فهمي عبد الرحمان: حين يصير الزجلُ صوتًا يُحِبّ ويُحَبّ

حسن بيريش*
- منح للكلمة نبضها الشفيف:
عبد الرحمان فهمي ليس مجرد شاعر زجّال، بل هو حالة صوتية وروحية تمشي على قدمين، تُنصت للكلمة قبل أن تنطقها، وتؤمن بأن الزجل ليس كتابة فحسب، بل هو قدرٌ يُعاش.
منذ خطواته الأولى في دروب القصيدة الزجلية، بدا واضحًا أنه لا يكتب ليُقال إنه كتب، بل ليُسمع صدى الإنسان الحامل للقيم في داخله، وليمنح للكلمة نبضها الشفيف الذي يشبه الناس، ويشبه الحياة حين تُروى بلهجتها الصادقة.

“قدست مدادك
قدست مدادك يا بنت الهم
قدست مدادك الشارباه الورقة دم
فليلة حضرة لكلام
و خلا شلا وشام
خلا شلا وشام موشومة غم
على صدر الڭلب
و هانا ليييييييك
أمسلم تسلام
قصة كلامي وسط لكلام
قصة الحلاج مع لعوام
كثر الهراج و المراج
و الما هاج مداد غاضب
يرفع سومة الكلمة على الدوام”.
- لا تكتمل الحروف إلا عبر حنجرته:
في تجربته الإبداعية، لا تنفصل القصيدة عن الصوت. صوته الإذاعي فوق خشبة الإلقاء ليس مجرد أداة، إنه امتداد عضوي للنص، كأن الحروف لا تكتمل إلا حين تمرّ عبر حنجرته.
هناك، في تلك اللحظة الفارقة بين الصمت والتجلّي، بين الكلمة والمعنى، يتحول عبد الرحمان فهمي إلى ناسكٍ لغوي، يقدّس “مداد الكلمة” كما لو كان طقسًا سريًا، ويعيد للزجل هيبته القديمة، حين كان يُلقى لا ليُفهم فقط، وإنما ليُحسّ ويُرتجف له في خبء المشاعر.
عبد الرحمان يكتب من سريرة مشبعة بالقلق الجميل، بالتوتر الخلاق، حيث تختلط حكمة المعنى بدهشة الإلقاء، ويصير البوح أشبه بمحاولة دائمة لفهم هذا العالم الذي “كثر فيه الهراج والمراج”، كما يقول.
لكنه، بدل أن ينخرط في الضجيج، يختار أن يرفّع “سومة الكلمة”، أن يمنحها قيمتها الرمزية والإنسانية، وأن يعيدها إلى مقامها الأول: مقام الحب والصدق.
- الإشارات الصوفية والحس الشعبي:
في نصوصه، تتجاور الإشارات الصوفية مع الحس الشعبي، في توليفة باذخة ونادرة تجعل من قصائده جسورًا بين العارف والعادي، بين الحلاج والعوام. إنه لا يستعير الرموز ليزيّن بها نصه، إنه يستحضرها كي يحاور بها الإنسان البسيط، كي يقول إن التجربة العميقة يمكن أن تُروى بلغة الناس، دون أن تفقد عمقها أو هيبتها.
لذلك تبدو قصائده مثل “قصة كلامي وسط لكلام”، حيث تختبئ الحكاية داخل الحكاية، ويتحوّل المعنى إلى طبقات تُكتشف على مهل، ولا تُمنح دفعة واحدة.
- لغته تُغري وتُوجع في آن:
“كيف حالك ياغدا
وهذا ليلنا زاد تحدا
تحدا
تمدا
حتى تعدا
لا حمورة الشفق جابت لغسق
من الشرق
لا سواد على بياض تفتق”.
أما لغته، فهي لغة تعرف كيف تُغري وتُوجع في آن. فيها ذلك الامتداد الإيقاعي الذي يجعل الجملة الزجلية تنبض، وتتمايل بين البساطة والدهاء، بين المباشرة والإيحاء، بين اندلاع واشتعال.
وحين يقول: “كيف حالك يا غدا”، لا يبدو السؤال عابرًا، إنما هو مساءلة وجودية لزمنٍ قادم، يتأخر في القدوم مثلما تتأخر الطمأنينة في قلب الشاعر.
- الصوت الحاضن للأصوات:
ولا يمكن الحديث عن عبد الرحمان فهمي دون التوقف عند دوره الثقافي، فهو لم يكتف بأن يكون صوتًا شعريًا كبيرا ومتميزا، بل اختار أن يكون أيضًا حاضنًا للأصوات الأخرى.
من خلال تأسيسه وإدارته لمهرجان حلالة العربي للزجل، وملتقى حلالة الوطني، ساهم في خلق فضاء حيّ يتنفس فيه الزجل، ويجد فيه الشعراء منصة للتلاقي والتجدد.
إنه يؤمن أن الكلمة لا يمكن أن تزدهر في العزلة، إنها تتنامى وتغتني في اللقاء، في الاحتكاك، وفي ذلك الحوار المفتوح بين التجارب.
- شاعر يكتب كما يُنصت:
“قصة كلامي وسط لكلام
قصة الحلاج مع العوام
كثر الهراج
والمراج
والما هاج ومداد غاضب
يرفع سومة الكلمة علا الدوام”.
عبد الرحمان فهمي، في النهاية، هو شاعر يكتب كما يُنصت، ويلقي كما يحيا. يحمل في صوته بقايا الحكايات التي لم تقال بعد، وفي قصيدته ظلّ وارف للأسئلة المتناسلة التي لا تنتهي.
هو واحد من أولئك الذين لا يمرّون في المشهد الزجلي مرورًا عابرًا، وإنما يتركون فيه أثرًا يشبه الوشم، عميقًا، وصامتًا، لكنه لا أبدا يُمحى.
- يُنصت قبل أن يتكلم:
ولا تكتمل صورة عبد الرحمان فهمي دون التوقف عند أناقة شخصيته، تلك الأناقة التي لا تُقاس بالمظهر بقدر ما تُقاس بطريقة حضوره الجميل بين الناس، كل الناس.
هو رجل يعرف كيف يُنصت قبل أن يتكلم، وكيف يمنح للآخرين مساحتهم كاملة دون أن يزاحمهم على الضوء.. لأنه هو نفسه ضوء.
في تعامله، يسود نوع من الهدوء النبيل، حيث الاحترام ليس مجاملة عابرة، بل سلوكًا أصيلًا. يفتح قلبه للأصوات الزجلية الواعدة، ليس باعتباره وصيًا عليها، بل بوصفه رفيق درب يؤمن بأن لكل صوت نبرته التي تستحق أن تُسمع.
يدعم، يشجّع، يوجّه دون أن يفرض، ويمنح للجيل الجديد ثقة تُشبه دفعة أولى نحو الانطلاق، كأنه يردّ الجميل للكلمة التي آمنت به يومًا، مثلما آمن بها دائما.
- المحبة خيار ثقافي:
أما في الحقل الثقافي، فقد استطاع عبد الرحمان فهمي أن يُكرّس قيمة نادرة:
المحبة كخيار ثقافي.
في زمن تتكاثر فيه الحساسيات والتنافسات الضيقة، اختار هو أن يكون جسراً وليس جداراً، اختار أن يجمع بدل أن يفرّق، وأن يصنع من اللقاءات فضاءات دفء إنساني قبل أن تكون منصات إبداع.
حضوره في المهرجانات والملتقيات ليس مجرد تنظيم أو مشاركة، إنه فعل ترميم دائم للعلاقات، وبناء غير معلن لروح جماعية تُؤمن بأن الثقافة لا تزدهر إلا بالمودة.
لذلك، حين يلتقي به الآخرون، لا يغادرون فقط بانطباع عن شاعر، وإنما بإحساس أنهم التقوا إنسانًا يُشبه تماما روح قصيدته:
واسع القلب، ومؤمن بأن الكلمة، حين تُقال بمحبة، تستطيع أن تُنقذ أكثر مما تُدهش.
أليس كذلك سي عبد الرحمان ؟!
ناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي