الرئيسية / الأعداد / العتبات الشعرية: مقاربة سيميائية في علاقة العنوان بالنص في ديوان “عزف الرمال” – عبد المجيد بَطالي

العتبات الشعرية: مقاربة سيميائية في علاقة العنوان بالنص في ديوان “عزف الرمال” – عبد المجيد بَطالي

  العتبات الشعرية: مقاربة سيميائية في علاقة العنوان بالنص في ديوان “عزف الرمال”

عبدالمجيد بطالي*

 

مدخل لقراءة عتبة الديوان: (عزف الرمال).

في وقفة قرائية تأملية للمركب النحوي واللغوي لجملة (عزف الرمال)، يبادرك سؤال التلقي الباعث على التأويل والتفحص، والنظر بعمق في التكوين اللغوي للعتبة، والوقوف على كل كلمة بمفردها، ثم البحث في العلاقة بينهما تِبيانا للدلالة والمقصدية من عتبة الديوان.

لا شك أن كلمة: (عَزْف) مصدر من الفعل (عزف) تتمتع بثراء في المعنى حيث هذا التركيب الذي أكسب العتبة تأويلا “بوليسيميا” لاشتراك مصدر لفظة (عزف) في التعدد الدلالي (1) Polysemy)) أو ما يمكن تسميته (بالتدّال)… وهو ما يتضح من خلال الاتساع في حمولة المعاني لهذه المفردة.. وهنا يتساءل المتلقي عن نوع العزف هل هو ذاك الغناء الموسيقي الملحن، أم المقصود به صوت الرياح القوي المصحوب بعزف وصفير، أم يراد به الانصراف والعزوف والابتعاد عن الشيء.

تتعدد المعاني والتأويلات لكن الكلمة في السياق الكلي لبنية العتبة يجعل القارئ يتريث ليعيد النظر في المصاحبات اللغوية، وفي الأنساق الكلية وفي المركب النحوي للجملة، فيتبدى له أن “عزف” في علاقتها بالرمال علاقة مركب إضافي، فلفظ (الرّمالِ) يزيح اللثام عن كلمة (عزف) لينفي كل العلاقات الأخرى، ويبقي على علاقة العزف بالرمال، في تنوعها الدلالي، إذ تمثل العنونة في الخطاب الشعري إحالة دلالية سابقة على النص، حيث لا تكتفي بوسمه أو الإشارة إليه، بل تسهم في بناء آفاق التلقي وفتح أبواب التأويل للنص، بوصفه خطابا مختلفا، يثير في المتلقي تحريك وإيقاظ قنوات التواصل الجمالي المتعددة فيه، وفي هذا الصدد ينهض عنوان ديوان: “عزف الرمال” باعتباره بنية دلالية شعرية مكثفة ينتج عنها مفارقة بين ما هو فعل موسيقي يحيل إلى الصوت والإيقاع والإنصات متمثلا في كلمة (عزف)، وبين ما هو مادي طبيعي صامت متفلّت، يتمثل في صورة (الرمال)، “إنها عتبات حق لها أن تستأثر بالجمال في بلاغتها وبديعها وبيانها، تنشئ كونيتها وتخلق رؤاها” (2)، وهو ما يفتح أمام المتلقي أفقا تأويليا يتأسس على عملية الإصغاء لما هو مضمر في تجربة (حسين السياب) الشعرية، وفي إطار استحضار هذا الأفق الدلالي تأتي قصيدة: “قهوة تنتظر ابتسامتها”، بوصفها نصا شعريا مكثفا بالعلامات السيميائية التي تمنحه طاقة تأويلية منفتحة؛ إذ يلاحظ تحولا في مستوى النسق التركيبي من تفاصيل يومية بسيطة تتمثل في: (القهوة، المقهى، الحوار) إلى فضاء رمزي تتقاطع فيه (اللغة بالحنين وقسوة الانتظار)، ومن ثم تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة القصيدة من منظور سيميائي ينطلق من العتبة الكبرى للديوان عزف الرمال إلى العتبة الصغرى للقصيدة، بغية الكشف عن الكيفية التي تتناسل بها شبكة العلامات داخل النص، وكيف يتحول (العزف) بمعناه الشعري إلى شكل من أشكال الإنصات للذاكرة والمنفى والغياب، بحيث تغدو القصيدة مقطعا دلاليا من “العزف” الذي ينهض به الديوان في مجمله، يقول حسين السياب في قصيدة: “قهوة تنتظر ابتسامتها”.

“على صدري تنام كلَّ ليلةٍ كلماتها

أُحلّقُ معها في المقهى

الجميل..

مثلَ عصفورٍ يتعلمُ

النطقَ

في حوارٍ امتزجَ

كحرفِ جرٍ

ينتظرُ اسمه

بين كلماتها..

بعدَ حينٍ

أطرحُ الأسئلة؟

أُلملمُ صداها في وطنٍ

من منفى بعيدٍ..

أُشاهدُ حنيني

في ابتسامةِ نهرٍ

تُلسُ أمامه

وأنتظرُ..

أنتظرُ مثلَ

كلِّ ليلة..” (3)

يستبان من مقاربة هذه القصيدة سيميائيا بالنظر إليها ضمن سياق الخطاب الشعري العتباتي للديوان، أنها تشكل إحدى لبنات هذا الخطاب، وبالتالي لتبرز للمتلقي وجها من وجوه تجليات “العزف”، باعتبارها وحدة عضوية متّقدة ضمن أفق دلالي متناغم، داخل فضاء سيميائي ورمزي شاسع يؤسس له عنوان الديوان: (عزف الرمال).

سيمياء العتبة: “قهوة تنتظر ابتسامتها”

يتأسس عنوان هذه القصيدة على التشخيصية بوصفها أداة بلاغية، تسعى إلى إسقاط صفات بشرية على أشياء لا إحيائية، إذ يمنح الشاعر القهوة صفة إنسانية تحس بالانتظار، وإذا تأمل المتلقي في سيميائية النسق التركيبي لهذا العنوان، يجد أنه يرتكز على ثلاث علامات أساسية: (القهوة، الانتظار، الابتسامة).

“القهوة”: باعتبارها علامة سوسيوثقافية، تجمع بين تأثير التفاعل الاجتماعي والقيم، وتحيل إلى اللقاءات، والحوار، والألفة وتترجم سلوك الفرد الحضاري وتفكيره وتطوره، ثم “الانتظار”: بوصفه علامة تحيل على عامل الزمن في حالات الترقب المتعلّق بالأمل،

و“الابتسامة”: بوصفها علامة وجدانية، تشير إلى الحضور الإنساني، بهذا النسق التركيبي لعتبة القصيدة يتحول العنوان إلى فضاء ترقب: فالقهوة لا تكتمل إلا بابتسامة، وهو ما يستدعي وجود الآخر، ومن هنا تقومُ بنية القصيدة على ثنائية وجودية تتمثل في الغياب/ الحضور.

إن المتأمل في مسار الشعر العربي الحديث، يقف لا محالة على ما أولته السيميائيات اليوم، من اهتمام بالغ لتحليل الخطاب في أشكاله المتعدد، حيث “احتلت حقول المعارف الأدبية والنقدية كعلم يهدف إلى البحث عن دلائل العلامات وتأويلاتها في الكون كله” (4)، لذا يستشف من هذه المقاربة السيميائية أن القصيدة الموسومة: “قهوة تنتظر ابتسامتها”، تنخرط بعمق في أفق الدلالة الذي تفصح عنه عتبة ديوان: “عزف الرمال”، فكما يحوّل العنوان صمت الرمال إلى موسيقى محتملة، تحوّل القصيدة تفاصيل الحياة اليومية إلى أصوات داخلية تتمثل في الحنين والذاكرة، وهكذا تتمظهرُ التجربة الشعرية عند “حسين السياب” في فعل إنصات لما هو عابر ومندثر، ومن ثم يغدو الانتظار نفسه بؤرةً تجسِّد إيقاعًا من إيقاعات هذا العزف.

في نصه “طبول النشوة” يقول الشاعر حسين السياب:

“قالت: لستُ بمريم

لكني أهزُ جذعَ روحكَ

بأناملَ لهفتي

حتّى تُصْبِحَ أقربَ إليَّ

من أنفاسي!

وأضمّكَ غصناً.. غصناً..

قلت: اشتقتُ إلى عينيكِ

لأرى فيهما وسامتي!

اشتقت لرائحتكِ

لأعرفَ مدى حضور

عطري فيكِ

اشتقتُ لأنفاسكِ

لأسمعَ مقطوعتي المفضلة!

اشتقتُ إلى لمساتكِ

ليصعقني ذاك التيارُ القادم

منكِ..

اشتقت لقبلةٍ من شفتيكِ

ليدقَ قلبي طبول النشوة

هكذا اشتقتُ إليكِ

مجنونتي..” (5)

تندرج قصيدة: “طبول النشوة” ضمن النسق الدلالي العام الذي تؤسس له عتبة الديوان: “عزف الرمال”، عبر نسق دلالي مختلف يمتطي صهوة الإيقاع الجسدي والوجداني، حيث يرتكز فيه الخطاب الشعري على تحويل التجربة الوجدانية إلى بنية صوتية، تتجسد عبر صور العزف والإيقاع، وتبيان كيف أقامت العتبة الكبرى للديوان بنية المفارقة بين العزف بوصفه فعلًا صوتيًا، والرمال بوصفها مادة صامتة ومتفلتة، لذلك فإن عتبة القصيدة: “طبول النشوة”، تعيد إنتاج هذا الأفق السيميائي من خلال نقل التجربة العاطفية من مستوى الشعور الداخلي إلى مستوى الإيقاع الجسدي.

