أخبار عاجلة
الرئيسية / الأعداد / ظلال الماضي ومرآة الذاكرة السردية قراءة في المجموعة القصصية “البيت القديم” للقاص والروائي المغربي كريم بلاد – حسن الطيبي

ظلال الماضي ومرآة الذاكرة السردية قراءة في المجموعة القصصية “البيت القديم” للقاص والروائي المغربي كريم بلاد – حسن الطيبي

ملف خاص: الروائي والقاص كريم بلاد

الظلال الماضي ومرآة الذاكرة السردية قراءة في المجموعة القصصية “البيت القديم” للقاص والروائي المغربي كريم بلاد حسن الطيبي

 حسن الطيبي[1]

إن الكتابة لا تحقق وجودها إلا عندما تصبح تلك المرآة التي تندسُّ في تضاعيف النفس، ملتقطةً ذبذباتها الكامنة في دهاليز الروح، وتتحول بذلك إلى مسكن تخترقه ألف نافذة، حسب تعبير “هنري جيمس”.

وفي هذه القراءة النقدية للمجموعة القصصية “البيت القديم” لكاتبها كريم بلاد، سأحاول الوقوف عند دلالة الفضاء المكاني، وأضع يدي على رمزيته، وحضور الذاكرة السردية في ثنايا هذه النصوص القصصية.

لقد تمكن الكاتب من خلال منجزه الإبداعي “البيت القديم” من حفر نوافذ كثيرة، ومتاهات دلالية ورمزية على امتداد النص.

إننا إزاء عمل قصصي يرتكز على التلغيم، ووضع شفرات أمام القارئ الذي يصبح مرغمًا على تفكيك نصوصه، وإعادة تركيبها، ورصد الأفق المنتظر والقابع بين سطوره.

لذلك فإن تتبع الجانب الدلالي لهذا العمل القصصي هو بمثابة نهر ماء تعرف منبعه ومجراه، لكنك لا تعرف مصبه؛ كونه يضعنا أمام مفارقة دلالية متعددة، تجعل القارئ يطرح أسئلة تسير في منحى تحديد علاقة الشخصيات بالمكان: وهل للمكان ذاكرة تشبه ذاكرتنا نحن البشر؟ هل تبقى في أركانه بقايا ضحكات من مروا به؟ كلماتهم؟ نظراتهم؟ خطواتهم العابرة؟

يتحدث السارد في هذه المجموعة عن البيت لا بوصفه جدرانًا وأثاثًا متهالكًا كما هو معتاد في تمثلنا، بل يعني ذلك الفضاء أو تلك الذاكرة المشحونة بالمعنى: الأمان، الطفولة، الفقد، الحنين، الموت، الزمن… .

يقول الكاتب ميلان كونديرا في سياق هذا الموضوع ” نحن نعيش نصف حياة فقط ، أما نصف الآخر فذاكرة ” هكذا ينسب للذاكرة نصف عيشنا ، فالذاكرة السردية في البيت القديم وجود وصيرورة، وامتداد الماضي في الحاضر، ومصدر تخييل وتجربة يتعالق فيها الفردي بالجماعي، والعلة بالمعلول والماضي الذي يشغل الذاكرة، ويشتبك معها.

ربما لا يتحدث المكان “البيت القديم” إلينا على لسان السارد، بلغة مفهومة، لكنه يرد إلينا صورًا من الماضي حين نعود إليه بعد زمن، فتتدخل الذاكرة السردية لتحرك همس الجدران، وقصصًا كثيرة لم ترو بعد، وهكذا يبدو أن للمكان ذاكرة، ذاكرة صامتة تتنفس من خلالنا نحن الذين نتذكر. يقول السارد: “لم يكن بالبيت القديم شيء يستحق الاهتمام، كانت فيه أرواح بلا قيمة، وأجساد دعها الأفق إليه فاستجابت هاربة منه…”.

ويحضرني في هذا السياق قول باشلار: “البيت ليس في العالم، إنما العالم في البيت” ويعني بذلك “الكون المصغر”، سقفه السماء، وقبوه الأرض، ونوافذه عيون على الوجود. لذلك يمثل هذا العمل السردي المتفرد الركن الذي قاوم به السارد عبث الكون.

إن نصوص المجموعة: “معاطيف”، “خبز البيت”، “خيال مني”، “الكاتب وحرس الحدود”، “يد الله”… بإشراقاتها، تثير الهوية في غياهب الفقد والخسارة، والانكسار والشوق، وتأخذنا في رحلة بين سطورها المرهفة، حيث يلتقي الماضي بالحاضر، والكائن بالممكن، والقديم بالجديد، في سرد معبر يجسد تلك اللحظات التي تعيد تشكيل ملامح الوقائع في مرآة الحقيقة. مرآة تعكس ولا تنكسر رغم حجم الألم الذي تنقله.

يقول الكاتب على لسان السارد في قصة “خيال مني”: “لم أكن أبصر به شيئًا… كنت أعمى، أتمسح بالأعتاب باحثا عني، ولا أجدني مطلقًا، وأقيس الزمن بأنفاسي؛ إذا تباطأت شعرت بالاختناق، وإذا تسارعت أحسست بالنشوة. كنت على غير عادة الأحياء…”

ليأتي نص “نكاية بالبيت القديم” كتعبير عن الانسلاخ من الماضي باستثناء ذكريات البيت القديم، التي لا تنفك تحضر لتجعل من الحاضر موطن لها .

يقول السارد مرة أخرى – وهو نفسه في النصوص السابقة -: “نعم، لقد دخلت أخيرًا. تخلصت مني، وتلبستني رجلًا من جديد في كل شيء، عدا ذكرياته عن البيت القديم ومن فيه”.

وهذا التجلي يوضح بشكل ملموس سطوة الماضي بكل تفاصيله على الذاكرة السردية، بما فيها من أصوات وشخصيات قابعة في عتمات النسيان.

لذلك تمثل النواة المركزية لهذه المجموعة القصصية، حيث خصها الكاتب باهتمام بالغ على لسان السارد الذي انتقل من نص إلى آخر، وتعاقب على نصوص المجموعة كتعاقب الفصول على السنة.

الحديث هنا عن شخصية “كمال” الذي يستشرف مستقبله في شخصية أخرى تُدعى “سهام”، تلك المرأة التي اعتبرها بوصلة من أجل الانعتاق من مخالب الماضي، سهام متنقلة عبر المكان والزمن، لتصبح بدورها رمزًا للذاكرة. السارد الذي يسعى للتخلص من كل براثن الماضي الذي يحبه ولا يحبه، يعجبه ولا يعجبه، من ماضٍ يكبل بوحه، إلا أن الذاكرة تأبى ذلك، بفعل الموضوعات والأحداث، التي تنهمر عليه دون استئذان كما هو الأمر في قصة “الكاتب وحرس الحدود”.

ختاما “البيت القديم” ليس نصا عن المكان بمفهومه المادي، بل عن الإنسان حين يصبح هو المكان. يكشف لنا كريم بلاد أن الذاكرة السردية مرآة لا تنكسر، حتى لو تهشم زجاج البيت. فكل خروج منه هو دخول أعمق إليه، وكل محاولة للنسيان هي كتابة جديدة له.

فإذا كان باشلار يرى أن “العالم في البيت”، فإن الكاتب كريم بلاد يضيف: والبيت فينا، يسكننا حتى حين نهجره، ويتكلم فينا حين نظن أننا قد خرجنا من سطوته.

[1] ناقد من المغرب

 

عن madarate

شاهد أيضاً

القلق الوجودي في شعر ياسين بُعبسلام – بدر متشو

بدر متشو*   تقديم: يسعى هذا المقال إلى بيان ثيمة القلق الوجودي في شعر الشاعر …

اترك تعليقاً