الرئيسية / إبداعات / اللبلابُ والمحارة – عبد الرحمان الوادي

اللبلابُ والمحارة – عبد الرحمان الوادي

  اللبلابُ والمحارة

 عبد الرحمان الوادي*

 

ضحكت الصبايا بخجل وهن يسقين من البئر حين مر المعلم الجديد بهمة وحماس الشباب عليهن، وتحدَّتْ كلُّ واحدةٍ منهن صويحباتها بأنه سيكون من نصيبها دونهن، فيما هو ظل يتساءل في قرارة نفسه طوال سيره إلى ما يشبه المدرسة إن كانت لسيد القرية كريمةٌ بينهن.

أسرَّت لهن بنت المقدم في سُقيا الغد أن الطريدة وقعت في شراك صيادها قبل أيام قليلة، فلم يعد هناك داع للكمون والترصد لها. أقسمت لهن بالولي الصالح إنه متزوج، ترك زوجه مع أبويه بالمدينة. لكنهن لم يحملن قولها محمل الجد، رغم احتماله الحقيقة بنسبة كبيرة، خوفاً أن يكون الأمر مجرد اختلاق للكذب منها، تسعى من ورائه إلى خداعهن فحسب لتبعدهن عن ساحتها، فتستأثر به وحدها.

اِستقبله المدير بالأمس، وعوض أن يطلعه على كل ما يتعلق بالموسم الدراسي، أفاض في الحديث عن محاسن كبرى بناته الخمس. وعندما خيَّب ظنه فيه ولم تصدر عنه ردة الفعل التي ينتظر، طوَّح به إلى أنأى فرعية توجد تحت سلطته.

أحسَّ بإرهاق شديد عند نهاية الحصة، بل قل الحصص المسائية. لقد أنيطت به مهمة تدريس المستويات جميعها دفعةً واحدة. خرج التلاميذ سراعاً خفافاً يتصايحون ويتقافزون بسعادة عارمة، رغم البؤس العبوس المعشش في النفوس، وكأنهم أسرى حرب ضروس أُفرج عنهم من معتقلات الروس.

عليه الآن أن يسابق الليل قبل أن يسدل ظلامه، فتسودَّ حوله الدنيا، ولن يستطيع حينها إعداد وجبة عشائه التي يحتفظ بنصفها لغذائه، وهو لا يملك نور شمعة تذرف دمعةً مكانه تلو دمعة. كيف سيخلد إلى النوم على حصيره غير المريح مصلوباً على طاولتين مهترئتين، بأمعاء فارغة يزيد صياحها مع مرور الوقت؟

في هذه اللحظة المفصلية، فاجأه دخول شخص عليه قدَّم له نفسه بأنه رئيس الجماعة القروية. رحب به في المنطقة لعلمه بقدومه من خارجها مسيرةَ يوم وليلة بالحافلة، فمقلاعُ الوزارة ذو بأس شديد مع من أحاديثُه عاريةٌ من الأسانيد. وأخبره بفخر زائد أنه صاحبُ فكرة إنشاء هذه النواة المدرسية، ترافع عنها باستماتة لدى جميع الجهات المختصة إلى أن حققها على أرض الواقع، ولو بحُجرة يتيمة. قهقه وهو يردد أن ما يهمه الآن هو تمكنه من دق مسمار جحا في خصر الدولة. كل شيء بعده يهون. ستلد في أقرب الآجال أختَها، ثم أخواتِها إلى أن يكتمل كيانُها، ما دام يعلم علم اليقين أن لا أحد سواهُ سيمكث على كرسي الرئاسة إلى أن يورِّثه لابنه البكر عند عدم قدرته، تماماً كما فعل أبوه معه من قبل. يعشق الأغلبية الحكومية، يستظل بظلها، ويتلون بلونها. لا تهمه الأحزاب سواء طلعت من الأرض، أو نزلت من السماء.

كتم الشاب تبرُّمَه من أن يطول الحديث أكثر، فيفوِّت عليه هدف آخر دقيقة من الوقت الضائع، ويرغمه على لعب الشوطين الإضافيين، وقد تذهب المباراة إلى ضربات الترجيح التي سيخسرها دون شك لضعف لياقته البدنية، في حال لم يدعُه في نهايتها إلى العشاء ببيته؛ حيث سيملأ معدته بما لذ وطاب من الأكل والشراب، ويعرف إن كانت له أم لا بنتٌ في سن الزواج.

هنا، مد له يده مودعاً، وقال له أن يتصل به كلما مسته الحاجة، ثم ركب سيارة الجماعة وانطلق بسرعة البرق، تأوه الحصى تحت عجلاتها، وتناثر على جنبات الطريق المغبر. بقي هو متسمراً في مشدهته، ينظر إلى المركبة عبر النافذة إلى أن خمدت أضواؤها، ثم جلس يعصر صدغيه بين يديه، لا يعرف أي رجليه يقدم أو يؤخر.

بعد وقتٍ لم ينتبه كم مضى منه، سمع طرقاً خفيفاً على الباب الذي نسي أن يقفله. نهض متثاقلاً ليرى من الطارق، فوجد فتاة في كامل زينتها تقف مطأطأة الرأس على العتبة وهي تمد له صينية الطعام. تسلمها بكف تصلبت جراء وقع المفاجأة. قالت له اسمها وفرت هاربة قبل أن تمنحه فرصة شكرها.

وضعها على أول طاولة قابلته بالداخل. أزاح الثوب الأبيض المطرز الذي كان يخفي ما تحته وما فوقها، فبشّ في وجهه طاجينٌ صغير، تصاحبه خبزةُ شعير وحبتا برتقال وتفاح.

عندما همّ برفع غطائه، ظهر أمامه طيف أمه محذرةً إياه بشدة – شأنها في كل مرة عقب تخرجه وتعيينه – ألا يأكل سوى من يد ابنة خالته في غيابها، وستخلع رضاها عليه دنيا وآخرة إذا ما نفذ وصيتها. إنه يعرفها، ستثور باديء الأمر غضباً حين تعلم بفداحة عصيانه، ولكنها ستنسى كل ما قالت وأعادت لتطير فرحاً بعروسه، حين يخبرها أن أباها سيدُ قومه ذو مال وجاه.

أراد أن يلقي أول لقمة دسمة في فمه الذي فاض لعابُه على جنباته، إلا أن طرقاً شبيهاً بسابقه أوقف العملية. حثّ الخطى نحو الباب، فتعثر في جسم أصدر طقطقةً خفيفة. ظهرت له قصعةٌ جميلةٌ عند موضع قدميه، عليها وعاءٌ حديديٌّ يخفي تحته رفيسةً بالدجاج البلدي، تفوحُ منها رائحةٌ تنعش النفوس العليلة. لقد كاد أن يقذف بها إلى بعض الكلاب المتربصة بالخارج لولا العناية الإلهية. نظر يمنةً ويسرةً، لم يجد أحداً. قال ربما صاحبة الطاجين عادت من جديد؛ كيلا يشغل باله كثيراً بالتفكير فيمن تكون الفاعلة، لكنه حين تفحص البيضة الموضوعة على قُنّة الطعام، قرأ اسماً آخر غير اسمها مكتوباً على قشرتها.

اِعتذر من الطاجين لتأجيل الحوار معه إلى زوال شمس الغد، رغم كونه أول الواصلين؛ بسبب عدم قدرته على مقاومة إغراء الفاتنة التي حلّت بعده، فهو يفقد كينونته دائماً في حضرتها.

مع مرور الليالي، زادت الأطباق بزيادة الأسماء المؤمنة بمقولة: أقصرُ طريق إلى قلب الرجل معدتُه، فاضطر إلى إلقاء الفائض من محتوياتها وسط جحافل الكلاب والقطط التي صارت مرابطةً عند بابه. كان يعرف وقت وصول كلِّ واحدةٍ من الفتيات، فيسلمها أوانيَها القديمة دون أن يكلف نفسه عناء تنظيفها.

هكذا ظل الحال على حاله إلى حين دعوته إلى عرس أحد أبناء رئيس الجماعة، التي حدث بعدها ما حدث وأحدث.

لم يكن عرساً، بل كان موسماً لسبع ليال وثمانية أيام. نُصبت فيه الخيام، ورُفعت الأعلام، ولعب الفرسان بالخيول والبنادق. تتوسطه خيمةٌ عظيمةٌ استقبل فيها أب العريس وفداً رفيع المستوى في أول لياليه؛ ضم الوزراء المنتمين إلى حزبه، ورجال السلطة المحلية، وأقارب العروس سادة القبيلة المجاورة.

صُففت الموائد، ومُددت الخراف المشوية عليها، وجيء بأبهى المشروبات وأشهى الفواكه البرية والبحرية، ثم غنت ورقصت الشيخات إلى أن ذهبت عن البطون بطنتُها.

جاور مقعدُ المعلم تلك الليلة مقعدَ المقدم، الذي أطلعه على كثير من أخبار الأولين والآخرين. فاغتنم الفرصة المواتية وسأله عن أسرة الرئيس. قال له إن الله رزقه بالذكور دون الإناث؛ ما أوقف اللقمة في حلقومه، وسد شهيته سداً. سكت طويلاً لسكوته، ولم يخبره أن لأخته بنتاً في مقتبل العمر، يكن لها معزةً خاصةً كما لو كانت من صلبه، إلا حين فرغ جلساؤه من نهش لحم الخروف، ومصمصوا عظامه.

حمد الله وشكره أنه لم يخسر المعركة بعدُ كما خسر الوليمة.

دخل صباح الغد على الرئيس في مكتبه بمقر الجماعة، حدثه بدايةً عن نضاله في صفوف الطلبة سنوات دراسته بالكلية ومركز التكوين، وعن رغبته في الانخراط في شبيبة حزبه؛ تمهيداً لطرح قضيته الوجودية التي كانت وراء زيارته الصباحية. عندما أحس أن الطريق الوعر أصبح ذلولاً سالكاً إلى القمة، طلب منه يد عزيزته. أبدى له موافقته المبدئية، ولكن لا بد من استشارة صاحبة اليد ومعرفة رأيها، ثم سأله إن كان قد رآها. نفى الأمر، قال له لا بد من حدوث النظرة الشرعية. لحسن الحظ أنها هنا بالحفل مع أمها، فأرسل من أتى بها.

جاءت تتدحرج يسبقها صفيرُ لهاثها، ألقت بجثتها على الكرسي المقابل الذي كاد أن يتهاوى تحت ثقلها. أُسْقِطَ في يده متسائلاً: ما هذا المسخ؟ وابتسم ببلاهةٍ مكشوفةٍ في وجه خالها، بينما هي فور علمها بخطبتها أطلقت زغرودةً قويةً، سمعتها القطعانُ بالمراعي البعيدة، فأمسكت لحظةً عن الرعي من فرط دويِّها.

لدى عودته ليلاً عقب فراغه من تناول وجبة العشاء بالخيمة الكبيرة مع الوافدين الجدد من الضيوف، وجد شظايا صحون متناثرة. يبدو جلياً أنها تعرضت لتكسير عنيف جداً على الحائط الأمامي للقسم. لم يساوره أدنى شك من أول وهلة أن الساهرات على راحته هن من قمن بهذا الفعل؛ انتقاماً منه وتعبيراً عن سخطهن من انفلات عصفور الجنة من بين أصابع أيديهن في غفلة منهن. لم يشعر بتأنيب ضميره؛ فهو نقيُّ السريرة صادقٌ مع نفسه. لم يقترف ذنباً يوماً اتجاه أي واحدة منهن بوعد، أو إظهار ميول ولو بإشارة من خنصره. لم تتعدَّ علاقتُه المحدودةُ بهن مستوى المعدة.

بات يتقلب في فراشه تحت سياط تفكيره كيف يليّن حديدة أمه إلى أن صاح ديك الصباح. خشي أن تعوزه نارُه ولا تفي بالغرض فلا يُدرك غايته المثلى. صحيح، إنه يعي جيداً أنه في موقف حرج لا يُحسد عليه، ولكن هذا لن يمنعه من نجاحه في إقناعها بفكرة أن هذه الزيجة ليست إلا قنطرةً للعبور نحو غد أفضل.

حضرت الأمُّ وأحضرت معها ما يلزم في هذه المناسبة السعيدة. وعندما خرجت عليها عروسُ ابنها، لم تتمالك نفسها فدخلت في نوبة هستيرية من الولولة والصراخ، ونتف الشعر، ولطم الوجه، وضرب الفخدين. ثم سقطت تتمرغ على الأرض إلى أن تشنجت أطرافُها، فأُغمي عليها، وتراكمت رغوةٌ ناصعة البياض فوق شفتيها.

رشوا وجهها بالماء البارد، شمموها البصل المهروس والعطر المستورد، ضموا قبضتها على مفاتيح سيارة الجماعة دون جدوى. طمأنهم أن هذه عادتُها. لا يقوى حسُّها الرهيف وقلبُها الضعيف على تحمل الجرعات الزائدة من السعادة، فلا داعي للقلق. طلب منهم أن يخرجوا جميعاً ويتركوه معها.

اِنحنى على أذنها الظاهرة، وقال لها بصوتٍ خافتٍ حذرٍ من وصول موجاته إلى أسماع الخارج الممدودة صوب الداخل:

– أرجوك لا تفعلي هذا بي اليوم أمي، لا تقفي حاجزاً مانعاً دون تحقيق حلمي، أنا بدوري لا أُطيق النظر برهةً إلى بشاعة خِلقتها. أعرف أن ابنة خالتي تفوقُها حلاوةً وجمالاً بسنواتٍ ضوئية، ولكن لا حيلةَ لغريق تشبث به غريق. اِفتحي عينيك وأشبعي رغبتَهما الجامحةَ بفخامة الصالون الموشح بالزليج البلدي.

أجالت ببصرها المنكسر في أرجاء حديقة غنّاء، زادها مسبحٌ فسيحٌ بهاء. رأت خدماً من جنسيات مختلفة يتسابقون على رعايتها، حسبت نفسها بالفردوس الأعلى قبل أن تقع عينُها على صبية وشقيقها في القبح يلهوان بالجوار. لقد بدأت تستعيدُ عافيتَها رويداً رويداً من شللها الكلّي الذي أقعدها لأعوام، بفضل نجاح العملية الجراحية التي خضعت لها بدايةَ الشهر بأحد المستشفيات الأجنبية.

قاص من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

المقامة العربية القديمة: البنية والخصائص الأسلوبية – اسماعيل المركعي

اسماعيل المركعي* مقدمة اشتهر فن المقامة على يد بديع الزمان الهمذاني في القرن الرابع الهجري؛ …

اترك تعليقاً