سيمياء العنوان: “طبول النشوة”.

بنى الشاعر عتبة قصيدته على المركب الإضافي باعتباره جملة اسمية مكونة من مضاف ومضاف إليه، لتخصيص المضاف (طبول)، وإزالة الغموض عليه أو تعريفه، غير أن المضاف إليه (النشوة) يغير مجرى التلقي إلى تأويلات سيميائية ودلالية تخرج بالتركيب اللغوي من سياقه المباشر إلى ما وراء اللغة، حيث تتكثف الدلالة وتتغير وظيفة التعبير لإنشاء عالم رمزي تبدأ عنده شعرية القصيدة وأدبيتها، إذ تعتبر “اللغة جزءا من العلامات الدالة… ولها فضل على الدلالة السيميولوجية” (6)، ولتجمع العتبة بين علامتين أساسيتين متباينتين: (طبول) التي توحي بالإيقاع؛ والصوت النفّاذ؛ والاحتفالية؛ والجسد/ الطبل؛ كما تحيل (النشوة) إلى حالة من الابتهاج العاطفي والانشراح النفسي، والذروة الشعورية.

ويتحوّل تركيب بنية العتبة (طبول النشوة) إلى سِمة مركبة، تشير إلى تفجّر إحساس الشاعر في شكلِ إيقاع، فالطبول هنا تعبر عن النشوة وكأنها تتجسد صوتيا، ليصبح العنوان بذلك تمهيدًا لدخول القارئ في فضاء وجداني ترتقي فيه المشاعر إلى نبض مسموع.

ويلاحظ المتلقي كيف تتأسس القصيدة على حوار شعري بين صوتين (قالت.. قلت)، وهو ما يمنح النص طابعًا دراميًا، يشكّل نظامًا من العلامات التي تعكس التفاعل العاطفي بين الذات والآخر.

“قالت: لستُ بمريم

لكني أهزُ جذعَ روحكَ” (7).

في هذه الشذرة الشعرية من القصيدة، يحضر التناص الديني بوصفه علامة ثقافية يستدعي الشاعر من خلاله “قصة مريم” عليها السلام في هزّ جذع النخلة، في قوله تعالي: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ (8) غير أن الشاعر يحوّل الدلالة من مجال المعجزة إلى مجال العاطفة، ليتحول “جذع النخلة” إلى جذع روحي، مما يدل على أن الفعل العاطفي يهزّ أعماق الذات، كما تهتز النخلة لتمنح ثمرها.

ويظهر في القصيدة آلية التكرار المتمثلة في فعل: (اشتقت) عدة مرات، ما يولد نغما موسيقيا يترجم إحساسا انفعاليا متصاعدا، في قول الشاعر: “قلت: اشتقتُ إلى عينيكِ/ اشتقت لرائحتكِ/ اشتقتُ لأنفاسكِ/ اشتقتُ إلى لمساتكِ/ اشتقت لقبلةٍ من شفتيكِ/ هكذا اشتقتُ إليكِ مجنونتي..” تكرارٌ يَسِمُ القصيدةَ بإيقاع شعوري ممتد ومتصاعد، هندسة تعبيرية رفيعة، كل اشتياق يقود إلى اشتياق آخر، إلى أن يبلغ الذروة في الصورة الختامية التي تعكسها المقطوعة التالية: إذ يترجم التكرار الذي استخدمه الشاعر في بناء قصيدته دلالة إلحاح قوي للجانب النفسي والعاطفي بوصفه “جزءا من الهندسة العاطفية للعبارة” (9) يقول الشاعر حسين السياب:

“اشتقت لقبلةٍ من شفتيكِ/ ليدقَ قلبي طبول النشوة/ هكذا اشتقتُ إليكِ/ مجنونتي..” (10)،

وتتحقق دلالة العتبة داخل النص؛ حيث يصبح القلب نفسه طبلاً، والجسد آلة موسيقية تعزف إيقاع الوجدان والعاطفة، وبذلك تتجلى مهابة القصيدة بوصفها مقطوعة متناسقة من عزف الديوان، ضمن شبكة من التقابلات الدلالية (العزف) مقابل (نبضان القلب..) (الرمال) مقابل (هشاشة العاطفة ورقتها)، وهو ما يدل على أن قصيدة “طبول النشوة” تشكّل معزوفة متكاملة لا تنفصم عن السياق الدلالي للديوان الذي يقوم على تحويل التجربة الإنسانية للحب والحنين إلى أشكال من العزف الشعري.

خاتمة:

تكشف هذه المقاربة السيميائية للعتبة الشعرية في قصيدتيْ: “قهوة تنتظر ابتسامتها” و”طبول النشوة” أن عتبة الديوان: “عزف الرمال”، تقوم بدور بنيوي في توجيه أفق القراءة وبناء شبكة العلامات التي تتوزع داخل القصائد، فقد تبيّن أن مفردة “العزف” في العنوان تؤسس حقلًا دلاليًا قائمًا على الصوت والإيقاع والإنصات، في حين تحيل مفردة “الرمال” إلى الهشاشة والتشتت والتحوّل، وهو ما يمنح تجربة “حسين السياب” الشعرية طابعها القائم على التقاط اللحظات العابرة وتحويلها إلى عزف شعري.

وفي ضوء البناء الكلي للديوان، تقع قصيدة: “قهوة تنتظر ابتسامتها” بوصفها مثالا لعزف هادئ يتشكل عبر علامات: (الانتظار والحنين والحوار)، حيث يتحول المقهى إلى فضاء إنصاتي، تتقاطع فيه (اللغة والذاكرة والمنفى)، كما يتبين في هذه الأسطر: “أُلملمُ صداها في وطنٍ/ من منفى بعيدٍ/ أُشاهدُ حنيني/ في ابتسامةِ نهرٍ..).

أما قصيدة: “طبول النشوة”، فقد مثلت الوجه الآخر لهذا العزف، إذ تنتقل التجربة الشعرية من الإنصات التأملي إلى الإيقاع الجسدي المتصاعد، ويتحول الاشتياق إلى نبضٍ يقرع “طبول النشوة” في قلب ذات الشاعر/ العاشقة، وبهذا المعنى تتكامل القصيدتان في تشكيل تنويعين دلاليين داخل البنية الشعرية للديوان: تنويع يقوم على الهدوء والتأمل، وآخر يقوم على التوتر والانفعال.

بناء عليه تكشف هذه المقاربة على أن العلاقة بين (العنوان والنص) في الديوان هي علاقة تناسل دلالي، تتفرع فيها القصائد عن العتبة الكبرى: (عزف الرمال)، وكأنها مقاطع متعددة من “العزف” الشعري، ومن ثم يغدو العنوان بؤرة للتأويل، تتآلف حوله العلامات النصية، مما يؤكد أن سيمياء العتبات تمثل مدخلًا نقديا مهما جدا لفهم البنية العميقة للخطاب الشعري في تجربة “حسين السياب”، والكشف عن آليات اشتغاله الرمزي داخل التجربة الشعرية المعاصرة بشكل عام.

هوامش:

[1] – الدكتور روحي البعلبكي، “المورد” قاموس عربي – إنكليزي، دار العلم للملايين، بيروت – لبنان، ط:7 يناير 1995، ص: 336.

2 – عبد المجيد بطالي، “النص المشتعل وتوهج المعنى”، تقديم، د. مصطفى شميعة، مطبعة وراقة بلال – فاس، الطبعة الأولى 2023، ص73.

3 – حسين السياب، ديوان “عزف الرمال”، منشورات اتحاد الأدباء – بغداد، الطبعة الأولى 2022، ص 29.

4 – فيصل الأحمر، معجم السيميائيات، الدار العربية للعلوم ناشرون، منشورات الاختلاف، مطابع الدار العربية – بيروت، الطبعة الأولى 2010، ص7.

5 – حسين السياب، ديوان “عزف الرمال”، منشورات اتحاد الأدباء – بغداد، الطبعة الأولى 2022، ص 69، 70.

6 – صلاح فضل، نظرية البنائية في النقد الأدبي، منشورات دار الآفاق الجديدة – بيروت، الطبعة الثالثة، 1985، ص466.

7 – ديوان “عزف الرمال”، ص69.

8 – سورة مريم، الآية 25

9 – بدوي طبانة، “التيارات المعاصرة في النقد الأدبي، مطبعة لجنة البيان العربي – القاهرة، مصر، الطبعة الأولى 1963. ص246.

10 – ديوان “عزف الرمال”، ص70.

 ناقد من المغرب

 

عن madarate

شاهد أيضاً

القلق الوجودي في شعر ياسين بُعبسلام – بدر متشو

بدر متشو*   تقديم: يسعى هذا المقال إلى بيان ثيمة القلق الوجودي في شعر الشاعر …

اترك تعليقاً