الرئيسية / الأعداد / تعددت المنابت والدهشة واحدة: دراسة مقارنة في أربع تجارب عربية للهايكو – الحسن الگامَح

تعددت المنابت والدهشة واحدة: دراسة مقارنة في أربع تجارب عربية للهايكو – الحسن الگامَح

حـــــــــــــــــوارات

تعددت المنابت والدهشة واحدة: دراسة مقارنة في أربع تجارب عربية للهايكو

الحَسَن الگامَح*

 

 على سبيل البدء: توطئة

في مراجعة الأداة الشعرية يرى الباحثون في جماليات النص المعاصر أن انتقال قصيدة الهايكو من جغرافيتها اليابانية الأم إلى التربة الإبداعية العربية لم يكن استعارة لشكل هندسي خارجي يقوم على الأسطر الثلاثة، بل كان بمثابة صدمة جمالية واعية، جاءت لتلبي رغبة دفينة لدى المبدع العربي في التخفف من الترهل اللفظي والقعقعات البلاغية الموروثة. لقد مثّل الهايكو نمطاً جديداً للرؤية، وانعتاقاً بالحواس نحو تفاصيل الكون اليومية والهامشية.

في هذا المقال النقدي المقارن، نقف عند أربع علامات فارقة في منجز الهايكو العربي المعاصر، وهي تجارب الشعراء: سامح درويش (المغرب)، وتوفيق أبو خميس (الأردن/فلسطين)، وحسني التهامي (مصر)، ومحمد بنفارس (المغرب)، وذلك بحسب الترتيب المنهجي لرصد ملامح التباين والاتساق بينها. ومن خلال تفكيك خطاباتهم الحوارية ومكاشفاتهم الذاتية، نسعى إلى استجلاء مراجعهم التأسيسية الأولى، ومواقفهم النقدية من إشكالية تأصيل الهايكو العربي ومفهوم الهوية والمغايرة، وصولاً إلى تشخيص مأزق الممارسة الإبداعية والنقدية في المشهد الراهن، لتبيان كيف استطاعت كل تجربة—على حدة—أن تمنح هذا القادم الياباني مذاقاً محلياً خاصاً وعبقاً إبداعياً متفرداً

أولاً: الجذور والبدايات.. من الطفولة والانخطاف إلى وعي المغايرة

تتقاطع البدايات الشعرية لدى المبدعين الأربعة في الانبثاق المبكر من نبع الطفولة والارتباط بالمحيط البيئي، لكنها تختلف في مسارات التحول نحو الهايكو:

  • سامح درويش: انطلقت شرارته الأولى من لوثة الشعر في الطفولة، متأثراً بقصائد شيوخ القصبة في التراث الشعبي المغربي، ليتحول الشعر لديه في اليافعية إلى قرين للحب. ولم يكن انتقاله للهايكو تجريباً عابراً، بل جاء كإفراز طبيعي لسيرورة وتطور تجربته التي نزعت مبكراً نحو الثورة على القوالب الجاهزة ومراجعة الأدوات البلاغية والاستعارات المتوارثة لصالح التكثيف.
  • توفيق أبو خميس: تبلورت بذرته الشعرية الأولى في مخيم إربد بالأردن، حيث تشكل وعيه على واقع اللجوء والمقاومة، فامتزجت طفولته بين حلم العودة والكتابة الحماسية قبل الاستقرار في حقل الهايكو كأداة لاختزال الألم الإنساني والقبض على اليومي الهامشي.
  • حسني التهامي: بدأت تجربته في سن الثانية عشرة في أحضان الريف المصري؛ حيث تناغم خرير المياه وخضرة الحقول وعزف العصافير ليشكل لوحته الأولى. وانتقل التهامي إلى الهايكو بعد مروره بمحطتي قصيدة التفعيلة (في دواوينه الأولى) ثم قصيدة النثر، بحثاً عن نمط اختزالي يبتعد عن الحشو ويصل إلى غور الأشياء بكلمات بسيطة.
  • محمد بنفارس: ارتبطت بداياته بعوالم القراءة والشغف الفلسفي بالمغرب، فكان الهايكو بالنسبة إليه بمثابة ملاذ تأملي يسعى عبره إلى تجريد اللحظة وعزلها عن ضوضاء المباشرة، متكئاً على ثقافة بصرية وفلسفية مكنته من بناء مشهديته الخاصة.

ثانياً: هُوية الهايكو العربي.. صراع التسمية والخصوصية الثقافية

يتجلى التباين الفكري والنقدي بين التجارب الأربعة بشكل واضح عند التساؤل حول مشروعية وجود هايكو عربي أو مغربي بإزاء المرجعية اليابانية الصارمة:

  • يرى سامح درويش أن الهايكو أصبح اليوم سقفاً جمالياً إنسانيا ومكوناً للشعريات العالمية كلها. ويؤكد بثقة—من منظور المعايشة والاطلاع—أن هناك اليوم منجزاً حقيقياً في مجال الهايكو بالمغرب لا يقتصر على الفصحى بل يمتد للفرنسية، والأمازيغية، والدارجة المغربية. ويصف الهايكو بأنه شعر بيولوجي ينتصر للحياة وللخلفية الفلسفية المدارية الشرقية التي تلتقي مع العمق العربي.
  • أما حسني التهامي، فيبدو أكثر تحفظاً وتريثاً؛ إذ يرى أن التسمية ليست جوهرية، ويُحبذ إطلاق مسمى شعر يقترب من روح الهايكو. ويرجع ذلك إلى أن الهايكو الياباني يرتبط بنيوياً بإيقاع لغته الأم، مشيراً إلى محاولات التجديد العربية لإضفاء السمت المحلي (مثل تجارب عبد الكريم كاصد وسامح درويش) ومحاولات الاصطلاح كـالهَكِيدَة. لكنه يشدد على أن اللغة العربية بثرائها واشتقاقاتها قادرة على إكساب هذا الفن مذاقاً خاصاً وروحاً مميزة.
  • وفي المقابل، يركز توفيق أبو خميس على البعد الإنساني للهايكو، معتبراً إياه وسيلة لكسر المركزية الثقافية، حيث يرى الهايكو العربي كمرآة تعكس هموم الإنسان العربي وواقعه المعاش دون تزييف أو مبالغات بلاغية.
  • ويتفق محمد بنفارس مع فكرة الكونية، معتبراً أن الهايكو لا هُوية ضيقة له بمجرد خروجه من حدود اليابان، فالبيئة المغربية بتنوعها التضاريسي والثقافي تمنح النص العربي شرعيته الجمالية المستقلة.

ثالثاً: الفتنة الجمالية وسر الانجذاب نحو الهايكو

تبحث التجارب الأربعة في سر الفتنة التي يمارسها هذا النص القصير الخادع على الشاعر والمتلقي:

  • يعتبر سامح درويش الهايكو بمثابة تربية شعرية للذوق والحواس؛ تكمن متعتها في القبض على اللمعات وتقديمها بلغة بسيطة وهي في كامل توهجها، مما يساهم في تحرير الشعرية العربية من القعقعات البلاغية، والأنا المتضخمة، والإسهاب المفرط.
  • ويشاطره حسني التهامي هذا التصور مستعيراً مجازاً عميقاً: الهايكو كـ إصبع يشير إلى القمر، فإذا كان الإصبع مرصعاً بالجواهر، فلن تستطيع رؤية القمر. فالفتنة تأتي من البساطة واختزال المشهد الكوني لتتحدث الأشياء عن ذاتها، مما يحقق حالة من الكشف الروحي واستكناه الذات عبر عبور الذاتي من خلال الكوني من خلال تقنية تجاور المشاهد (المتناسقة أو المتنافرة).
  • بينما يرى أبو خميس السر في قدرة الهايكو على ملامسة التفاصيل اليومية المنسية التي قد لا تلتفت إليها القصائد الطويلة، مما يجعله قريباً من نبض الشارع والحياة البسيطة.
  • ويرى بنفارس الإدهاش في المفارقة اللماحة والـ سين (لحظة التنوير الفجائية) التي تترك القارئ في حالة تأمل مستمر بعد نهاية الأسطر الثلاثة.

رابعاً: واقع الهايكو العربي ومأزق الممارسة والنقد

لم تخلُ شهادات الشعراء من نبرة نقدية تشخص واقع هذا الفن في الساحة العربية الحالية:

  • يحذر حسني التهامي من موجة العبث والوهم الخداج الذي تروج له بعض المنتديات الإلكترونية عبر التكريمات الزائفة ونشر نصوص ضعيفة لا علاقة لها بالهايكو سوى تقيدها الشكلي بالأسطر الثلاثة، مؤكداً أن الهايكو الحقيقي نادر كـاللؤلؤ المكنون وينتج عن ذات متماهية مع الجمال الأبدي. كما يشير إلى حاجة الساحة العربية لـ العمل المؤسسي لتأصيل هذا الفن.
  • ويلتقي معه سامح درويش في ضرورة الارتقاء بالوعي النقدي؛ حيث يؤكد أن نقد الهايكو يلزمه نقاد هايكو بأدوات ورؤى نقدية تناسب هذا اللون الشعري وتفهم خصوصيته الاستثنائية.
  • ويرى محمد بنفارس وتوفيق أبو خميس أن غياب المواكبة النقدية الأكاديمية الصارمة جعل الساحة الإبداعية تختلط فيها النصوص الانطباعية السطحية بالنصوص التأملية العميقة، مما يستوجب غربلة حقيقية للمنجز الراهن.

خامساً: علاقة المبدع بالناقد ومرجعيات التداخل

تطرح تجربتا درويش والتهامي نموذجاً للمبدع/الناقد:

  • يصر سامح درويش على التواضع النقدي حاصراً نفسه في موقع المعايش والذائق الذي بلور مقاييس جمالية عبر القراءة والممارسة دون ادعاء امتلاك أدوات الناقد الأكاديمي المتخصص.
  • أما حسني التهامي، فيرى في النقد إبداعاً آخر يتطلب دراسة منهجية بعيداً عن العشوائية، مبرراً خوضه غمار الكتابة النقدية والأكاديمية (في مجلات محكمة كـ ميريت الثقافية وجريدة القاهرة) بضرورة ملء الخلو الساحق في الساحة النقدية العربية للهايكو وتوفير مراجع للمبدعين العرب. غير أنه يلمس مفارقة أن الوعي النقدي الصارم قد يفرض أحياناً سلطة رقابية تقلل من غزارة التدفق الإبداعي، نظراً لأن الهايكو في جوهره ينبثق من بصيرة روحية ولحظة تأملية.

على سبيل الختم:

إن مقارنة هذه التجارب الأربع تكشف أن الهايكو العربي ليس قالباً جامداً نُقل حرفياً من بيئته اليابانية، بل هو حقل إبداعي حيوي يتشكل بخصوصيات أصحابه. فبين ثورة سامح درويش على التقعير البلاغي بالمغرب، والتقاط المتخيل الريفي ومأسسة النقد عند حسني التهامي بمصر، واختزال الوجع المعاش عند توفيق أبو خميس، والتأمل الفلسفي المشهدي عند محمد بنفارس؛ يثبت الهايكو العربي قدرته الفائقة على التوطن والنمو، واهباً الضاد إيقاعاً جمالياً جديداً يزاوج بين بساطة المظهر وعمق الجوهر.

كاتب من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

عِنَاقٌ بِطَعْمِ الانْتِظَارِ – محمد بن الظاهر

محمد بن الظاهر *   تحتَ صدركِ ظلالُ النّخيل عتمةٌ تنتظرُ الخائفين يُواري آدمُ سَوأته …

اترك تعليقاً