سيدي عبد القادر العلمي (ترجمة مختصرة)

محمد بشار*
سيدي عبد القادر أو سيدي قدور العلمي (سيدي قدور، فيما يلي)، إنه عبد القادر بن أحمد بن القاسم الادريسي العلمي الحمداني المتصوف الورع مؤسس الزاوية العلمية بمكناس، وأحد أبرز شعراء وشيوخ الملحون بالمغرب عبر التاريخ وأشهرهم على الإطلاق. فالمؤلفات التي تعرضت لحياته وأشعاره، أو وردت فيها إشارات عنهما تعد بالعشرات. أما ما ينتج عنه من برامج سمعية وبصرية، فحدث ولا حرج . يقول عنه الأستاذ عباس الجيراري ، إنه فيلسوف شعراء الملحون إن لم يكن فيلسوف شعراء المغرب كافة.

رأى علمنا النور بمكناس سنة 1742م في أواسط أزمة الثلاثين سنة التي تلت وفاة المولى إسماعيل (1727م-1757م)، والتي تطرقنا لها باختصار شديد في ترجمة السفير ابن عثمان المكناسي.
عندما تولى السلطان سيدي محمد بن عبد الله العرش سنة 1757م، كان عمر سيدي قدور حوالي 15 سنة. وفاته كانت بمسقط رأسه سنة 1850م. بذلك يكون قد عمر حوالي 108 سنة بالتقويم الميلادي (حوالي 112 سنة هجرية)، وعاصر 4 سلاطين علويين: سيدي محمد بن عبد الله، مولاي اليزيد، مولاي سليمان ومولاي عبد الرحمان الذي كانت تربطه به علاقة وثيقة. فقد كان هذا السلطان يجله ويتبرك به ويستشيره في بعض من أموره، ويقوم بزيارته كلما حل بالحاضرة الإسماعيلية. ورغم الحظوة التي كانت له لدى القصر السلطاني فقد ظل، كما يروى عنه، متقشفا في معيشته وممتنعا عن الشهوات وعن الانغماس فيها.
عند عموم أهل مكناس، وربما غيرهم، ينظر إلى سيدي قدور على أنه، قبل كل شيء، ولي من أولياء الله الصالحين. فمنزلته الصوفية المتميزة هذه تغطي لدى العموم على صفته كشاعر. لدى فهو يحظى بالاحترام والتقدير الكبيرين ويقصد الناس ضريحه، الكائن بالمدينة القديمة بمكناس بحومة بوطيب بالزنقة التي تحمل اسمه، وهي زنقة سيدي عبد القادر العلمي، من أجل الزيارة والتبرك.
من المعلوم أن شعراء الملحون من العصر الموحدي إلى يومنا هذا، ينتمون إلى شرائح اجتماعية مختلفة طبقيا ومتفاوتة مهنيا ومعرفيا: تجار، حرفيون، مسؤولون عموميون، أشخاص عاديون، سلاطين، أمراء، مثقفون، أميون … سيدي قدور، الذي تميز بشهرته الصوفية، ينتمي إلى فئة الحرفيين، التي شكلت جزءا مهما من هؤلاء الشعراء، بصفته كان يمارس صنعة الحياكة، وهو نفسه يذكرنا بذلك عندما يقول في قصيدة ” الدار ” التي سنتعرض إليها أدناه : “والصباح نصبح في باب الدراز جالــــس”.
سيدي قدور لم يكن يكتب ولا يقرأ، حسب كل ما علمناه. بالنسبة لتدوين أشعاره كان يتكلف بها بعض تلاميذه (محمد غريط، الحاج قاسم بن المير، الحاج أحمد الدقيوق …). ومن التلاميذ الذين أخذوا عنه، إضافة لهؤلاء، نذكر: السلطان مولاي عبد الرحمان، فضول بنعزوز، فضول السوسي، عبد الحفيظ الدباغ، سيدي العربي بن السايح، الشيخ العربي المكناسي، عبد السلام بن الطيب الوانطي .
أما المشايخ الذين أخذ عنهم، فنذكر من بينهم: الحاج المختار البقالي، سيدي علي بن عبد الرحمان، مولاي الطيب الوازاني، سيدي محمد بن أحمد الصقلي.
بالنسبة لعلاقته مع الفقيه العميري (محمد بن أبي القاسم بن سعيد العميري )، وهو أحد جهابدة شعر الملحون عبر العصور، ذهب محمد الفاسي إلى القول بأنه كان أحد مشايخ سيدي قدور. في حين أن الباحث المكناسي عبد المجيد العيباري (1) ينفي ذلك جملة وتفصيلا. بالنسبة إليه لم يكن بين الشاعرين أي ارتباط، لا إنساني ولا إبداعي، قبل سفر سيدي قدور إلى مراكش. علاقتهما الإنسانية بدأت، وهما كهلين، أي بعد الاستقرار النهائي للفقيه (الذي كان كثير الترحال) بمكناس، وعودة سيدي قدور إليها، واستمرت تلك العلاقة حتى وفاة الفقيه 8 سنوات قبل وفاة سيدي قدور. ويبدو أن رواية العيباري، حسب المعطيات التي استقيناها من موقعه على فايسبوك، قد تكون أقرب إلى الحقيقة. فالفقيه الذي توفي عام 1842م عن عمر يناهز مائة سنة، يكون قد رأى النور حوالي عام 1742م، الذي هو نفس تاريخ ميلاد سيدي قدور، أي، وهما أحياء، كان لهما نفس العمر. بالتالي من الصعب، إضافة لما سبق، أن يكون أحدهما شيخا للآخر. نشير بأن الفقيه العمري عمل عدلا لفترة من الزمن بمدينة صفرو.
حسب محمد الفاسي، سيدي قدور الذائع الصيت، كان شاعرا متشائما وجل قصائده تنم عن نظرة سلبية للعالم وللإنسان. بينما يرى عباس الجيراري بأن نظرة سيدي قدور للحياة والإنسان لم تكن متشائمة أو سلبية بقدر ما كانت واقعية ذات هدف نبيل، كالوعظ. فقد كان مثلا يحث على الإلتزام بالسلوك القويم والتمسك بالأخلاق الفاضلة، وتجنب الصفات القبيحة من حسد وتكبر وطمع …
في ذات الوقت لم يكن يتردد في الانتقاد الصريح، بالأسلوب الذي يراه مناسبا، للظواهر المجتمعية السلبية التي كان يعاينها (انعدام الصدق في العلاقات، التحايل، التملق للأغنياء، ازدراء المحرومين، انعدام الإحسان …) والتي كان يراها متفشية في عصره. باختصار سيدي قدور كان صادقا في كل ما يتفوه به عن نفسه أو عن الآخرين.
الكثير من شعراء الملحون ألفوا العديد من القصائد في المواضيع ذات الحمولة الروحية والصوفية، من نظير الاستغاثة بالنبي (صلى لله عليه وسلم)، التضرع للأولياء، مدح الرسول والصلاة عليه أو مناجاة الله سبحانه وتعالى والدعاء إليه لغرض ما (شفاء من سقم، فك ضيقة، استغفار وتوبة، نصر على الكفار…). سيدي قدور بدوره لم يحد عن هذه التوجه. فقد أبدع مجموعة من الأشعار في هذا المضمار، نذكر منها “الشافي”، “غيتنا يا خير هادي”، “الاستغاتة” و “التوسل” التي نقتطف منها هذه الأبيات:
يا الواجد بالصرخا عن ضيقت الحال//جل مولانا عن شبه المثال عالـــي
غيثني يتفجى كربي نلوح لهـــوال//خاطري يتهنا قلبي يعود سالـــي
لين يركن من بارتلوا جميع لحيــال//عاد منزل ديوانو بلكدار مالـــي
ادخيلك يا سيدي بالأنبياء والارسال//ادخيلك يا سيدي بجاه كل والــي
ادخيلك بالسدات الصالحين لفضـال//ولقطاب ولجراس وساير البدالـــي
يا من بلاني عافيني رحمتك أنال //خف تقلي نتسرح يرتخى عgالي …
…
وقصيدة “سيدي بوزكري”، التي يقول في مقاطع منها:
يا بحر ألا يقاس//للرشفة ماك أحلى لي
شوف لحالي فوجه النبي وكرمني لله//وافديني من أسري
—
أيا ضامن مكناس//جيتك شاكي بعلالي
داويني نبرا بصرختك ياولي الله//ياسيدي بوزكري
—
طهرني من الأنداس//ونقذني من الحوالي
ولهمني لطريق النجا من حلمه ورضاه//واجب لله شكري
ما نقطعشي الاياس//دابا قصدي يوفا لي
ويضفرني خالق الأشيا بما نترجاه//وييسر لي عسري
…
من قصائد سيدي قدور التي حضيت بشهرة واسعة، قصيدة “الدار” أو “المكناسية” لارتباطها، كما يحكى، بواقعة الاستيلاء على داره عن طريق الخيانة. وكانت هذه القصيدة، التي نقتطف منها بعض الأبيات من “ديوان سيدي عبد القادر العلمي”، صرخة قوية في وجه ناس محيطه من المحتالين والغشاشين الذين خدعوه وتخلوا عنه عند الحاجة وتحولوا إلى متشفين ومستهزئين به. يروى بأن سيدي قدور استرجع داره فيما بعد وفيها دفن:
كيف ما ينكد قلبي من شفاية الناس //كيف ما نحزن يـا بعدي على المراسم
…
واش ما عار عليكم يا رجال مكناس//صارخوني براضكم يا اهل الكرايم
(في رواية أخرى للقصيدة)
واش ما عار عليكم يا ناس مكناس//مشات داري فحماكم يا هل الكرايم
…
الاحباب اللي كنت نعتاد اللي يحشموا//ويلا ننحاز ليهم يستروا عاري
عادو يخطيو من ورايا ويشتمو//بكلام اقسح من المبازق ويباري
…
كيف ننسى تلطامي في دروب مكنـاس//غربتي و مباتــــي فــي دكـاكن المدارس
اعياوا بيا الحوانت في اسواق الأبخاس//والفنادق وبيوت وساير المجالـس
اعييت في الليل انبات على الخبال عساس//والصباح نصبح في باب الدراز جالــــس
…
والله لا ضرني ولا عذب قلبي // غير شفاية الاعداء اللي نعتاد احباب
وأما انا فين ما مشيت ليا ربي // حاضر ناظر صرخته لي تصاب
بدل نعم الكريم بالراحة تعبي // وجعل لي الخير قصدي ليسا خاب
ما حد الحاسدين تتمنى كربي// والله يزيدني الأجر والتواب
…
خلافا لما هو متداول بشأن قضية دار سيدي قدور والخيانة التي تعرض لها من طرف المقربين، يعتبر الباحث عبد المجيد العيباري بأن هذه الرواية مجرد خرافة ولا علاقة لها بالواقع، ويورد في هذا الصدد مبررات يراها تؤيد موقفه:
-سيدي قدور كان صديقا للسلطان ومقربا منه، لذلك يبدو من شبه المستحيل أن يتجرأ أحد على المساس به، فبالأحرى النصب عليه.
-من أجل التحقق من صدقية الحادثة، قام مهتمان بالترات ، عبد الله الشليح من مراكش والأمين بيبي الشريف العلوي من مكناس، بعمليات تقصي. ومن بين ما قاما به في هذا الإطار فحص للسجلات العقارية لمرحلة سيدي قدور بمكناس فلم يعثرا على أية صفقة تخص أيا من منازل سيدي قدور الثلاثة التي امتلكهما عن طريق الإرث (الأول بدرب سيدي بوطيب، الثاني بسدراسة والثالث بدرب بلعلام)، والتي دخلت إلى الأحباس بعد وفاته. ما يعني أن سيدي قدور لم تكن لديه دار واحدة فقط.
على ذكر القصائد، نشير بأن “ديوان الشيخ عبد القادر العلمي” المذكور، يضم 70 قصيدة. وهي التي اعتمدتها “لجنة موسوعة الملحون” التابعة لأكاديمية المملكة المغربية. يورد عباس الجيراري بهذا الشأن بأنه تم التأكد من أن 55 قصيدة هي لعلمنا، رغم أن سيدي قدور لم يذكر إسمه إلا في 4 منها. فقد جرت العادة عند الأغلبية الساحقة من مشايخ الملحون أن يذكروا أسماءهم في قصائدهم بطريقة أو بأخرى، هذا الأمر لم يكن سيدي قدور يهتم به كثيرا. بخصوص 15 قصيدة الباقية، التي كان للجنة المذكورة شك في مصدرها، يؤكد عباس الجيراري بأنه تم التحقق بأن 6 منها ورد فيها إسم الشاعر بصيغ مختلفة. أما 9 الأخرى فلم يذكر فيها أي إسم. ونظرا للتداول الذي تحظى به كمؤلفات لسيدي قدور تم الاتفاق على دمجها في الديوان كملحق.
قضى سيدي قدور حوالي 20 عاما من عمره بمدينة مراكش، يبدو أنها كانت خلال النصف الثاني من عمره، إلا أن الفترة غير معروفة بالضبط. كما هي أسباب ابتعاده عن مكناس. هل كانت بسبب فورة غضبه على أهل مدينته؟ أم كانت حبا في التقرب من أولياء الله بالحمراء والتبرك بهم؟ أو بدافع عامل آخر؟
لقد ورد بأنه كان خلال إقامته بمراكش يزور أشهر أولياء مراكش المعروفون ب 7 رجال بكثرة وبانتظام. للتذكير، نذكر بأسماء هؤلاء الأولياء وتواريخ وفاتهم. القاضي عياض 1149م، أبو القاسم السهيلي 1185م، يوسف بن علي 1196م، أبو العباس السبتي 1204، محمد بن سليمان الجزولي 1465م، عبد العزيز التباع 1508م، عبد الله الغزواني 1528م.
بعد عودته إلى مكناس واظب سيدي قدور على زيارة ضريح مولاي ادريس الاكبر بزرهون. وفي السنوات الأخيرة من حياته كان يعتكف في منزله ولا يغادره إلا للخروج لصلاة الجمعة بجامع الزيتونة، وذلك حسب الرواية الواردة في الديوان
نظريا قصائد الملحون تنظم لتنشد، لأن الإنشاد هو الذي يمنحها بعدا وصدى إضافيين لتعرف وتشتهر وتصل إلى أقصى عدد ممكن من الناس. لكن ما كل القصائد تحظى بهذه الإمتياز. فالمنشدون غالبا يختارون ما يعتبرونه الأفضل والأنسب لإمكانياتهم. بالنسبة لسيدي قدور، العديد من قصائده فرضت نفسها على أبرز منشدي الملحون ولاقى إنشادها إقبالا وتجاوبا مهمين من طرف الجمهور. لكن دخول بعض المجموعات الغنائية على خط غناء مقاطع من قصائد ملحونية معينة جعل تلك القصائد تحظى بشهرة واسعة واستثنائية، وساهم إلى حد بعيد في إثارة الانتباه إلى قيمة الملحون وجماليته من طرف فئات واسعة من المجتمع. نذكر من هذه القصائد، مزين وصولك لجيل جيلالة. حن واشفق ، كيف يواسي، ورفق يامالكي لناس الغيوان. وبالطبع هناك قصائد أخرى لشعراء آخرين حظيت باهتمام مجموعات السبعينات.
الهوامش
(1) عبدالمجيد العيباري، معروف بكونه “شيخ الملحون”، وهو خبير في فن الملحون المغربي الأصيل. اشتهر بتخصصه في دراسة وتحليل العروض والقواعد الخاصة بهذا الفن، وتعمقه في القصائد وتاريخها، بالإضافة إلى سعيه لنقل معرفته وشرح أسرار هذا التراث لجيل الشباب
الخبرة الفنية: تتلمذ على أيدي كبار مشايخ فن الملحون في مدن مغربية عريقة مثل سلا وفاس ومكناس
الجهود البحثية: قضى أكثر من عشرين عاماً في جمع القصائد ودراسة بنيتها العروضية وقواعدها، وشرح المحسنات البلاغية، والمعجم اللغوي، وأساليب كتابة القصائد وفقًا لكل بحر (قياس)
الهدف التعليمي: يسعى إلى نشر معرفته العميقة في فن الملحون وإلهام الشباب لضمان استمراريته
الدعوة للحفاظ على التراث: وجه انتقادات لوزارة الثقافة المغربية بسبب إهمال فن الملحون، على الرغم من اعتراف منظمة اليونسكو به كتراث إنساني. (المصدر، غوغل)
ملاحظة
تم الاعتماد أساسا على الوثائق التالية بتصرف:
– معلمة الملحون الجزء الثاني-القسم الثاني تراجم شعراء الملحون
– موسوعة الملحون – ديوان الشيخ عبد القادر العلمي – مقدمة الأستاذ عباس الجيراري
– مداخلات الباحث عبد المجيد العيباري في فن الملحون على قناة مليح TV على يوتوب، وموقعه على الفايسبوك.
صورة الضريح بعدسة الصديق خلوقي عبد الجبار
كاتب من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي