواية “خطى متعبة” تجمع بين هذا وذاك كما سوف نرى.
أما إن سألتموني عن الإسم الذي استرجع خطاه المتعبة في هذه الرواية، فسأحيلكم على الشاعر والروائي عبد المجيد رئيف.
2ـ عن كاتب الرواية: بين إدارة التراب والشؤون العامة وإدارة أحلام الذات بواسطة الابداع باعتباره أداة للحرية:
إن كاتب هذه الرواية، عبد المجيد رئيف، من مواليد أواخر خمسينيات القرن الماضي، تماما بُعَيْدَ استقلال المغرب بثلاث سنوات. يمتلك تكوينا أدبيا في الأصل ضمن شعبة الآداب العصرية، واستكمله بتكوين جامعي حقوقي (يعني أنه يمتلك تكوينا مركبا يجمع بين تكوين يستهدف المعنى والصورة، وتكوين يستهدف المعرفة بقواعد الواجب والحق في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية). ليتقلد بعد ذلك الوظيفة الصعبة المتمثلة في إدارة التراب الوطني، قائدا ثم باشا لحوالي سبعة وثلاثين سنة، في مناطق مختلفة من ربوع المملكة المغربية، عبر جهاتها الأربع، قبل أن يُحال على تقاعد يرى فيه ميلادا جديدا، وخلاصا من مهنة ظل يعاند حبالها بكل ما أوتي من عناد وإصرار حفاظا على إنسانية الإنسان فيه.
هو شاعر له مجموعتان شعريتان: “من وحي الخزامى”، و”هناك أنا”، وروائي له روايتان من الحجم الكبير: “خطى متعبة” التي استمتعت بقراءتها، ورواية أخرى توجد تحت الطبع تحمل عنوان “سحاب لما ينقشع بعد”.
والسؤال الذي قد يُحير المتلقي العادي ها هنا هو: كيف تستقيم معادلة إداره التراب والشؤون العامة للمواطنين، وإدارة أحلام الذات الخاصة؟ أقول قد تستقيم إذا علمنا أن ثمة شيء اسمه “الحق في الإبداع شعرا ورواية وتشكيلا” كما سبق أن قلت في تقديمي لديوانين شعريين لباشا آخر هو الصديق سلام عربوني، تحت عنوان: “في شعرية النسيان والفقدان والحق في الحلم والشعر”.[1] حيث قلت له: ” نعم، إن لغة الشعر تشبه إلى حد كبير لغة الطفولة، أو فلنقل لغة الطبيعة، لغة متمردة على كل بروتوكول، والدليل على ذلك فإن العديد من المسؤولين في وظائف التحفظ، من ضباط الجيش والشرطة وفي سلك الإدارة الترابية، وفي سلك القضاء، بل حتى بعض رؤساء الدول والملوك لم يسلموا من غواية الشعر والابداع الذي يعتبر من البلايا التي لا تستثني أحدا بما في ذلك رجال الدولة والسلطة. إنها الطاقة المعبرة عن جوهر الكينونة الإنسانية في كل أعمارها وأقدارها وتجربتها في وجودنا الخاص والعام، انتصارا لقيم الإنسانية الرفيعة، قيم الحب، والحق والخير، والجمال، والتعايش والسلام.”
3ـ عن العلاقة بين احتفالية “النزاهة” والاحتفاء بالرواية:
يتزامن الاحتفاء بهذه الرواية مع موعد جميل يحمل أكثر من دلالة تراثيه وتاريخية، هو موعد “نزاهة الملحون” الذي تنظمه جمعية رحاب الإسماعيلية للملحون والموسيقى التراثية، بحديقة الحبول التاريخية، بالعاصمة الإسماعيلية الباذخة بذخ أهلها ومعالمها التراثية، والحضارية المركبة؛ بل ويندرج الاحتفاء بالرواية ضمن برنامجها الاحتفائي بموسم “النزاهة”. وذلك اختيار وجيه، نظرا لأن العلاقة بين “النزاهة” و”الرواية” علاقة تماثل وتكامل، انطلاقا من أن كلا منهما فرجة ونزاهة تمتح مقوماتها من الحياة، وتحيل عليها في الآن نفسه. فالنزاهة في الطبيعة عموما، وفي حديقة الحبول خصوصا، هي احتفاء بالحياة في مظاهرها وتجلياتها الجمالية الحية الناطقة؛ والرواية من جهتها “نزاهة” من نوع خاص، تحيل هي الأخرى على الحياة، وإن كان بشكل متخيل، لكنه المتخيل الذي يستعيد نبض الحياة كما كانت بجمالية مركبة، و”النزاهة” من جهة أخرى عين حافظة وحارسة لمملكة الطبيعة، والرواية عين حافظة وحارسة لمملكة الأشياء والأحداث من النسيان في الزمن بلغة الفيلسوف بول ريكور، صاحب كتاب “الزمن والسرد” [2] وكتاب “الذاكرة التاريخ والنسيان” [3]
4ـ في عنوان هذه القراءة وإحالاته:
هوية المكتوب تتجلى في عنوانه. والعنوان الذي اخترته لهذه الورقة عن رواية “خطى متعبة” هو: ” لقطات أنثروبوـ روائية من زمن الشاوية، قراءة مركبة في رواية “الخطى المتعبة” للشاعر والروائي عبد المجيد رئيف.”
وهو عنوان يستضمر العديد من الإحالات الإبسمولوجية، من أهمها:
أولا: إن مقولة اللقطات تعني أن الأمر يتعلق بمشاهد من مسلسل سوسيوـ ثقافي ممتد عبر الزمن، كما أن مؤلفها كما سجلت أثناء تحليل للمستوى الفني للرواية، قد أبدع في بنائها على شكل “فلاشات” أو تشظيات لكل منها موضوعها الخاص، رغم أنها مترابطة بنيويا على مستوى بؤرتها النصية. وثانيا: إن ثمة علاقة تعايش وتكامل وتماثل بين الأنثروبولوجيا والرواية في الخطاب التفكيكي الجديد؛ فمن أهم فروع الأولى الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، التي تهتم بالكشف عن مظاهر تشكلات أنساق الحياة السوسيوـ ثقافية للمجتمعات والتجمعات البشرية، بمختلف ظواهرها وعاداتها وتقاليدها، وتعابيرها عن كينونتها. والأمر يتعلق هنا بتوثيق عوالم تلك الحياة. أما الرواية، فهي فضلا عن وظائفها الأخرى يمكن اعتبارها فن توصيف تلك الحياة، من خلال تحليلها وإعادة تركيبها فنيا أو بشكل أدق سرديا.
ورواية “خطى متعبة”، للروائي والشاعر المغربي عبد المجيد رئيف، يتقاطع فيها فعلا الأنثروبولوجي، والفلسفي بالأدبي كما سنكشف عن ذلك لاحقا.
5ـ عن زمكان الرواية وتمرحلاتها:
من حيث الكم وزمن الإصدار، تُعد هذه الرواية من إصدارات دار الثقافة والتوزيع والنشر، في حوالي 372 صفحة من الحجم المتوسط [4]، وتصنف ضمن الروايات السيرية. وتدور أحداثها المُتْعَبة في مغرب ستينيات القرن الماضي، في فضاء الشاوية، بضواحي الدار البيضاء، وبالذات في قبيلة أولاد زيان ذات الأصل التليد، وبشكل أدق في دوار أولاد العباس.
تبدأ الرواية، والراوي لم يولد بعد، كما المغرب لم يستقل بعد، وكأنما الراوي، البطل يمعن في توصيف العتمة، في اتجاه الإمساك بالخيط الأبيض الذي يفصل بين مرحلة العتمة وما بعدها؛ وتبدأ بالذات من أحلام جدته رقية وهي لا تزال لم تفصل بين مرحلة البراءة وما بعدها، وكأنما يعلم أن الكينونة تكمن في هذه البينية المُلْغِزة بين حدود الأشياء. وكانت رقية آنذاك طفلة في الرابعة بعد العاشرة من عمرها، حينما تربص بها بالشرع والقانون العرفيين، وعن ذلك التربص الجميل سيكون، بعد سنة، ميلاد أب الراوي، الذي سيختار له سليمان من الأسماء “العربي”.
ثم تختزل الرواية السنوات بسرعة، بعد لَفَّات و لَفَّات من الحكي عن البادية وطقوسها ومماحكات أهلها، إلى أن تتوقف عند زواج أبيه العربي من فاطنة، التي بعد معاناة مع الانتظار واليأس والإحباط سَتُرزق بعبد المجيد، كأمل امتداد في الكينونة وصيرورتها، الذي عن سيرته تتمخض كل هذه الرواية بتفاصيلها وأحداثها، منذ طفولته المبكرة إلى دخوله المدرسة الابتدائية، البعيدة نسبيا عن سكناه، والتي تناوب عن حمله إليها كل من رجليه وقوائم حمار أبيه، وعجلات دراجة هوائية، ثم انتقاله إلى الدار البيضاء لمواصلة دراسته الإعدادية ثم الثانوية، قبل دخوله كلية الحقوق، بجامعة الحسن الثاني بنفس المدينة. وما رافق كل ذلك من عوائق وصعوبات لم يكن سلاحه الوحيد في تجاوزها سوى صبره وإصراره وتحمل أبيه، إلى أن يتخرج سنة 1983 حاصلا على شهادة الإجازة في القانون الخاص، ويسدل ستار الرواية بالتساؤل عن قيمة هذه الشهادة وجدواها في مساره ومسار زملائه من الخريجين. هي نهاية لخطاه المتعبة، لكنني على يقين أنها بداية لرواية أخرى ستبدأ من حيث انتهت الأولى، وفي ذلك متعة منتظرة وانتصار وشيك لما سيكونه عبد المجيد، ولما سيؤول إليه بعد ذلك الانتصار. ومن المؤكد أن ثمة علاقة بنيوية بين “خطى متعبة” و”سحاب لَمَّا ينقشع بعد”[5]، ولعل الخيط الناظم لهما هو تعب الكينونة والمقاومة من أجل قيمها الإنسانية.
6ـ الظواهر التي توقفت عندها وجَلَّتْها رواية “خطى متعبة”:
هي رواية زاخرة بالظواهر السوسيوـ ثقافية، التي توقفت عندها في مسارها السردي، وسلطت عليها الضوء، وجَلَّتها لعيون المتلقي. وهو السبب الذي كان وراء وصفي لها باللقطات الأنثربوـ روائية من زمن الشاوية. ويمكن جرد هذه الظواهر فيما يلي:
6ـ 1ـ ظاهرة الأعراس في الشاوية، بما تتميز به من تقاليد وعادات وأعراف على عدة مستويات (الإعداد، الاحتفال، الوجبة، الغرامة، مولاي السلطان وجماعته، السروال والصبوحي…)[6].
6ـ 2ـ ظاهرة سيادة الذكورة في المجتمع البدوي (فالزواج مثلا لا يُعتبر حقا من حقوق طرفيه، بل هو واجب يُفرض على المتزوجين من قبل أولياء أمورهم، ولا سيما الأب، ويعتبر هذا مظهرا من مظاهر السيادة الاجتماعية على مستوى مؤسستها الأسرية، والعذرية بالنسبة للعروس رمز أساسي من رموز الشرف العائلي[7].
6ـ 3ـ ظاهرة الاحتفال بمواسم أولياء الله الصالحين، عند نهاية كل موسم فلاحي، وبالخصوص الولي الصالح دفين المنطقة، سيدي امحمد بن سليمان، والذي تعتبره القبيلة جدها الروحي، لما يحيط بهذا الموسم من طقوس احتفالية، يتقاطع فيها الروحي بالفرجوي.[8]
6ـ 4ـ ظاهرة التعايش والتضامن لدى البدو رغم العديد من مظاهر الصراع والتنافس.[9]
6ـ 5ـ ظاهرة التركيز على الصناعات اليدوية المحلية لسد الحاجيات الفلاحية أو المنزلية أو ما يتعلق بالأفرشة والملابس (الصناعات الخشبية والفخارية والصوفية مثل صناعة الزرابي والجلاليب…)، وهي ظاهرة تجمع بين الضرورة والإبداع، وتعتبر رقية جدة الراوي نموذجا في إبداع الزرابي والجلاليب الرفيعة في المنطقة.
6ـ 7ـ ظاهرة الإنشداد للأرض والمحيط الايكولوجي، وذلك في إطار علاقة تتكون بتكون الفصول الفلاحية ويحكمها عمل دؤوب ومتواصل لا يرحم منه سوى الليل والجنائز والأفراح، ومواعد الأسواق، ومواسم أولياء الله الصالحين. وفي هذا الإطار تستوقفنا الرواية عند العلاقة الوجودية والوجدانية لأهل البادية مع الماشية،[10] فضلا عن أن علاقة الإنسان بالطبيعة، علاقة أنيمية (إحيائية) بالمعنى الميثولوجي للكلمة، فهي ليست مصدر عيشهم، ولكنها رمز لامتدادهم، ومصدر كذلك لعافيتهم بأعشابها من أمراضهم الموسمية.
6ـ 6ـ ظاهرة مساهمة الأطفال المتمدرسين في الأشغال الفلاحية في عطلهم، وكان عبد المجيد نفسه نموذجا حيا على ذلك.[11] رغم أن أباه كان يمتلك وعيا حادا بأهمية المعرفة، وشعورا بغصة دفينة من كونه لم يتعلم. ولذلك كان يحرص بكل ما أوتي من قوة ليستفيد ابنه عبد المجيد من هذه النعمة.
7ـ عن الخلفية المعرفية والنقدية للرواية:
تعتبر هذه الرواية نصا غنيا من حيث حمولتها المعرفية والنقدية، الشيء الذي يؤكد أن كاتبها وظف كل ما يملكه من معارف لإثراء نصه السردي واختراق شخوصه ومختلف الفاعلين والمتفاعلين داخله، حيث يتداخل في تحليله لهم مفاتيح التحليل النفسي، ومفاهيم التحليل السوسيولوجي، في تأويله للظواهر المشار إليها أعلاه؛ بقدر ما يحضر إلى جانب هذا وذاك التفسير الابسمولوجي لما يحكم تصرفات الناس، حيث يقول: ” كل واحد ينظر إلى الأشياء بمنظوره الخاص اعتمادا على تركيبته المتفردة التي يتداخل فيها العقلي والنفسي،”[12] بل والاكثر من ذلك يستحضر الأسئلة الفلسفية الميتافيزيقية مثل سؤال الأسبقية في الوجود[13]، وينخرط في الإجابة عن ذلك السؤال المعقد، وسؤال العلاقة بين الانسان والزمن بشكل عام والانسان البدوي وزمانه ومحيطه الخاص[14]، وسؤال الدورة الاقتصادية[15]، و سؤال السعادة والحياة[16]، وسؤال المصير، وأسئلة اخرى بواسطه ابيه العربي عن تمرحلات الفصول، والوظيفة الغائه لكل منها في جدل وجود شبيه بجدلية الخير والشر، والصراع من أجل البقاء، والغاية البعيدة من ذلك الصراع. وهو تامل غالبا ما يقطعه صوت الحقيقة، صوت سليمان الذي لا يفهم الا ما له علاقه بالحياة اليومية، فيفيق العربي من عمق تأملاته بندائه: ” والعربي وانت هَدْ العروض غَ يبْقَوْ امْسَيبين فَ: الخلا… آو هذا اعمات ليه الجرية او الا مالو؟ “[17]. كما يقابل في هذه السياق او ذاك بين الحكمة الشعبية العامية الفطرية والحكمة الفلسفية التعلمية العالمة[18].
وبهذه الخلفية المعرفية بقدر ما يستحضر الظواهر السوسيو ثقافية، وما يرتبط بها من احداث. فهو يسلط على بعضها معول النقد. ويعرضها للسخرية. ونذكر من ذلك نقده للوضع الصحي المهترئ لمستوصفات ومستشفيات المنطقة، وتعريته لوضع التربية والتعليم بالوسطي القروي، ثم بالوسط الجامعي، سيما على مستوى استغلال الحرم الجامعي لتمرير ايديولوجيات متضاربة بعضها شيوعي وبعضها إسلاموي وبعضها موازي لإيديولوجيا الاحزاب السياسية، بمختلف حساسياتها، وكيف انفلت عبد المجيد من ضوضاء هذا الوسط ويتوقف عند تجربة الحي الجامعي كما عايشها، وانتقاده لممارسات الشعوذة والفكر الخرافي في حل بعض المشاكل المستعصية، وتعريته لسير العدالة في مغرب ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، ولمظاهر النصب والاحتيال وصناعه شهود الزور بباب المحاكم، ونقده لأعوان السلطة المرتشين، ولبعض السلوكات الدنية المنحرفة، ومظاهر السرقة، واحتراف التسول.
8 في البنية الفنية للرواية:
لن استطيع الإحاطة بكل معالم ومكونات البنيه الفنية لرواية خطاه متعبة، ولكن سأركز فقط على بعض تقنيات الحكي والإحالة في هذه الرواية، ومنها على وجه الخصوص: تقنية وخلط الأوراق: فالحكي لديه لا يتحرك في خط مستقيم، او يتخذ شكل مسلسل نمطي، بل يتحرك في مسار يشبه دوامة مسارات، تلتقي احيانا وتفترق احيانا اخرى في مسار دائري لا يحيل إلا إلى بؤرته المركزية. ولكنها على العموم تتكامل بين لحظات التأزيم والانفراج، في تناسل شبه كيميائي،
تقنيه الاضمار: والمقصود بها حذف التفاصيل والذهاب مباشرة الى النتيجة.
تقنيه الادماج: بحيث يقطع الحكي أحيانا ويركب الحكمة، الشيء الذي يضفي على مسار الرواية الكثير من مظاهر التأثيث المعرفي الضروري لمداواة فقر الوضعيات وجراحات شخوصها.
تقنيه الانتقال: أو ما يمكن تسميته بتقنية الدخول والخروج، في بناء وقائع الحكي. وهي غالبا تركز على تسجيل الإحساس بمفعول زمن الحكي، والزمن الموضوعي في الآن نفسه، وكذا الإحساس بوتيرة الفصول، عبر تمرحلات ذلك الزمن بكل محطاته (الماضي الحاضر والمستقبل). ومن امثله ذلك قوله في بعض المداخل:
– ” في اليومين المواليين لليله الزفاف مضى أسبوع كامل سمته الهدوء والسكينة.”[19]
– ” كثيره هي الاشغال التي تقوم بها فاطمة “.[20]
– ” الحياه اليومية في البداية يغلب عليها طابع الحركة والنشاط وتوزيع المهام فإثبات الوجود لا يتحقق الا بالعمل”.[21]
– ” الناس في الباديه يحبون جميع الفصول ويتفاعلون معها.” [22]
– ” وتتعاقب الأيام متشابهة وكأنها يوم واحد يتكرر.”[23]
– ” أشرف فصل الخريف على الرحيل، فاسحا المجال لفصل الشتاء ليعطي انطلاقه موسم فلاحي جديد.” [24]
تقنيه الانسياب: ومن خلال تمفصلات الرواية هذه، يأبى كاتبها إلا أن يعرب عن نفس روائي طويل ومسترسل لديه، لا يحتاج فيه الى تقطيع روايته الى عنوانين أو فصول كما هو سائد في بعض انماط الحكي الروائي. ولذلك فلم يكن في حاجه الى فهرس بياني لروايته، وإنما يرمي بك معه في لجج الحكي دون تحديد حدود، سوى ذلك القطع او الاستئناف الروائيين، حيث أحصينا حوالي 52 نفسا روائيا، وفق دينامية هذا المقطع أو ذاك. أو فلنقل وفق حركية نسق الحكي.
تقنيه التركيب اللسان للغة السرد: وتتجلى في التقنية التي استعملها كاتب الرواية في قياده لغة الحكي بسلاسة لذيذة، بين لغة الرواية وعامية الفضاء البدوي الذي تدور فيه. ويمكن اعتبار الرواية من هذه الزاوية توثيقا لمعجم اللهجة الدارجة لأهل الباديه المغربية بشكل عام، ولهجة باديه الشاوية على وجه الخصوص. فهو لا يكتفي باستعراض لتلك المفردات في سياقها الروائي الحي، بل يعد يتعمد اكثر من ذلك تخصيص هوامش لشرح مدلولها، لحمايتها من الانقراض من ذاكرة الاجيال الجديدة.
على سبيل الاستخلاص والختم:
يمكن التأكيد بعد كل ما قيل في العتبات التحليلية السابقة على ان هذه التجربة الروائية كانت ناجحة على مستوى رهاناتها المضمونية والفنية، وان صاحبها استطاع فعلا ان يوفق بمرونة كبيرة بين منطق الحكي الذي يتطلب حدا من الانزياح، ومنطق الشهادة على مرحله تاريخية محددة من زمن الشاوية، الذي يتطلب حدا من الموضوعية. وهو ما أسميه مأزق التوفيق بين منطق المجاز ومنطق الحقيقة.
من جهة اخرى يمكن القول أن من يقرأ هذه الرواية بنوع من التماهي ستحصل له قناعة مفادها ان الخطى المتعبة، وإن كانت الرواية عن الفضاء الثقافي لقبائل الشاوية، بكل انتصاراته ومفارقاته، فهي رواية عن الفضاءات السوسيو – ثقافية التي تماثلها. كما ان هذه الرواية ليست مجرد سيره ذاتيه لكاتبها، وإنما هي سيرة لكل ابناء الباديه المغربية في جهادهم ومقاومتهم من أجل البقاء، كما أنها بيان عن كيف أنهم شقوا طريقهم نحو النجاح، وساهموا في استكمال استقلال المغرب، رغم كل صعوبات المرحلة وإكراهاتها. وقد كان في هذه الرواية نسّاجا بارعا، وحبّاكا متميزا، لا يشبهه في ذلك سوى الطائر الحباك. وهذا النسج والحبك لخطاه المتعبة مهارة أصيلة لديه. وهو الذي ورثها عن جدته النساجة المبدعة لزرابي وجلابيب الشاوية الذائعة الصيت، وكذلك عن جده النساج لمفارقات الوقت والفصول والكينونة بكل ما أوتي من تحد وعناد. وأسجل بكل مسؤولية ان عبد المجيد رئيف لم يكتب هذه الرواية من أجل الكتابة فقط، بل من أجل تأكيد قناعته ومبادئه. إن خطاه المتعبة هي رواية القناعات والمواقف بامتياز. ولا يسعني اخيرا الا أن أهنئ هذا الكاتب المبدع عن منجزاته المائزة في مجال الرواية والشعر معا، باعتبارهما وصفتان لكل ذات متعبة تبحث عن تطهير جوهرها، وإعادة بناء وتشكيل ذلك الجوهر، إعلانا عن ولادة جديدة، وأفق وجودي يتماهى مع الحلم بكل ما هو جميل. وما أجمل أن تحل خطاه المتعبة بيننا في رحاب نزاهة الملحون على إيقاع التراث المكناسي المكنون!
ناقد من المغرب
[1] سلام عربوني، ومن أحلامي المنسيات ويليه حدائق الفقدان، مطبعة سجلماسة، مكناس، ربيع 2023. (تقديم من ص 11 إلى ص 24)
[2] بول ريكور، كتاب الزمن والسرد، في ثلاثة أجزاء (1983 ـ 1985) ترجمة سعد الغانمي وفلاح رحيم، دار أويا للطباعة والنشر، طرابلس، ليبيا طبعة 1 2006.
[3] بول ريكور: الذاكرة، التاريخ والنسيان، نشره بالفرنسية سنة 2000 ترجمة وتقديم وتعليق د جورج ريناكي ـ دار الكتاب الجديد بيروت لبنان الطبعة 1 2009.
[4] عبد المجيد رئيف، خطى متعبة، سيرة روائية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الدار البيضاء، الطبعة 1، 2025.
[5] هذه الرواية الثانية، توجد تحت الطبع، تحت عنوان “سحاب لَمَّا ينقشع بعد” كما أخبرني بذلك مؤلفها عبد المجيد رئيف.
[6] عبد المجيد رئيف، خطى متعبة، مرجع سبق ذكره ص 7 وما بعدها.
[7] مرجع سبق ذكره، ص6 وص 223.
[8] مرجع سبق ذكره، ص 38 الى ص 48.
[9] مرجع سبق ذكره، ص 70/71 + ص 96.
[10] عبد المجيد رئيف، خطى متعبة، المرجع نفسه من ص 79.
[11] مرجع سبق ذكره، ص 268.
[12] مرجع سبق ذكره، ص 280.
[13] مرجع سبق ذكره، ص 15.
[14] مرجع سبق ذكره، ص 21.
[15] عبد المجيد رئيف، خطى متعبة، ص194.
[16] مرجع سبق ذكره، ص 130.
[17] مرجع سبق ذكره، ص 215.
[18] مرجع سبق ذكره، ص 100/ 103
[19] عبد المجيد رئيف، خطى متعبة، ص18.
[20] مرجع سبق ذكره، ص 24.
[21] مرجع سبق ذكره، ص 26.
[22] مرجع سبق ذكره، ص 31.
[23] مرجع سبق ذكره، ص 48.
[24] مرجع سبق ذكره، ص 56.
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي