م الموت والهوية والذاكرة في رواية “وادي اللبن” لعبد اللطيف محفوظ

السعيد لبيب*
- من اليقين نحو الشك
أمور كثيرة، وإن كانت تدخل في باب الاحتمال، قد تكون مهمة، وتأتي أهميتها من كونها محتملة. ذلك أن اليقين ذاته ليس سوى صورة من صور المحتمل والممكن، فمن المعاني القديمة لليقين (certitude) في الفرنسية هو الطمأنينة والضمانة (assurance et garantie)، أي إنه حالة نفسية مناطها التيقن من شيء ما واقتناع (conviction)، إنه اطمئنان النفس إلى حكم مع الاعتقاد في صحته. اليقين في العربية نقيض الشك، مثلما العلم نقيض الجهل، لكن الغريب، أن من معاني اليقين – كما يورده لسان العرب على لسان الآية القرآنية – هو الموت. هذه الرواية هي بالأساس ضد اليقين. يقين التاريخ، يقين وجود تاريخ سليم، تاريخ يطابق ما حدث ويوصفه. لذلك تبدو أقرب إلى كونها رواية في تاريخ اليقين. لكن كيف يتحقق لنا، معها، هذا اليقين؟ لعله يتحقق بالنسيان، لأن اليقين شك تناسيناه، إنه إذا أردنا استعارة الجملة الشهيرة لنيتشه، سنقول إن “اليقين شك نسينا أنه شك”.

لهذا كان على الرواية، في غمرة الشك والقلق، أن تبدأ بسرد مأتم. فالموت، هو اليقين الوحيد، إنه نهاية وبداية، فبه نقطع مع شيء، لنشرع في شيء آخر. الموت لحظة قطيعة. قطيعة ضد شيء، ولكنه في الآن نفسه بداية لشيء آخر. لذلك فالموت، في كثير من الروايات، حدث يقع خارج الزمن، كموت الأم أو البطل Mersault ميرسو، عند كامي (Camus)، في رواية الغريب مثلا. إن الموت حدث لا-زمني (Intemporel)، قد يُفضل، في التأريخ للأشخاص، على الولادة. الموت ولادة لزمن، وهو ليس كذلك إلا لأنه يعيد الزمن إلى نقطة الصفر. لأنه إما أن يحررنا من معاناة لا تحتمل، أو يكون تجربة قاسية تترك صدمة وذكرى. ولكن كل ذلك بالنسبة للأحياء فقط. فتجربة الموت هي تجربة الأحياء، فما نعرفه عن الموت هو ما تمثلناه عنها في حياتنا من خلال تجارب الآخرين. إنها تنتمي لمجال الخيال، وبلغة جلبرت ديرانG. Durand إلى صنف الصور الليلية (diurne)، وكأنها وحش يبتلع الناس… باختصار، إنها من صنف الغامض والمبهم (فعلى الأقل في اللغة العربية هناك تردد في تذكيره أو تأنيثه)، يذهب، يختفي ثم يعود لكي يأخذ كل مرة ضحاياه، وقد صورته الديانات على أنه ملاك يأخذ الأرواح ويترك الأجساد.
الموت لأنه لازمني، فقط لأن به يكتمل الزمن في مخيالنا، إنه شيء ذو طابع دائري (cyclique)، وعود أبدي. لذلك تبدأ الرواية بالموت وتنتهي به، لأنه ينبغي غلق الدائرة. ولأن الموت، هو تجربة الأحياء، فتشييع جثمان الخال في بداية النص تحول في برهة إلى تشييع للذات. يقول السارد “أحسست بحب عارم لإخوتي وأبناء عمومتي وخالاتي، فمن بقي بعدي، هم من سيواسون أبنائي، وسيحزنون بحق على فقداني، هم من سيرددون بخشوع وهمة هذه الأدعية حتى انتهاء المراسيم…”(ص.20)، وفي هذا المأتم ذاته ستحضر الشخصية التي بموتها سيسدل الستار على البحث (Enquête): “أغراب” الذي يمثل الشخصية الغريبة التي أصيبت بمرض الخرف “فصار يذكر أحداثا بعيدة يتخيلها كما لو كانت حدثت بالأمس، وينسى أحداثا قريبة” (ص.20-21)). قلق الموت هو قلق من مصير الإنسان، واعتراف بخصوصية الوضع الإنساني. يتخيل السارد نفسه ميتا، ويتصور زمنا لن يكون فيه. وفي هذه العلاقة بين الموت والولادة يحضر الرمز، كما يقول بول ريكور[1]. وعلى عكس أوديب الذي ترك موته وراءه ووضع طفولته أمامه، وضع السارد موته أمامه، إلا أنه، بدوره، لم يضع طفولته خلفه. رجع أوديب إلى طفولته ليفهم ما الذي وقع له، أما سارد وادي اللبن فقد استبق موته – طوال الرواية وفي كثير من الشواهد – ليفهم ما الذي سيقع حينما نغادر الوجود. فما معنى الحنين؟ إن النوستالجيا – الحنين للوطن- موقف من الزمن الذي يغير من ملامح الأمكنة والأنفس، لذلك يكثر في النص وصف الطريق ومنعرجاته التي هي رمز حقيقي للزمن، وكأننا نودعها ونطلب منها أن تعتني بهضابها وحقولها. الخوف من الموت خوف من أن نترك العالم بدون رعاية، لكننا نخاف أيضا من الموت، كما يقول ليفناس، لأننا نخاف من أن نترك عملا ما غير مكتمل (une œuvre inachevée). أن نستبق مصيرنا، إذن، هو أن نشك فيما نحن عليه، في أن كل تجربتنا خيال في خيال، اليقين الوحيد هو أننا سنفنى، بدون رغبة، بينما يبقى الوجود على حاله بعدنا. لذلك، هنا، لا يختلف الاستباق عن الاسترجاع (كما هما محددين عند جونيتGenette (analepse, prolepse) في شيء.
- التاريخ والهوية
يضع كير ككارد تمييزا مهما بين الاستئناف والتكرار، وهو تمييز لا يهم لأنه يشكك في امكانية وجود التركيب الهيغيلي، لكن لأنه، أيضا، يقف موقفا مرتابا من التاريخ والزمن الذي لا يكتمل. لأن سمته هي الاضطراب، يتداخل فيه المدبر بالآتي، المقبل بالمغادر. هذه العلاقة المعقدة مع الزمن تشرحه بعض الشواهد في الرواية: ” لم أرد أن أشرح كيف تتجدد الأمكنة بفعل تصادم زمنين، فلا نرى فعلا ما نراه، إلا وقد رأيناه مجسدا في حضور الغياب، وغياب الحضور”(ص. 29). “أخرجني أخي من شرنقة السفر البعيدة في مسارب الذكريات اللذيذة… فعدت إلى ما كنت فيه من تحويل العالم المرئي إلى عالم متصور” (ص. 32). لا تهدف هذه العلاقة التي ينسجها السارد مع الفضاءات والشخوص – والتي يحولها إلى صور ومشاعر – إلى تكرر ماض ما، بل تتغيا استئناف ما كانت قد بدأته. غير أن ما يميز هذا الاستئناف كونه استئنافا دائما. وهو الأمر الذي جعل التشويق دائم الحضور في النص.
لقد فصل كيرككارد، في رسالته لأولسن (Régine Olsen)، بين الحب تبعا لمبدأ الاستذكار (ressouvenir) والحب تبعا لمبدأ الاستئناف[2]. الاستئناف هو هذه “المقولة المتناقضة” التي توحد في الوجود المحسوس “ما كان” (“الشيء نفسه” le même) مع ما هو جديد (” الشيء الآخر”). أي إنها لا تجعل من الماضي ماضيا، لكن عينيها مفتوحة على الآن والمستقبل، وهي، بشكل متناقض، أَمَلٌ قَلِق. أمل في أن نكون نحن والآخرين في الآن نفسه. أن نستأنف عشقا لا يبكي على أطلال، وإنما يبحث عن منافذ بها نستمر في ما كنا عليه، بعد لحظة توقف اضطراري. هكذا يظهر أن العلاقة بالزمن تنزاح إلى علاقة بالتاريخ والهوية.
سمة الاضطراب هذه، في الوعي بالذات والتاريخ، لا يكشفها النص، من جهة، إلا بنمط خاص من الكتابة، وأيضا بنمط رمزي استعاري همه استخلاص المعاني مما قد يظهر تافها وهامشيا من جهة ثانية. ولقد اختار النص، بالنسبة للنمط الأول، عنصر التشويق، حيث جعلنا ننتظر دائما تحقق اللقاء ب “أغراب”، وهو لقاء لن يتحقق أبدا على شكل رغبة لن تُشْبَعُ أبدا. فكيف كان التشويق في النص؟ لقد اتخذ آليات محددة وهي: تعليق الأحكام، وإكثار التأويلات والتحليلات والفرضيات. فالتشويق (en suspens) هو أن نضع شيئا في موضع الارتياب واللايقين (l’incertitude) وحالة من التردد، أن يكون بلا حل، بدون اكتمال، إنه انتظار قلق (attente angoissée)، لقد التقينا بأغرابٍ في مأتمٍ، ثم سنلتقي به في مأتم آخر، هو مأتمه. لذلك يُعَدُّ أغراب ذريعة لسرد تاريخ منقوص، مبعثر، متناثر، وغير مركب… وإذا كان التحليل والوصف تعليق للحكاية، كما يقول هامون[3](Ph.Hamon)، فإن حكاية وادي اللبن لا تتوقف إلا لكي تستمر، لكنها لا تستمر إلا بوصفها بحثا عن الحكاية نفسها، لأن الذي قد يحكي هو أغراب وأغراب وهم، لذلك يصير أهم من الحكاية ذاتها. إننا حين نتأمل جيدا في الرواية نكتشف أنه لا وجود لحكاية تحكى، وإنما نحن، مثل السارد، نغوص في خضم بحث عن الحكاية، لهذا ننتظر من أغراب أن يمنحنا حكاية، لكنه لا يحكي لنا إلا عن عدم وجود الحكاية، فنضطر إلى تأويل ما يمكن أن يقوله صاحب الحكاية “أغراب” الذي لن يحكي الحكاية الحقيقية.
إذا تساءلنا هل هناك حكاية حقيقية؟ فإن الجواب الدقيق هو لا وجود لها. وهذا هو الدرس الذي تعلمنا إياه الرواية حيث يمكن ان نقرأ حكاية عن حكاية غير موجودة أصلا، لذلك تحدثنا في البداية عن الشك عوض اليقين، لأن الحكايات تتراكم بعضها مع بعض على شاكلة “جاك الجبري” (Jacques le fataliste) وهو يسرد مغامراته، ويراوغ القدر الذي يتربص به. ويضاف إلى ذلك أن الحكايات الصغرى (micro récits) في رواية وادي اللبن تحفزها رغبة السارد في أن يورط معه، كل مرة، شخوصا في حل لغز فقدان التاج أو الوسام. فما معنى الفقدان، فقدان التاج؟ يسهل أن نقول إن التاج موضوع قيمة، وقيمته، كما يرى غريماس[4]، تكمن في وظيفية تركيبته العملية والسحرية في الآن نفسه (قوة، هيبة أو نفوذ…). فموضوع التاج هنا مشتت بين حدين عثور / ضياع، حضور / غياب، في إطار علاقة من الاتصال والانفصال، امتلاك وسلب، تخل ومنح. إن انتقال التاج وتبادله تم بوصفه قيمة أتت من اللامكان (nulle part)، كما أن ارتحاله من يد إلى يد هو انتقال للقلق، لأنه بمثابة وصية، وهبة تبادلها السلطان مع منقذه، على شكل مكافأة… إنه يظهر ويختفي في لعبة لا تنتهي، ينفصل فيها الظاهر عن الكائن (Etre et paraitre). لكن لا يتعلق الأمر، كما في الأساطير والحكايات الشعبية، بالبحث عن مَجْدٍ ضائع، بل يتعلق بدلالة أعمق، حيث نجدنا في حالة فحص عما نكون نحن؟ من نحن؟
تعلن آلية التشويق أن سؤال الهوية، بما هو سؤال ملغم، يعبر عن مشكل مصطنع (pseudo-problème)، كما يقول ما بعد الحداثيين، لذلك لا ينتهي بجواب. إنه سؤال بدون جواب، أو على الأقل، هو بجواب معلق؛ ذلك أن كل الأجوبة مجرد إشكالات. إنها ليست سوى امكانات متعددة. كما أن التداعي الحر للمشاعر والذكريات في الرواية، لا تعدو كونها مجرد تأويل لما نحن عليه. فعلى غرار النصوص، يملك الناس معان عديدة مرتبطة بسياقات محددة، أي إن هذه المعاني، نتيجة للعلاقات والوضعيات التي توجد داخلها، هي التي تحدد فهمهم لأنفسهم. “فحينما نفهم أنفسنا أو نفهم آخرين، فإننا نقوم بذلك انطلاقا من منظور معين، وبواسطة شبكة معينة من الافتراضات والاعتبارات فقط. لذلك فإن فهمنا لأنفسنا وللآخرين دائما متحيز، فالهوية ليست دائما هي كل ما نحن عليه [فعلا] في الحاضر والماضي[5]. لأن ذلك يتوقف على السياق الذي يظهر فيه هذا التساؤل، وبالاقتراحات التي بها نجيب عن سؤال الهوية. ومثلما تكون لنا انتظارات من شخص ما، ننتظر من عمل فني ما، أن يجيب عن سؤال ما، أو أن يمدنا بمتعة معينة[6]. إن كل المفاهيم الخاصة بالهوية هي بناء وتشكيل، بحيث ننتقل من هوية (identité) إلى تماه (identification) مع صفات وسمات اكتسبناها، فاعتقدنا بأنها تشكل طبيعتنا. هذا مع أننا ننسى أن ذلك هو نتيجة لتفاعل بين أفراد وأحداث. أما الشرط الآخر، فيكم في أننا نفهم الآخر في مقابل الذات، أي مقابل ما نحن عليه. لكننا لا نفهم ما نحن عليه دون فهم ما يكون هو (الآخر) عليه؛ تماما، كما لا يمكن فهم نص كله دون فهم أجزائه، ولا يمكن، في الآن نفسه، فهم أجزائه دون فهم الكل. إن الأمر يشبه حلقة من الفهم، فلا نستطيع فهم الآخر، وخصوصيات عِرقه وجنسه دون فهم ما نحن عليه، يعني ما يشكل تاريخ هويتنا[7]. ويفسر ما سبق كيف أنه بفضل الاسترجاع الذي يحضر من خلال تداع حر، تتفجر، كل مرة، حقائق جديدة على لسان شخوص تنقسم بين من يشغلها سؤال “من هي؟” “من تكون؟” وأخرى سَرَقَ منها تَارِيخُهَا اليومي كل وسيلة للتفكير في ما هي عليه؟ بل إن حكاية التاج أسفرت عن حقائق تنسينا قيمة التاج نفسه، لتجعلنا نتساءل عن قيمة البشر… (الفراط وأغراب) اللذين “صدمتهما الحقيقة فصارا عدوين لها، يحاولان مقاومتها باختلاق ليل حاجب لما يحيط بهما” (ص. 103). لهذا يمسي الجنون، هنا، شرطا لمواجهة لعنة الوجود، والواقع المركب؛ فالجنون ملاذ من لا ملاذ له من الحقيقة. إن الجنون في هذه الرواية هو منتهى الحقيقة، لأن التاريخ البحث عن التاج هو تاريخ حرب أكثر مما هو تاريخ سلم، بل هو تاريخ حرب تتخلله لحظات هدنة، كما يقول مونيي (E.Mounier). يقول السارد “بدا لي الطريق بين فاس وتيسة معمورا بخيالات القتلى. خيالات تصورتها، خلال كل الأزمنة الغابرة، مزدحمة بجيوش جرارة، بعضها يمتشق السيوف ويتأبط الرماح، وبعضها يحمل البنادق، والبعض يجر المنافض…تساءلت، في حسرة، كم حام ملاك الموت في هذا الطريق حاصدا أرواح القتلى” (ص. 186-187).
