تمروت.. أم القيم التي صنعت من التويزا جسرا ومن الجبل مدرسة

عمر أيت سعيد*
لَوْلَا الجِبَالُ العُوذُ بِالمَطَرِ الحَبَا
مَا اسْتَبْشَرَتْ وِدْيَانُهَا بِالمَنْهَلِ
هل يعقل أن تتنكر المدينةُ لفضلِ القريةِ عليها؟ هل من الطبيعي أن تنسى السهولُ والوديانُ الجبالَ والعيونَ التي تمدها بمائها دون حسابٍ ولا منّة؟ كلنا أبناءُ الجبل.. هكذا أصيحُ بكل قواي فوق هضاب وتلال قرية “تمروت” الواقعة بالجماعة الترابية لأورير، في عناقيد أكادير الذهبية.

جنة وسط الجبال: شهادة مدرّس
في لحظة عابرة من الزمن، وعبر المسار التدريسي، شاءت الأقدار أن أشتغل مدرساً في قرية تمروت. قرية ليست ككل القرى، حباها الله بجمال الطبيعة ورونقها، فحللت بين أحضانها سنتين كاملتين من العطاء والاجتهاد. كم هم طيبون أناسها رجالاً ونساءً، وكم هم رائعون أطفالها! إنها قرية انتصرت بقناعة أبنائها للقيم الإنسانية والعالمية والدينية، وقيم “تمزغا” الأصيلة.
تويزا: روح الجماعة التي تصنع المستحيل
استطاعت ساكنة القرية، بفضل تعاونهم وتأزرهم، أن يؤهلوا ذاتهم. فلم ينتظروا الغيث من السماء فقط، بل صنعوه بأيديهم. هنا، تحول المسجد إلى مدرسة راقية للقرآن الكريم، يؤمها الأطفال قبيل شروق الشمس لينهلوا من معين الذكر والحكمة، ثم ينطلقون إلى المدرسة وقلوبهم عامرة بالنور.
ولم تقف الجهود عند هذا الحد، بل استثمروا قيم “تويزا” (التعاون والتضامن) فأضافوا وبنوا مساحات شاسعة للزراعة، حوّلوا فيها الصخر إلى خضرة، والعطش إلى نماء.

عمر العواد: صديق ليس ككل الأصدقاء
ولقاءاتنا المباركة مع صديقنا هناك، عمر العواد، كانت محطات من نور. إنه صديق ليس ككل الأصدقاء، له باع طويل من التجارب، محب لروح الجماعة، ومبدع في قيادة الشباب. مؤسس بمعية أعضاء آخرين لجمعية “تمروت للتنمية والتعاون”، وهي جمعية تنبثق قراراتها من روح “الجماعة” الأمازيغية العريقة، وقد حققت الكثير من الأهداف والإنجازات.
عمر العواد.. رجل صوفي عميق في تأملاته، يحاول إنقاذ قريته تمروت من جبروت الفكر الإمبريالي المتوحش الذي يريد طمس الخصوصيات. إنه ينتصر دائماً للبساطة، وروح التعاون، والتضامن، والعمق الإنساني. فهنيئاً لنا بكم أيها الرمز، وهنيئاً لنا بقرية تمروت الطيبة التي تعلمنا فيها ومنها الكثير.
تثليث التنوير: المسجد، المدرسة، الجمعية
هؤلاء السكان المحبون، حافظوا على البيئة وأحبوا شجر الأركان حباً جماً، وحولوا “الجماعة” التقليدية إلى جمعية تسهر على تنظيم وتدبير شؤون القرية. استطاعوا بفضل تعاونهم أن يساهموا في بناء ثلاث مؤسسات تنويرية: المسجد، المدرسة، الجمعية. مؤسسات تلتقي في هدف واحد: بناء الإنسان وتحرير عقله من وطأة الحجر.
أتذكر يوماً جميلاً حين قررت الجمعية القيام بحملة نظافة. فنزل الآباء يتبعهم الأبناء والشباب، ينظفون الممرات والحقول. وعلى قدم الهضبة، صعد الإمام الشاب المتنور، مخاطباً الناس: “النظافة من الإيمان”. وبعد الزوال، جعلت أنا في القسم النظافة موضوعاً للإنشاء. هكذا تلتقي المؤسسات في موضوع واحد واعد وهادف.
مقاومة الإسمنت والعولمة: درع الأركان
يفعل سكان تمروت ما بوسعهم لينقذوا هذه القرية من الزحف الإسمنتي الذي غطى القرى المجاورة. إنهم يحاولون إحياء الطقوس القديمة، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، في زمن تحاول فيه العولمة ابتلاع كل شيء بسلعها الرخيصة وصراخها الفارغ. كل هذا وجد في سكان تمروت مناعة وحاجزاً طبيعياً. إنهم يجعلون من شجرة الأركان مدرسةً تعلّم الصبر والتحمل والصدق، لم تكن يوماً ناكرة لجميل السماء، فهي دائمة العطاء دون حساب.
الخاتمة: أم القرى الإيكولوجيا
إننا نريد تمروت لؤلؤة ونافذة ومرآة تربطنا بماضينا، لا قرية تركب موجة الحضارة المزيفة المهتمة بالشكل دون المضمون. دام لكم حب قريتكم التي نعتبرها قريتنا، وهي بالنسبة لنا “أم القرى الإيكولوجيا”، متنفساً طبيعياً للمؤمنين بالقضية البيئية. يدا في يد، إذن، نريد سياسة عمومية تنصف الجبل بكل تفاصيله، لكي تقوي القريةُ المدينةَ، وتقوي المدينةُ القريةَ.
باحث في الأمازيغية
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي