إجابات فلسفية عن أسئلة لم تُطرح في (خطوات الأعمى) للأديب نجيب التركي

ثابت محمد القوطاري*
“بعض الأسئلة لا تحتمل إجابة، وبعض الأجوبة تؤلم أكثر من السؤال” الرواية صـ 209

(خطوات الأعمى) عمل روائي للأديب اليمني (نجيب التركي)، يقع في (233صفحة) من القطع المتوسط، صادر عن مكتبة خالد بن الوليد 2026م.
ما يميز هذا العمل الروائي للأديب نجيب التركي، هو أنَّه جاء بأسلوب مغاير ومختلف، من حيث البناء واللغة والشكل السردي، قدَّم الروائي فيه فلسفته تجاه الإنسان والحياة والعالم، وبث أيديولوجيته التي يؤمن بها ويتبناها، وقد اعتدتُ في تقديمي لأي عمل أدبي وقراءته أن أتناوله من عتباته الأولى: العنوان والغلاف والخطاب المقدماتي، ثم أدخل عليه من زاوية محددة في جانبه الموضوعي والتقني، إلاَّ أنني هنا أجد نفسي أنساق في قراءة مغايرة، وخارجة عن الاعتياد الذي يعرفني به القارئ، هذا الخروج فرضه النص الروائي لنجيب التركي، فبالرغم من اللغة الشعرية التي يتميز بها النص، وتكثيف عباراته، وخروجه في شكله الكتابي عبر تقنية تبادل الرسائل بين شخوص العمل، إلاَّ أن القارئ سيجد كماً من فلسفة الروائي ورؤاه، هذه الفلسفة والرؤى قُدمتْ كما لو أنها إجابات عن أسئلة افتراضية، قد يضعها القارئ الواعي، الذي يبحث في الأدب، والعمل السردي عن خلاصه، ومواساة لذاته، لاسيما وأن الكلمة مسؤولية، نحتاجها احتياجنا للهواء والماء.
سأكون هنا ذلك القارئ الفضولي، الذي سيستنطق النص، ويضع أسئلته على الروائي، وسأجد أن الروائي نجيب التركي يضع إجاباته الفلسفية المكثفة، المستخلصة من تجاربه في الحياة والقراءة والكتابة.
يقدم نجيب التركي إجابات كما لو أنَّه يقدم دروساً ومواعظا، كتلك التي يقدمها كونفوشيوس، وبوذا وأفلاطون وجبران، وغيرهم من الفلاسفة، والأنبياء.
- الكتابة باعتبارها خلاصاً
الكتابة -بالنسبة للأديب- هي فعل خلاص، وانبعاث، يحترق فيها إلى أن يصبح رماداً، ثم يخرج كالعنقاء هازئاً بالموت، متجدداً كما لو أنَّه خُلق لتوه من جديد، وحين نسأل نجيب التركي عن فعل الكتابة وجدواها ولماذا يكتب، نجده يقدم إجابات مفتوحة، فينقلب إليك السؤال كما لو أنَّه موجه إليك.
إذا يقول: “لماذا أكتب؟ أهو انجذاب للكلمة؟ أم محاولة لمقاومة الصمت؟” ص18، ثم هل الكتابة فعل فردي أم أنه بحاجة إلى وعي جمعي يصوغ النص على النحو الذي ينبغي، وكيف تبدو الكتابة عند نجيب، وهنا يجيب: “بدت الكتابة طريقاً لا أمشيه وحدي، طريقاً ضيقاً هشاً، لكن مشتركاً لي ولها” ص20
قد يضع القارئ سؤالاً مهماً، هل يكتب الأديب الواقع؟ هل يقول الحقيقة، نجيب هنا يفتح جرحاً آخراً كعادته، ويقول: “كيف نقول الحقيقة حين تُقال بصوت شخص آخر؟ ومتى نثق بكلمات تأتي من غريب؟” ص45. ثم هل للكتابة مهمة معينة، وهل الأديب لسان حال مجتمعه، أم أذنٌ واعية؟ يقول نجيب أنه كان “أصغر من المهمة وهم أكبر من الأصغاء” ص51.
كثيرٌ من الأدباء والكتاب حين يكتب، يدخل في طقس تحضره الموسيقى، والشراب، والعريُّ أحياناً، وحالة من النشوة، والانجذاب، كلُّ كاتب له طقسه الخاص في فعل الكتابة، حين نحاول أن نقترب من هذه الجزئية لديه، فإنه يقول: “الطقوس لم تكن حباً في النظام، كانت محاولات يائسة للسيطرة على ما لا يُمسك نفسي” ص53.
تخاف الروائية (أحلام مستغانمي) أن يتحول الأديب إلى موظف، يكتب ليأكل، يعيش بالكتابة، هكذا قالت ذات حوار، وحين نسأل نجيب التركي: هل يعيش في الكتابة؟ أم عليها؟ أم فيها؟ يجيب: ” أعيش في منطقة رمادية بين الكتب والرسائل” ص59.
وأين تبدأ يا نجيب؟ وأين تنتهي في كتابتك؟
“لا أعرف أين ينتهي النص وأين تبدأ حياتي” ص70
وماذا يمكن أن تفعله الكلمة بنا؟
“كلمة واحدة تقال في الوقت الصحيح تفعل ما لا تفعله الخطب، ولا الأسماء ولا الأحكام” ص34
وهل يستطيع الأديب أن يكتب عن الوجع كما لو أنه يعيشه؟
” كيف نتكلم عن الوجع دون أن نمد أيدينا أكثر مما ينبغي؟ كيف نكتب عن روح تتراجع كلما اقتربنا منها؟” ص16.
تلك كانت إجابات نجيب عن أسئلة محتملة عن الكتابة، أسئلة لم تطرح بطريقة حادة ومباشرة، ولم تكن إجابات نجيب مباشرة كما لو أنه في حوار صحفي، لكنها كانت رسائل فلسفية استنطقنا النص الروائي، ليجيب عنها بجرأة.
- الإنسان ووجعه والعالم
علاقة نجيب بالحياة، وبالإنسان هي علاقة اكتمال (الأنا) بوجود (الآخر)، وحين نسأل نجيب عن الإنسان ومشاعره، فإنه يضعنا أمام تقسيماته الخاصة فـ “ثمة من يدفن مشاعره بصمت، ومن يتركها تتساقط وحدها، لكن حين تصبح الحياة نفسها عارضاً، لا يعود الصمت حياداً” ص11.
ثم ما علاقة نجيب التركي بالآخر؟
“جلستُ قربه أبحث عن دفء لم يعد يعرف كيف يُمنح” ص39
هل يساعدونك؟ هل ينقذونك؟
“بعض الأشخاص لا ينقذونك دفعة واحدة، لكنهم يفتحون فصلاً جديداً تستطيع أن تتنفس فيه” ص41.
كثيرٌ من الكتاب والأدباء تأتي كتاباتهم ضعيفة، هشة، على نحو فاضح، ما رأيك؟
“هشاشة الروح أسبق” ص76
نجيب الحاضر في الساحة الثقافية اليمنية بقوة، في الوقت الذي يفضل كثير من الأدباء العزلة، ما فلسفتك الخاصة تجاه ذلك؟
“البيت حين يتحول إلى ساحة عزلة يصبح الألم مضاعفاً” ص86
حين يُحرم الأديب من حقه في البوح، كيف تبدو مشاعرك؟
“الحرمان يجعل أبسط المشاعر تبدو كالمعجزة” ص89
يقول الشاعر بول شاوول أنه لا يزهر إلاَّ في الخطر، ماذا عن نجيب؟
“الألم مُعدٍ. كأن الاقتراب من المعاناة يفسدك” ص91، “فقط كن حاضراً، أحياناً الوجود الصامت أكبر هدية” ص93، “أحياناً، لا تحتاج الأرواح إلى أكثر من أن يُصدقها أحد” ص103
– هل الكاتب جزء من نصه؟ وهل حضوره حتمي فيه؟
-“الكارثة في أولئك الذين يصرون على البقاء خارج الحكاية، بينما وجودهم هو الفعل الشافي الوحيد والممكن” ص106
هناك من الأدباء من سقط؟ سقط بفعل الموقف لا بفعل الكتابة؟ لم يقف، ولم ينتصر للقضية؟
“كم مرة يمكن لإنسان أن يظل واقفاً قبل أن يسقط دون صوت” ص129، و “من منا سينجو دون أن يخون نفسه” ص200
يقال إن الألم والمعاناة يولدان الإبداع، هل يتألم نجيب ليبدع؟
“أما أنا فابتلعت الألم لأن الخيارات لم تكن يوماً لي” ص140
لماذا؟
-“الألم هنا لا يملك حلاً واضحاً، وإن وُجد فهو بعيد، مُعقد، كجملة في لغة أعرف قواعدها، ولا أعرف نطقها” ص162
ماذا عن علاقتك بالعالم؟
“نحن لا نكره هذه العالم، نحن نحبه بطريقة تؤذينا، نقاتل لنثبت أننا أقوياء فنخسر في اللحظة التي نبدأ فيها القتال” ص171
“لم يكن التراجع عن العالم خياراً مدروساً، كان انسحاباً اضطرارياً من مسرح يعجُّ بالتشويش والعجز” ص205
هل نستطيع أن نصنع سعادتنا بأنفسنا؟ أم هي من تصنعنا؟
“السعادة ليست محطة، هي لحظة ننتبه فيها لأنفسنا” ص233
الحياة مدرسة، فماذا تعلم فيها نجيب؟
“تعلمتُ أن الحياة لا تساير أحداً، وأن النجاة أحياناً تعني فقط أن تمشي دون أن تسقط” ص27
ماذا يمكن أن يقدمه نجيب للآخرين؟
“قررتُ فقط أن أتبرع بدمعي لأولئك الذين لا يعرفون كيف يبكون، أن أهب وجعي لقلوب توقفت عن الخفقان دون أن تدري” ص175
هل يمرُّ الأديب والكاتب بلحظة ضعف يشعر معها بالهزيمة؟
“حتى الهزيمة حين تكون صادقة، تصير انتصاراً على الزيف” ص199
هذا هو نجيب، وهذه هي فلسفته، وهذه هي الإجابات التي نجدها في طيات روايته (خطوات الأعمى)، على لسان شخصيات الرواية، وهكذا نعمل على استنطاق النص الروائي، والبحث في أغواره عمَّا يعالج قضايا الإنسان الشخصية، ويصلح علاقته بنفسه وبالآخر وبالعالم.
ناقد من اليمن
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي