الرئيسية / ابداعات / انقلب السحر عليّ – نورالدين بنعيش

انقلب السحر عليّ – نورالدين بنعيش

 

بجلباب أبيض، تظهر عليه آثار بقع المطر المغبر، وعمامة صفراء، لا ليحمي بها رأسه من شدة البرد ،بل ليخفي بها الشيب ،الذي غزى شعر رأسه كله، بالرغم من أن عمره ، لم يتجاوز الأربعين سنة بعد، كتاب الله الذي يحمله في صدره، هو مصدر رزقه الوحيد، بفضل بركاته ، أصبح فقيها في الدوار، له مكانة محترمة، بين سكان القبيلة، لا ينازعه فيها أحد، كلامه دائما ،يؤخذ على محمل الجد.
لا تفارقه الابتسامة، هو كملاك الفجر، خفيف الظل، حين تتحدث معه، بسرعة البرق ينفذ كلامه المعسول إلى النفس، كنفاذ السهم في القلب، حبه لنفسه مبالغ فيه نوعا ما، جبل على حب النساء، يهوى الدخول معهن في مغامرات، لأنه يعرف مسبقا ، أنه يربح رهاناتها، بحكم شخصيته القوية ،والمؤثرة فيهن.
لذلك لقب بزير النساء، فهو من اختار هذا اللقب، لثقته المفرطة في نفسه.
صعد شعيب الحافلة، جال كعادته بعينيه في الركاب، يبحث عن مبتغاه ، لا عن كرسي يجلس عليه، ويستريح، وهو الذي طال به انتظار الحافلة، التي وصلت متأخرة الى المحطة.
كطائر من الطيور الكواسر، اهتدى شعيب إلى فريسته، اتجه نحوها، حتى اقترب من المقعد، حيث كانت تجلس إحدى الفتيات، ذات جمال يشد الناظر اليه، و بجانبها امرة عجوز، قضى وقتا لا بأسه به واقفا، في وسط ممر الحافلة، ينتظر الفرج ! تسلل إليه الملل، وبدأت تظهر عليه علامات التوتر. لكن المرأة العجوز، أذهبت عن الضجر، حين سمعها تصفق، بيديها اللتين نحتهما الزمن، ليوقف السائق الحافلة، التي لم تتوقف، قامت المرأة هذه المرة من مقعدها ،وعاودت التصفيق للمرة الثانية، حديث السائق مع مرافقه ،بصوت عال جعله لا يسمع شيئا. انتفض شعيب صارخا» أي محمد المرأة تطلب منك أن توقف الحافلة». خففت السرعة تدريجيا، فتوقفت الحافلة، ساعد شعيب السيدة العجوز، على حمل أمتعتها، كأنه يستعجل هبوطها، نزلت المرأة بعد أن أمطرته دعاء.
أخيرا تنفس الصعداء، جلس جنب الفتاة، مبد غضبه من السائق، كمحاولة منه ليستدرجها للحديث، وبذلك يكون قد أزال ستار الخجل عنها، ولا رد فعل قامت به الفتاة نحوه ،اكتفت فقط بنظرة يتيمة إليه ثم أدارت وجهها جهة النافدة، فتحتها ، تريد أن تجفف ،حبيبات من عرق الخجل ،المنتشرة على وجنتيها ،كانتشار ندى الفجر، على بتلات زهرة الزنبق.
شعر شعيب بخيبة أمل شديدة، في أول اختبار أجراه معها، تمتم « رد الفعل هذا، أمر عاد وطبيعي جدا» ثم أضاف « لن تفلت مني»، تنحنح، ثم التفت إليها قائلا « هذه قطعة من الشوكلاتة، هي هدية لي من أحد الأصدقاء ،يحصل لي الشرف إن أنت تقاسمتها معي» ثم واصل كلامه، مبتسما “ ليكن في علمك، الهدية لا ترد» لم يترك لها مجال للرفض، تسلمتها منه مكرهة، وشكرته على كرمه . إحساس غريب انتاب شعيب ، وحتى لا يترك الصمت يخيم عليهما، ويضيع عليه هذه الفرصة، بادرها بالحديث،»أنا شعيب فقيه دوار أولاد المختار «هزت الفتاة رأسها ،دون أن ترد عليه ولو بكلمة واحدة.
الحافلة توشك أن تصل الى المحطة، وزير النساء مازال بعيدا عن هدفه، لم يظفر بعد بفتاة أفقدته أعصابه، وبعثرت كل أوراقه.
دون أن يملك نفسه بادرها بالكلام «أريد رقم هاتفك، لو سمحت ، لنبقى على اتصال»، بوغتت الفتاة بطلب شعيب، من دون أي تردد أخرجت من محفظتها مذكرة ، قطعت منها ورقة ،فكتبت عليها بضع كلمات ثم سلمتها له.
وأخيرا ابتسم الحظ لشعيب، و نشوة الانتصار، رسمت على شفتيه ابتسامة عريضة ، لقد هزم كبرياء هذه الفتاة، وحقق بعضا من مراده ، لكن المسار مازال طويلا، لأن الحافلة قد وصلت إلى المحطة، نزل الركاب بما فيهم الفتاة ،وبقي شعيب، يتأمل من وراء النافذة أميرته، حتى اختفت عن نظره ، فتح الورقة، لا أثر لرقم الهاتف، فقط جمل عريضة جاء فيها: «أنا ابنة الحاج المختار، صاحب ضيعة التفاح، لقد حضرت في عقد قراني، مع ابن شيخ الدوار الحاج القادري، وأنت من قرأ الفاتحة، فهل تذكرت الآن بمن كنت تتشبب أيها الفقيه المحترم !» ضرب شعيب جبهته، التي تصبب منها عرق بارد، بكفه «لقد انقلب السحر عليَّ «هكذا حدث نفسه، ثم أسرع الى المسجد، لرفع آذان المغرب…

 

قاص من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

عيناكَ وضاءتان بعنف – خالد زغريت

خالد زغريت*   لم أكنْ حجراً حين لانتْ عليَّ وروداً – دمائي – ولستُ نبيّاً …

اترك تعليقاً