هكذا يمكن أن نفهم أن كل هوية تنبني على التاريخ مهددة بالوهم، بل إن كل تاريخ يسرد الهوية هو تاريخ للوهم. لذلك فهو تاريخ متعة. المتعة التي توجد في قلب الواقع إلى خيال، وجعل الخيال واقعاً: “بينما أنا وكريم نستعيد مشاهد علقت بذاكرة بعيدة غير موثقة بالشهر أو اليوم، لأن لا أحد، هنا، كان يهتم بالتأريخ؛ حتى نحن الأطفال لم نكن نعير التأريخ الذي يكتبه المعلم باللون الأصفر أو الحمر، أعلى السبورة، اهتماما؛ ربما كنا نعده برطوكولا مدرسيا تافها ليس إلا”. (ص. 74-75). ”التاريخ ليس لنا منه إلا ما كتب علينا أن نقرأه”…بدت لي العبارة مدهونة بيأس الباحثين، لكنها معطرة بطيب الفجوات”. (ص. 138- 139). “حين عدت إلى كتب المؤرخين المعاصرين الذين اهتموا بالمنطقة، تيقنت من صعوبة البحث في التاريخ، وضبط حقيقة الأحداث وصحتها… تحتار، أحيانا، هل تقرأ كتبا في التاريخ، أم مقاطع من سرد شهرزاد المتوهمة من قبل الحكاء المجهول”.(ص.144-145).” بدت لي حكايات التاريخ المدون، متاهة تامة الأركان، وبدا لي الفراط مثل حكاية أغراب العجيبة. قررت ألا أعود إليها أبدا، وألا أبحث عن شيء يتخايل في سراب الوهم” (ص. 191). الخلاصة هي أنه لاوجود لهوية خالصة وتامة (مثل الأحاديث المطولة عن القبائل التي عبرت الوادي وعاشت على ضفافه)، إنما هي تركيبة، تتفكك كل مرة إلى عناصر جزئية تحتاج كل مرة إلى معرفة مكانها ضمن لغز وأحجية نسجها الزمن.
الهوياتُ تأويلٌ وتشكيلٌ للمعنى؛ تبدأ بدلالات الأشياء والعالم، لتنتهي إلى دلالة الإنسان. حتى أبسطُ الأشياء تُعَدُّ رموزًا تستخرج ما ظل دفينًا فينا. فالصِّحفة، مثل «مادلين» بروست، تستثير فينا شيئًا غامضًا لا نعرفه. غير أن «مادلين» بروست أعانت على الغوص في زمن الطفولة، بينما عند كمال توقفت المتعة حين طلب الحوار؛ إذ خرج سريعًا من تأمّله لأنه كان يبحث عمّن يشاركه لذة الرموز، محاولًا تحويل الحسّ الشخصي إلى حسٍّ مشترك. ولأنه رأى، مرة أخرى، في التأويل العالِم للرموز شاشةً تحجب المعاني في انبلاجها الأول، وفي عفويتها الجميلة: “كانت النجمة مطلية بالأسود. لعل صاحب الفكرة ابتلي بتلك الخرافات التي يسمونها سيميائيات. فمن ذا الذي سيفك سنن الأدلة، فيربط النجمة بالعلم المريني وبعده بالسعدي… أفكار عديدة عبرت سمائي، فقهرتها بلي عنق الوعي، وسحق متعة إسقاط التأويلات التاريخية على عفوية التجميل”. (ص. 138).
- الذاكرة والأنامنيز
ما الباعث على الغوص في ذاكرة مثقوبة بهذا الشكل، تلك “التي صارت خفيفة مسكونة برياح النسيان” (ص. 151). لقد انزعج السارد[8] مثله مثل ريكور من مشهد الذاكرة المفرطة (le trop de mémoire)، مما سيسميه الفيلسوف فيما بعد بذاكرة متلاعب بها(manipulée)، والنسيان المفرط (le trop d’oubli). لذلك كان الحل هو صقل ورعاية ذاكرة متزنة (juste mémoire) ضد الاحتفالات المفرطة التي تسيء للذاكرة والنسيان[9]. ومن المفارقات التي يسجلها الفيلسوف بصدد الذاكرة هو أنها تتفرع إلى أسئلة من يتذكر وماذا يتذكر؟ أسئلة الذات والموضوع. فأن نتذكر شيئا ما، هو أننا نتذكر أنفسنا في الحين[10]، نتذكر شيئا له علاقة مباشرة بنا نحن. لذلك نسمع كل مرة تعبير “حفظ الذاكرة”، لأنه لا ثقة في زمن هش يغير من لونه كلما أُتيحت له الفرصة، لأنه ينسى بسرعة. فيبدو الأمر كما لو أنه يقع على عاتقنا إنقاذ الأشياء من سديم الماضي وفوضاه، الماضي عديم الفائدة. ومن واجبنا التذكر، لأنه من واجبنا “تحقيق العدالة، من خلال الذكرى، تجاه شخص آخر غيرنا”[11]. لذلك نحن دائما قلقون خوفا من أن نخون الذاكرة فتخوننا، كما نخاف من هيمنة ذاكرة زائفة. ونعتقد أن العالم سيصير جاهلا بنا، ما دمنا لا نملك الوثائق للرد على صك اتهامه. يرمي بنا العالم بسرعة في غياهب النسيان، وكأنه في سهوه عن المقبل ينثر عنه غبار الماضي ونحن معه. لكن مع ذلك كل بحث عن اعتراف ما يؤدي بشكل ما إلى إساءة استعمال الذاكرة. الذاكرة والتاريخ أزمة كل إنسان، لذلك كل الشخوص التي قابلها السارد تشهد على ذاكرة مشتركة لكن بتأويلات متنوعة، فتمسي الذاكرة، هنا، تأويلا لحدث، انطلاقا من ذات متذكرة، وليس تذكرا للحدث ذاته. “سمعت منهما، (أي من كريم وجلال) في هذه الجلسة، تأويلات شتى طالت التسمية والمعارك والولاءات، وتبين لي أن كل شيء غامض مثل غموض حكاية التاج أو أكثر”(ص. 124). وغموض التاريخ هنا هو غموض الذاكرة، وبالتالي غموض الهوية. نؤرخ “بالقفز المتلاحق” (ص. 132)، لأن الذاكرة مثقلة، مُفرِطة ومُفرِّطة. لهذا يعترف السارد بأنه غير قادر على منح وقائع دقيقة ومتزنة. يقول السارد ” كنت أحس بأنني مدفوع برغبة خفية في البحث عما وراء التاريخ، متسترا باختلاق فضول التعرف على حكاية واقعية، تبدو شبه خيالية، أمتعتني وعوضت عني التقزز الذي بدأت أشعر به، وأنا أقرأ بعض النصوص الروائية التي استسلمت لميوعة الشعر، حتى صارت مخنثة، تعوض غياب السؤال الفلسفي أو التاريخي بمجازات خرقاء تتجمع من كل صوب، مثل شعاب تتجمع في وهدة، فتسفر عن برك آسنة”(ص.104). لا حل، إذن، أمام غموض التاريخ سوى صنع تاريخ متخيل يعوض التاريخ الحقيقي، مع ضرورة أن يعوض، في الآن نفسه، الخيال الذي أفرط بدوره في الميوعة، أي إن الغاية هي إبداع تاريخ ضد لغة مصطنعة.
انتقلنا إذن من ذاكرة متزنة وصائبة إلى إبداع متنزن وأصيل (juste création). وكأن الثاني يعوض الأولى، حينما يعوض الخيال صعوبة ذاكرة دقيقة، خاصة حين يختلف الشعر عن التاريخ لدى السارد، ليماثل رأي أرسطو الماثل في كون التاريخ يخبرنا بما حدث، بينما يقدم لنا الشعر ما يمكن أن يحدث لأي واحد منا، وحتى عندما يجعل الشعر ما حدث بالفعل موضوعا له، فإنه يعرضه كما لو كان يحدث من جديد، وبذلك يصل الشعر إلى مستوى كوني، ليصير بذلك “أكثر فلسفية من التاريخ نفسه “((Poétique, 9, 1451 b 5-6.
لكن، لا ندري ما الذي يجبرنا على قول إن الأمر يتعلق هنا بذاكرة وحداد، وبذاكرة حداد، وبحداد لا يتوقف، سببه فقدان الأم. يقول السارد” كنت أنوي من خلال هذا الكتاب، الدعوة إلى مراجعة المواقف وتفسير التاريخ من خلال حقيقة الصنيع عوض مفعوله فقط، وذلك انصافا لأسلاف أمي، لكنني خفت من مسؤولية الكتابة التجريدية التي تتطلب الاستناد إلى الوثائق الدامغة، وليس إلى الحدس بها، ففضلت كتابة رواية” (ص. 176). إحساس بالحداد، بحداد ما يختفي ويظهر، متساوقا مع صورة الأم الحاضرة دوما في غيابها. وكل هذا تفضحه صورة المرأة العجوز في آخر الرواية. لهذا نستطيع أن نستعير عبارة رولان بارث، وهو يتحدث عن أمه، فنقول إن الروايةَ نَصٌّ فِي “تحمل الغياب”[12]، و”تحمل الغياب ليس شيئا آخر سوى النسيان… وذلك شرط للبقاء”، لأنه إن لم نَنْسَ قد نموت. و”العاشق الذي لا ينسى أحيانا سيموت بإفراط في التعب وتوتر في الذاكرة”. وفي العملية برمتها يحضر الغائب بِعَدِّهِ مرجعاً، أي بعده إحالة، ما يعني أنه حاضر بوصفه محاوَراٌ متخيلاٌ. وهذا التذكر لا يكون إلا في زمن لا ينتهي، يبدأ في الماضي ويستمر في الحاضر، ولكن في شكل حضور ناقص.
يجب، تبعا لذلك، تأمل الصورة التي ختمت الرواية، لأنها غاية في الأهمية، ويتعلق الأمر بالسيدة المسنة التي سيقابها السارد في طريقه إلى مأتم أغراب. كانت تائهة تنتظر من يحملها إلى فاس: ” لست أدري كم امتد سهوي حتى أنقذتني منه سيدة في عمر أمي… كان وجهها باعثا على الطمأنينة، وعصاها التي تتوكأ عليها شبيهة بعصا والدي رحمه الله” (ص184-185). وفي هذا اللقاء نسج السارد صورة مركبة من الأم والأب معا، “حكت لي السيدة كل تاريخها بلا تحفظ أو مبالاة، كانت تحكي بصدق كأنها تكتب تاريخها الحزين في لوحها الأخير. تذكرت عفويةَ جيلِ أمي، فحكيت لها، بدوري، تفاصيل حياتي بكل صدق” (ص.185)، وكأن السارد يحكي لأنه تفاصيل حياته بعدها، يخبرها بكل ما وقع له بعد غيابها.
تُسَائِلُ الرواية أمرا لمحت إليه كثيرا في الحديث عن تجربة أغراب المصاب بالخرف- والذي وحده من يعرف حقيقة التاج – إنه سؤال النسيان تحت وطأة الزمن، كأنه لا يعلم حقيقة التاريخ سوى أولئك الذين قد أثر عليهم الزمن والعمر. لقد صورت الرواية الشيخوخة وفق شكلين، فربطت نظاهرها برجل فقد مع الزمن كل ما يربطه بالحاضر (أغراب)، يهدي بأسرار لن يفقهها أحد، وفي تجربة المرأة العجوز التي ظهرت، في آخر الرواية، لتكي عن المعاناة والتيهان بين الأبناء. من خلالهما تبدو الشيخوخة بماهي أمراض، وبماهي لامبالاة ومعاناة… شيخوخة الذكورة وشيخوخة الأنوثة. وإذا كانت دوبوفوار(S.de Beauvoir) قد بررت تأليف كتابها عن الشيخوخة بغرض “كسر التآمر على الصمت في مجتمعات الاستهلاك التي لا تذنب فقط في حق شيوخها ولكن تجرم في حقهم”، فإن هذه الرواية يمكن أن يكون ذلك مشروعها الحقيقي. لنتخيل، إذن، أننا صرنا شيوخا ولنتأمل، ونحن نضع مصيرنا، لا طفولتنا أمامنا. ولنتذكر.
المراجع:
[1] Paul Ricœur, Le conflit des herméneutiques. Épistémologie des interprétations, dans Cahiers internationaux de symbolisme, no 1, 1963, p. 184.
[2] “إنّ الحبّ، وفق مفهوم الاستئناف (reprise) — الذي لا ينبغي الخلط بينه وبين التكرار — هو وحده الحبّ السعيد. أمّا الحبّ القائم على الاستذكار (ressouvenir)، أي ذلك الذي يُحيل الماضي إلى ماضٍ، فإنه يخلو من قلق الأمل ومن توتّر المغامرة والاكتشاف.
يُشبَّه الأمل بلباسٍ جديد؛ قد يبدو خشنًا، غير أنه منسجم مع الجسد، إلا أننا لم نختبر ارتداءه من قبل، ولذلك نظلّ نجهل ما سنصير إليه عند ارتدائه. في المقابل، يشبه الاستذكار لباسًا مقلوبًا؛ فمهما بدا جميلًا، فإنه لا يلائم الجسد، لأن هذا الأخير قد تغيّر ونما، فصار ذلك اللباس أضيق عليه.
أمّا الاستئناف، فليس لباسًا يُرتدى مرة واحدة، ولا يُفصَّل وفق قياسٍ سابق، بل هو لباس مرن يتكيّف مع الجسد، فلا يسبّب أيّ ضيق لمن يرتديه.
ويُصوَّر الأمل (الاستئناف) في هيئة فتاة شابّة جميلة تنفلت من بين الأصابع، بينما يُشبَّه الاستذكار بسيّدة ناضجة جميلة، لكنها لا تحضر في اللحظة التي تكون الحاجة إليها ماسّة.
وأخيرًا، فإن الاستئناف يشبه زوجةً محبّة لا يعتريها الملل؛ إذ إن الملل لا يتعلّق إلا بالجديد، أمّا القديم فلا يُملّ، بل يبعث على السعادة ما دام حاضرًا.’ انظر:
- Søren Kierkegaard, La reprise, Flammarion, 2008, P. 66
[3] Philippe Hamon, Qu’est-ce qu’une description ?, dans Poétique, n° 12, 1972, P.483
[4] A. Julien Greimas, Un problème de sémiotique narrative : les objets de valeur, dans Langages, 8ᵉ année, n°31, 1973, Sémiotiques textuelles, P. 13-35.
[5] Georgia Warnke (2007), After Identity, rethinking race, sex and gender, Cambridge university press, 2007, Cambridge, P.7
[6] Ibid.P.86 sq
[7] Ibid. P.169
[8] يشبه اسم السارد في رواية وادي اللبن، كمال، اسم الابن الأصغر للسيد عبد الجواد (في ثلاثية نجيب محفوظ الشهيرة)، وكأن كل شاهد لكي تكون شهادته تامة أن يكون كاملا. كل نقص في الاسم هو نقصان في الشخصية. لكن حتى وان كانت الاختلافات كثيرة بين الكمالين، بين كمال المصري الذي تاه بعد موت الأخ والأب والأم وتفرق الاخوة وتبدل الزمن، وتأثره الشديد بفقدان الأب، وكمال المغربي الذي ينكر بدوره تبدل الأزمنة والأمكنة وتأثره بفقدان الأم، لكنهما معا رغبا في أن يكونا كاتبين يواجهان بالخيال عالما لا يرحم بواقعيته المفرطة.
[9] Paul Ricœur, La mémoire, l’Histoire, l’Oubli, Seuil, Paris, 2000, P.1
[10] Ibid. P.3
[11] Ibid. P.106
[12] Roland Barthes, Fragments d’un discours amoureux, dans Œuvres complètes, vol. V, Paris, Le Seuil, 2002, (Absence)
ناقد من جامعة شعيب الدكالي كلية الآداب والعلوم الانسانية-الجديدة. المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي